قيود الديزل تهدد 20 % من التجارة
تدخل أسواق الطاقة مرحلة جديدة من التقلبات، لا ترتبط هذه المرة بحركة أسعار النفط الخام وحدها، بل تمتد إلى حلقات أكثر حساسية في سلسلة الإمداد، من إنتاج الديزل وتجارته الدولية إلى ناقلات المنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال. وتكشف تطورات الأسبوع عن تزامن عدة عوامل قادرة على إعادة رسم تدفقات الوقود بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، في مقدمتها دراسة الولايات المتحدة تقييد صادرات الديزل، والانخفاض الحاد في إمدادات الشرق الأوسط المتجهة إلى أوروبا، بالتوازي مع توسع مرتقب في أسطول ناقلات المنتجات، وظهور مؤشرات على عودة جانب من صادرات الغاز المسال القطرية عبر مضيق هرمز.
صدمة الديزل
وتتصدر صادرات الديزل الأميركية قائمة المخاطر التي تراقبها الأسواق، بعدما حذر المعهد الأمريكي للبترول من أن فرض قيود عليها قد يأتي بنتائج عكسية، بدلاً من تحقيق الهدف المعلن المتمثل في زيادة المعروض المحلي وخفض أسعار الوقود. فالولايات المتحدة توفر نحو 1.5 مليون برميل يومياً من الديزل ضمن تجارة عالمية منقولة بحراً تقدر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يعني أن وقف هذه التدفقات قد يسحب قرابة 20 % من الكميات المتداولة بحراً.
وتكمن المشكلة في الطبيعة التشغيلية للمصافي؛ إذ لا تستطيع إنتاج الديزل بصورة منفصلة عن البنزين ووقود الطائرات والمنتجات الأخرى. ولذلك، فإن تراجع قدرة المصافي على تصدير فائض الديزل قد يؤدي إلى تراكم المخزونات، ومن ثم إجبارها على خفض معالجة الخام، بما يقلص في الوقت نفسه إنتاج البنزين ووقود الطائرات، ويحول إجراء يستهدف زيادة وفرة الوقود إلى عامل إضافي لتشديد الإمدادات.
وتتركز نحو 54 % من طاقة التكرير الأميركية على ساحل خليج المكسيك، حيث يتجاوز الإنتاج احتياجات السوق المحلية، ولذلك تمثل الصادرات منفذاً أساسياً للمصافي للحفاظ على معدلات تشغيل مرتفعة. وفي المقابل، تختلف الصورة على الساحل الشرقي الذي يعتمد جزئياً على الواردات، التي توفر نحو 10% من احتياجاته من الديزل، ما يعكس عدم تجانس سوق الوقود الأميركية جغرافياً.
اختبار التكرير
ويعيد الجدل حول الديزل إلى الواجهة تجربة تحرير صادرات الخام الأميركية في ديسمبر 2015. ويستند المعهد الأمريكي للبترول إلى دراسة لشركة «ICF» تشير إلى أن رفع القيود ساهم خلال السنوات التالية في زيادة إنتاج النفط الأميركي بنحو 1.8 مليار برميل، وخفض متوسط أسعار النفط العالمية بنحو 1.93 دولار للبرميل، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنحو 161 مليار دولار.
ومن هذا المنطلق، يرى المعهد أن إبقاء قنوات التجارة مفتوحة يسمح للمصافي والمنتجين بتصريف الفوائض في مناطق الإنتاج، بينما تساعد الواردات المناطق التي تعاني نقصاً. وبالتالي، فإن أي قيود جديدة على الديزل قد تتجاوز آثارها سوق الوقود نفسها إلى تكاليف النقل والزراعة والتصنيع وسلاسل الإمداد، خصوصاً إذا أدت إلى خفض تشغيل المصافي الأميركية في وقت تعاني فيه الأسواق الدولية بالفعل من شح المنتجات المكررة.
شح أوروبي
وتزداد حساسية هذه المخاطر مع تراجع صادرات الديزل من الشرق الأوسط إلى أوروبا إلى أدنى مستوى في نحو ست سنوات. فقد بلغ متوسط التدفقات نحو 110 آلاف برميل يومياً حتى 21 سبتمبر، مقارنة بنحو 191 ألف برميل يومياً خلال أغسطس، وفق بيانات «كوموديتيز أت سي» التابعة لـ«إس آند بي غلوبال».
