تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضرائب‭ ‬المليارديرات‭ ‬تشعل‭ ‬جدلاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬أمريكياً

ضرائب‭ ‬المليارديرات‭ ‬تشعل‭ ‬جدلاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬أمريكياً

عاد‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬ضرائب‭ ‬المليارديرات‭ ‬إلى‭ ‬صدارة‭ ‬النقاش‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬كتاب‭ ‬جديد‭ ‬يتناول‭ ‬علاقة‭ ‬الثروة‭ ‬بالنظام‭ ‬الضريبي،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬كبار‭ ‬الأثرياء‭ ‬لسد‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭ ‬وتمويل‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬يواجه‭ ‬اعتراضات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬اقتصاديين‭ ‬وخبراء‭ ‬ضرائب‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الضرائب‭ ‬الشخصية‭ ‬وحدها‭ ‬يتجاهل‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬الوظائف‭ ‬والإيرادات‭ ‬الحكومية‭ ‬ودفع‭ ‬عجلة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ويكشف‭ ‬النقاش‭ ‬الدائر‭ ‬أن‭ ‬الخلاف‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬ثروات‭ ‬المليارديرات،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬فلسفة‭ ‬النظام‭ ‬الضريبي‭ ‬نفسه،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيس‭ ‬هو‭ ‬زيادة‭ ‬الإيرادات‭ ‬العامة،‭ ‬أم‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬تشجع‭ ‬الاستثمار‭ ‬وريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬بعض‭ ‬المزايا‭ ‬الضريبية‭ ‬لأصحاب‭ ‬الثروات‭ ‬الكبيرة‭.‬

جدل‭ ‬متجدد
وأعاد‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الطبقة‭ ‬الثانية‭: ‬كيف‭ ‬صنع‭ ‬قانون‭ ‬الضرائب‭ ‬أرستقراطية‭ ‬أمريكية‮»‬،‭ ‬لأستاذة‭ ‬القانون‭ ‬الأمريكية‭ ‬راي‭ ‬مادوف،‭ ‬إحياء‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬تعتبره‭ ‬الكاتبة‭ ‬نظاماً‭ ‬ضريبياً‭ ‬سمح‭ ‬بتكوين‭ ‬طبقة‭ ‬ثرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬ثرواتها‭ ‬ونقلها‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬مع‭ ‬تقليص‭ ‬التزاماتها‭ ‬الضريبية‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬قانونية‭.‬
وتقول‭ ‬مادوف‭ ‬إن‭ ‬القوانين‭ ‬الحالية‭ ‬تمنح‭ ‬أصحاب‭ ‬الثروات‭ ‬مزايا‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخول‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الأجور،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬الفجوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬منتقدي‭ ‬الكتاب‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬الآليات‭ ‬القانونية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دولار‭ ‬يحتفظ‭ ‬به‭ ‬الأثرياء‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬الخزانة‭ ‬العامة‭. ‬ويؤكد‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬كبار‭ ‬المستثمرين‭ ‬يدفعون‭ ‬بالفعل‭ ‬ضرائب‭ ‬بمبالغ‭ ‬تفوق‭ ‬ما‭ ‬يدفعه‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭ ‬بآلاف‭ ‬أو‭ ‬ملايين‭ ‬المرات،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬مساهمتهم‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬شركات‭ ‬توفر‭ ‬ملايين‭ ‬الوظائف‭ ‬وتولد‭ ‬إيرادات‭ ‬ضريبية‭ ‬مستمرة‭ ‬للدولة‭.‬

النظام‭ ‬الضريبي
ويتركز‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬اختلاف‭ ‬معاملة‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إذ‭ ‬تخضع‭ ‬الأجور‭ ‬لضريبة‭ ‬الدخل‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضرائب‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬بينما‭ ‬تخضع‭ ‬الأرباح‭ ‬الرأسمالية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬وتوزيعات‭ ‬الأرباح‭ ‬لمعدلات‭ ‬ضريبية‭ ‬أقل،‭ ‬ولا‭ ‬تتحمل‭ ‬بعض‭ ‬الرسوم‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬الرواتب‭.‬
ويرى‭ ‬مؤيدو‭ ‬الإصلاح‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التفاوت‭ ‬يمنح‭ ‬المستثمرين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الأصول‭ ‬ميزة‭ ‬ضريبية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعاملين‭ ‬بأجر،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬القيمة‭ ‬المطلقة‭ ‬للضرائب‭ ‬التي‭ ‬يدفعها‭ ‬الأثرياء‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬يشير‭ ‬معارضو‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬إضافية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬المليارات‭ ‬يؤجلون‭ ‬بيع‭ ‬أصولهم‭ ‬أو‭ ‬يعتمدون‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬بضمان‭ ‬محافظهم‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤخر‭ ‬استحقاق‭ ‬الضرائب،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إعفاءهم‭ ‬منها‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة‭.‬
كما‭ ‬يستشهد‭ ‬هؤلاء‭ ‬بأمثلة‭ ‬لمليارديرات‭ ‬دفعوا‭ ‬مبالغ‭ ‬ضخمة‭ ‬للخزانة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬إيلون‭ ‬ماسك‭ ‬الذي‭ ‬سدد‭ ‬نحو‭ ‬11‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬ضرائب‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أسماء‭ ‬بارزة‭ ‬مثل‭ ‬كين‭ ‬جريفين‭ ‬وستيف‭ ‬بالمر‭ ‬وجيف‭ ‬بيزوس‭ ‬وتيم‭ ‬كوك‭ ‬وجنسن‭ ‬هوانغ،‭ ‬الذين‭ ‬بلغت‭ ‬التزاماتهم‭ ‬الضريبية‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬أو‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬مختلفة‭.‬

