ضغوط الأسهم القيادية تعيد «تاسي» إلى التراجع
عاشت السوق المالية السعودية (تاسي) الخميس حالة من «الارتباك المنظم» في آخر جلسات الأسبوع، حيث اختتم المؤشر العام تعاملاته على تراجع ملحوظ، مغلوباً بضغوط بيعية مكثفة استهدفت قلاع الأسهم القيادية، خاصة في قطاعي المصارف والمواد الأساسية. ورغم الأداء الإيجابي لغالبية الشركات المدرجة من حيث العدد، إلا أن الثقل النسبي للشركات الكبرى رجح كفة التراجع، في جلسة عكست حالة من التباين الحاد بين الرغبة في التصحيح الفني واقتناص الفرص في أسهم النمو والتقنية التي بدأت تشكل «سوقاً موازية» داخل المؤشر الرئيسي.
لغز الافتتاح والانهيار التدريجي
بدأ المؤشر العام تداولات الخميس بنبرة تفاؤلية واضحة، حيث افتتح عند مستوى 11,585.05 نقطة، وهو الرقم الذي استبشر به المتداولون خيراً، وسُجل لاحقاً كأعلى مستوى له خلال الجلسة. إلا أن هذا الصعود لم يصمد طويلاً أمام تدفق أوامر البيع المؤسسية، ليفقد المؤشر بريقه تدريجياً متراجعاً بنسبة 0.30 %، أي ما يعادل 34.89 نقطة، ليغلق عند مستوى 11,554.16 نقطة.
تعكس هذه الحركة السعرية، التي انتهت قرب أدنى مستوى للجلسة (11,519.06 نقطة)، وجود ضغوط بيعية تصاعدية خلال الساعات الأخيرة من التداول. ويرى المحللون أن هذا السلوك يعكس رغبة كبار المستثمرين والمؤسسات في «تسييل» جزء من مراكزهم المالية قبيل إجازة نهاية الأسبوع، لتجنب أي مخاطر جيوسياسية أو اقتصادية قد تطرأ خلال العطلة، فضلاً عن التأثير المباشر لنتائج الجمعيات العمومية التي لم تأتِ بجديد يحفز الشراء الإضافي في الأسهم القيادية.
نشاط متوسط وتوزيع متباين للمراكز المالية
بلغت القيمة الإجمالية للتداولات نحو 6.38 مليار ريال، وهي مستويات تعكس نشاطاً متوسطاً بالمقارنة مع جلسات الذروة السابقة التي تجاوزت فيها السيولة حاجز الـ 9 مليارات. تم تداول 330.42 مليون سهم عبر سلسلة طويلة من الصفقات، مما يشير إلى أن السيولة لا تزال تتدفق في الشرايين، ولكن بوتيرة تتسم بالحذر والترقب الشديدين.
والمثير للاهتمام في هذه الجلسة هو «الانفصال التام» بين أداء المؤشر وحركة الأسهم الفردية؛ حيث ارتفعت أسعار 146 شركة مقابل تراجع 104 شركات فقط. هذا التفوق العددي للشركات الصاعدة يؤكد أن الضرر كان محصوراً جغرافياً في «نادي الشركات المليارية» ذات الوزن الثقيل، بينما شهدت أسهم الشركات المتوسطة والصغيرة حراكاً شرائياً نشطاً يعكس ثقة صغار المستثمرين في استدامة النمو بعيداً عن تقلبات قطاع البنوك.
المواد الأساسية والاتصالات يقودان جبهة الهبوط
تعرض السوق لضغوط مباشرة من 8 قطاعات أغلقت باللون الأحمر. وجاء قطاع المواد الأساسية على رأس قائمة المتراجعين بنسبة 0.97 %، متأثراً بالتقلبات في أسعار السلع العالمية والمخاوف الجيوسياسية التي تؤثر على تكاليف اللوجستيات وسلاسل الإمداد. كما لم يكن قطاع الاتصالات بمنأى عن الهبوط، حيث تراجع بنسبة 0.83 %، تلاه قطاع البنوك بنسبة 0.64 %، في حين سجل قطاع الطاقة انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.02 %.
وفي المقابل، ظهرت بؤر ضوء قوية في قطاعات النمو؛ حيث قفز قطاع الخدمات المالية بنسبة 1.67 %، مدعوماً بتحركات استثمارية استباقية تستهدف الشركات ذات الملاءة المالية العالية. كما واصل قطاع التطبيقات وخدمات التقنية تألقه بارتفاع 1.41 %، مما يعكس تحول جزء كبير من السيولة نحو الاقتصاد الرقمي والشركات التي أظهرت مرونة فائقة في نتائجها المالية للربع الأول من عام 2026، مما يجعلها الحصان الأسود في سباق البورصة الحالي.
«البنك الأهلي» و«الإسمنت» يضغطان على المكابح
كان سهم البنك الأهلي السعودي (Saudi National Bank) المحرك الرئيسي للهبوط بجلسة الخميس، حيث انخفض بنسبة 3.15 % ليغلق عند 42.46 ريال. وجاء هذا التراجع الحاد عقب إعلان نتائج اجتماع الجمعية العامة، وهو ما يفسره المحللون بظاهرة «بيع الخبر» (Sell the news)؛ حيث قام المتداولون بشراء السهم ترقباً للجمعية، وبمجرد انتهاء الحدث، بدأت عمليات البيع المكثفة لجني الأرباح.