وتصدرت عُمان موردي الديزل إلى أوروبا خلال الفترة، مستفيدة من وجود ميناءي صحار والدقم خارج مضيق هرمز، بينما جاءت رومانيا في مقدمة الوجهات الأوروبية. وكانت صادرات عُمان قد بلغت مستوى قياسياً قدره 130 ألف برميل يومياً في أغسطس، لكن الصورة الإقليمية الأوسع تكشف انكماشاً واضحاً في تدفقات المنتجات المكررة من الخليج، بعدما بلغت نحو 4.1 مليون برميل يومياً في 2025 قبل أن تنخفض إلى نحو مليوني برميل يومياً في أغسطس.
أسعار قياسية
وانعكس شح الإمدادات سريعاً على السوق الأوروبية، إذ وصل تقييم «بلاتس» للديزل منخفض الكبريت للغاية في منطقة «إيه آر إيه» إلى نحو 1536 دولاراً للطن في 18 سبتمبر، مقابل 752.25 دولاراً قبل اندلاع الحرب في 27 فبراير. كما بلغ سعر شحنات الديزل إلى شمال غرب أوروبا 1642.25 دولاراً للطن في 15 سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات في 2007.
وأدى اتساع الفارق السعري بين الديزل الأوروبي ووقود الشرق الأوسط إلى تعزيز الحوافز أمام المصافي الأوروبية لزيادة إنتاج الديزل على حساب وقود الطائرات، مع تحسن هوامش تكسير الديزل. وفي الوقت نفسه، صعدت الهند لتصبح ثاني أكبر مصدر للديزل المنقول بحراً عالمياً بعد الولايات المتحدة، متقدمة على روسيا، وتمثل حالياً نحو 10 % من إجمالي الشحنات العالمية وفق بيانات «كبلر».
هوامش قوية
ورغم مخاوف فائض السفن، لا تزال المؤشرات الحالية تعكس قوة ملحوظة في أسواق التكرير والشحن. فقد بلغ هامش تكرير خام فورتيز في شمال غرب أوروبا 32.18 دولاراً للبرميل في 15 سبتمبر، مرتفعاً 166 % عن مستواه في 27 فبراير، وبنسبة 149 % فوق متوسط السنوات الخمس.
كما ارتفع مؤشر «بلاتس» لأجور شحن ناقلات المنتجات النظيفة إلى 80,965 دولاراً يومياً في 15 سبتمبر، بزيادة 112 % عن 27 فبراير. لكن القفزة الأكبر جاءت في ناقلات الخام، إذ وصل مؤشر أجورها إلى 649,751 دولاراً يومياً، مرتفعاً 301 % خلال الفترة ذاتها، ما يعكس قوة أشد في سوق نقل الخام مقارنة بناقلات المنتجات.
وفي سوق الغاز الطبيعي المسال، حملت تحركات الناقلات القطرية مؤشرات مختلفة. فقد عبرت خمس ناقلات غاز مسال على الأقل تشغلها «قطر للطاقة» مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي من دون بث مواقعها عبر نظام التعريف الآلي، ما عزز التوقعات بإمكانية استئناف جزء من الصادرات القطرية.
رهانات الإمدادات
وتزامنت هذه التحركات مع تراجع تقييم «أرغوس» للغاز المسال الفوري في شمال شرق آسيا إلى 26.20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في 25 سبتمبر، بانخفاض 1.65 دولار خلال أسبوع، فيما هبط عقد «تي تي إف» الهولندي إلى 75.025 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
ولا تكفي عمليات عبور الناقلات حتى الآن لتأكيد عودة واسعة ومستدامة للصادرات القطرية، لكنها تشير، بالتزامن مع تغير الطلب الهندي وتراجع الأسعار، إلى أن المتعاملين بدأوا إدخال احتمال تحسن الإمدادات ضمن حساباتهم.
وهكذا تتحرك أسواق الطاقة بين اتجاهات متعارضة: خطر سحب كميات ضخمة من الديزل الأميركي من التجارة الدولية، وتراجع تدفقات الشرق الأوسط إلى أوروبا، مقابل احتمالات تحسن صادرات الغاز القطري، فيما يستعد قطاع الناقلات لموجة توسع كبيرة في الأسطول. وستظل قدرة الأسواق على موازنة هذه التحولات مرهونة بحركة التجارة وسياسات التصدير ومسارات الشحن، وهي عوامل بات تأثيرها في أسعار الطاقة لا يقل أهمية عن مستويات إنتاج النفط الخام نفسها.