أثر‭ ‬الشركات
ويؤكد‭ ‬الرافضون‭ ‬لفكرة‭ ‬تصوير‭ ‬المليارديرات‭ ‬باعتبارهم‭ ‬‮«‬راكبين‭ ‬بالمجان‮»‬‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الضريبي‭ ‬أن‭ ‬مساهمتهم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الضرائب‭ ‬الشخصية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬أسسوها‭ ‬أو‭ ‬يديرونها‭.‬
فشركات‭ ‬مثل‭ ‬تسلا‭ ‬وأمازون‭ ‬وآبل‭ ‬وميتا‭ ‬وألفابت‭ ‬توظف‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬العاملين،‭ ‬وتدفع‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬سنوياً‭ ‬في‭ ‬ضرائب‭ ‬الرواتب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الضرائب‭ ‬المحلية‭ ‬ورسوم‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتطوير،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الضرائب‭ ‬التي‭ ‬يسددها‭ ‬موظفوها‭ ‬أنفسهم‭.‬
ويضرب‭ ‬المقال‭ ‬مثالاً‭ ‬بشركة‭ ‬تسلا،‭ ‬التي‭ ‬توظف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬130‭ ‬ألف‭ ‬موظف،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬ضرائب‭ ‬الرواتب‭ ‬وحدها‭ ‬تتجاوز‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنوياً‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬الشركة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مبالغ‭ ‬مماثلة‭ ‬تقريباً‭ ‬يدفعها‭ ‬الموظفون،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الأثر‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭.‬
ويرى‭ ‬اقتصاديون‭ ‬أن‭ ‬تقييم‭ ‬مساهمة‭ ‬الأثرياء‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬الضرائب‭ ‬الشخصية،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تولدها‭ ‬استثماراتهم‭ ‬والشركات‭ ‬التي‭ ‬يقودونها‭.‬

بين‭ ‬العدالة‭ ‬والاستثمار
ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬وجهات‭ ‬النظر،‭ ‬يتفق‭ ‬معظم‭ ‬الخبراء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الضريبي‭ ‬الأمريكي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬مستمرة‭ ‬لمواكبة‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الخلاف‭ ‬يبقى‭ ‬قائماً‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬الإصلاح‭ ‬المطلوب‭. ‬فبينما‭ ‬يرى‭ ‬فريق‭ ‬أن‭ ‬الأولوية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لسد‭ ‬الثغرات‭ ‬الضريبية‭ ‬وفرض‭ ‬مساهمة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬الثروات،‭ ‬يؤكد‭ ‬فريق‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬تشجيع‭ ‬الاستثمار‭ ‬والإنتاجية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي،‭ ‬لأن‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬تمثل‭ ‬مصدراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للنمو‭ ‬والوظائف‭ ‬والإيرادات‭ ‬الحكومية‭.‬
ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬ضرائب‭ ‬المليارديرات‭ ‬سيظل‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬المرتبطة‭ ‬بعجز‭ ‬الموازنة‭ ‬والدين‭ ‬العام،‭ ‬وعودة‭ ‬العدالة‭ ‬الضريبية‭ ‬إلى‭ ‬صدارة‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام،‭ ‬يبقى‭ ‬التحدي‭ ‬أمام‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬هو‭ ‬إيجاد‭ ‬توازن‭ ‬يحقق‭ ‬إيرادات‭ ‬كافية‭ ‬للدولة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬ببيئة‭ ‬الاستثمار‭ ‬والابتكار‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬أكبر‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭.‬

رجوع لأعلى