ولم يكن سهم شركة الإسمنت العربية (Arabian Cement) أوفر حظاً، إذ هبط بنسبة 4.03 % ليصل إلى 23.09 ريال عقب إفصاحات مماثلة عن نتائج جمعيتها العامة. هذه التحركات للأسهم القيادية كانت كفيلة بسحب المؤشر العام نحو المنطقة الحمراء، رغم المحاولات المستميتة من قطاعات التجزئة والخدمات لرفع الكفة، مما يسلط الضوء على «دكتاتورية الأسهم القيادية» في تحديد مصير المؤشر تاسي.
«نايس ون» و«كهربائية»
يقتنصان القمم
رغم قتامة لون المؤشر، إلا أن سهم شركة «نايس ون» (Nice One) للتسويق الالكتروني سجل أداءً مبهراً بتصدره قائمة الارتفاعات بنسبة 6.33% ليغلق عند 14.11 ريال. هذا الصعود يعكس شهية المستثمرين المفتوحة تجاه قطاع التجارة الإلكترونية الذي يشهد نمواً انفجارياً في المملكة خلال عام 2026.
ومن التحركات اللافتة أيضاً، قفزة سهم «الصناعات الكهربائية» بنسبة 4.71 % ليصل إلى 19.1 ريال، وهو أعلى مستوى للسهم في 52 أسبوعاً. هذا الصعود القوي يعكس تفاؤل المستثمرين بمشاريع الطاقة المتجددة والبنية التحتية الضخمة ضمن رؤية 2030، والطلب المتزايد على المعدات الكهربائية محلياً، مما جعل السهم هدفاً استراتيجياً للمحافظ الاستثمارية طويلة الأمد التي تبحث عن أصول ملموسة مرتبطة بالنهضة الصناعية.
جرير والمملكة: أداء قياسي وتاريخي
أثبتت شركة «جرير للتسويق» قوتها مجدداً بارتفاع سهمها 2.77 % ليصل إلى 14.85 ريال، مسجلاً أعلى مستوى له خلال عام كامل. وجاء هذا الانتعاش مدعوماً بنتائج مالية قوية للربع الأول من عام 2026، مما عزز ثقة المستثمرين في كفاءة النموذج التشغيلي للشركة وقدرتها على امتصاص ضغوط التضخم وتكاليف الاستيراد.
كما شهدت الجلسة صعوداً لافتاً لسهم «المملكة القابضة» بنسبة 1.95 %، ليصل إلى قمة 52 أسبوعاً عند 10.48 ريال. هذا النشاط جاء بالتزامن مع دعوة المساهمين لعقد الجمعية العامة، مما أثار شهية المضاربين الذين يتوقعون إعلانات استراتيجية أو توزيعات أرباح مجزية، مما جعل السهم يتصدر قائمة «الأسهم الذهبية» في محفظة المتداولين اليوميين.
الراجحي وأرامكو بين المطرقة والسندان
تصدر سهم مصرف الراجحي قائمة الأسهم الأكثر نشاطاً من حيث القيمة بـ 378.79 مليون ريال، رغم تراجعه الطفيف بنسبة 0.09 %. وبالمثل، جاء سهم «أرامكو السعودية» في المرتبة الثانية بسيولة تجاوزت 357 مليون ريال وانخفاض طفيف بنسبة 0.07 %.
هذا الثبات النسبي لعملاقي السوق (الراجحي وأرامكو) منع المؤشر من الانزلاق لمستويات كارثية أدنى من الـ 11,500 نقطة. فقد شكلا «حائط صد» منيعاً أمام الانهيارات الكبيرة التي شهدتها بعض الأسهم القيادية الأخرى، مما حافظ على تماسك الثقة العامة في السوق. ويرى خبراء أن بقاء أرامكو والراجحي في مناطق مستقرة هو الضمانة الوحيدة لعدم دخول السوق في دوامة «هبوط حر» خلال الأسبوع المقبل.
رالي الصعود يستمر بعيداً
عن ضغوط الكبار
خالف السوق الموازي «نمو» اتجاه السوق الرئيسي بشكل صارخ، حيث سجل أداءً إيجابياً قوياً بارتفاعه 0.84%، ليغلق عند مستوى 23,275.62 نقطة. هذا الصعود في «نمو» يمثل رسالة واضحة من المستثمرين؛ فالسيولة بدأت تهاجر فعلياً نحو الشركات الناشئة وذات الفرص الواعدة، بعيداً عن ثقل قطاع البنوك والمواد الأساسية الذي يهيمن على «تاسي». يرى المحللون أن سوق نمو بات يمثل وجهة مثالية للمستثمرين الباحثين عن «مضاعفات ربحية» عالية، بعيداً عن التقلبات المرتبطة بأسعار الفائدة أو تقلبات أسواق السلع العالمية التي تضغط على الشركات الكبرى.
توازن القوى وترقب نتائج مايو 2026
تعكس جلسة الخميس حالة من «التوازن القلق»؛ فبينما تضغط نتائج الجمعيات العمومية وعمليات جني الأرباح التقليدية على الأسهم الكبرى، تظهر القطاعات التقنية والخدمية والكهربائية كقادة جدد لمسيرة الصعود القادمة. المستثمرون الآن في حالة ترقب شديد لما ستسفر عنه بقية نتائج الربع الأول من عام 2026، والتطورات الاقتصادية الكلية التي قد تعيد رسم اتجاهات السيولة في شهر مايو المقبل.
التوقعات تشير إلى أن السوق قد يشهد عمليات تدوير مراكز واسعة النطاق (Sector Rotation)؛ حيث ستنتقل السيولة من القطاعات التقليدية التي استنفدت زخمها الصعودي نحو الشركات التي أظهرت كفاءة تشغيلية ونمواً في الأرباح الصافية، خاصة في قطاع الخدمات الطبية والتعليم والترفيه.