كسوف الشمس يهدد بفقدان 9.7 جيجاواط أوروبياً
تواجه منظومة الكهرباء الأوروبية اختباراً جديداً الأسبوع المقبل، مع توقع أن يزيد كسوف نادر للشمس الضغوط على شبكات تعاني بالفعل تداعيات موجات الحر وانخفاض مستويات مياه الأنهار، بعدما اضطرت محطات نووية وأخرى تعمل بالفحم إلى خفض إنتاجها أو التوقف عن العمل في عدد من دول القارة، بالتزامن مع تراجع قدرة محطات الطاقة الكهرومائية على التوليد.
ووفقاً للمفوضية الأوروبية، أجبرت موجة الحر محطات لتوليد الكهرباء على التوقف أو خفض إنتاجها في المجر ورومانيا وسلوفينيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا، بعدما أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى انخفاض مستويات مياه الأنهار المستخدمة في تبريد المحطات النووية والعاملة بالفحم، ما دفع دولاً متضررة إلى زيادة اعتمادها على واردات الكهرباء للمحافظة على استقرار شبكاتها.
ضغوط متزامنة
وتأتي أزمة التوليد الحراري والنووي بالتزامن مع تراجع الطاقة الكهرومائية، ما يضع الشبكات الأوروبية أمام ضغوط متزامنة على عدد من مصادر الكهرباء التي تعتمد عليها القارة لتحقيق التوازن بين العرض والطلب.
ووصلت خزانات الطاقة الكهرومائية في النرويج، التي تمثل مصدراً مهماً للكهرباء المصدرة إلى بقية أوروبا، إلى أدنى مستوياتها في 30 عاماً، وفقاً لشركة «أبلي إنتليجنس» المتخصصة في تحليلات الكهرباء.
وتقدر الشركة احتمال عودة مستويات الخزانات النرويجية إلى معدلاتها الطبيعية بحلول بداية العام الجديد بأقل من 1%، ما يشير إلى أن تداعيات نقص المياه قد تستمر فترة أطول من موجة الحر الحالية.
كسوف نادر
وفي خضم هذه الظروف، حذر مشغلو شبكات الكهرباء من أن كسوف الشمس المرتقب يوم الأربعاء سيضيف مزيداً من الضغط على المنظومة، نتيجة الانخفاض المفاجئ والكبير المتوقع في إنتاج محطات الطاقة الشمسية.
وسيكون الكسوف كلياً في شمال إسبانيا والركن الشمالي الشرقي من البرتغال، بينما سيتجاوز حجب الشمس 90 % في أجزاء واسعة من المملكة المتحدة وفرنسا وشمال إيطاليا، وهو ما يجعل تأثيره يمتد عبر مجموعة كبيرة من أسواق الكهرباء المترابطة.
وتكمن المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى مشغلي الشبكات في سرعة انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية ثم عودته، ما يستدعي توفير مصادر بديلة قادرة على زيادة الإنتاج بسرعة للحفاظ على التوازن بين الكهرباء التي تدخل الشبكة والكميات التي يستهلكها العملاء.
خسائر إسبانيا
ومن المتوقع أن تكون إسبانيا من أكثر الدول تأثراً بالكسوف، إذ يتوقع مشغل شبكة الكهرباء «ريد إلكتريكا» انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية في البلاد بما يصل إلى 5 جيجاواط.
ويعادل هذا الفقد نحو 13 % من أقصى طلب على الكهرباء خلال يوم أربعاء اعتيادي في أغسطس، ما يكشف حجم الطاقة التي سيكون على مشغلي الشبكة تعويضها خلال فترة قصيرة من مصادر أخرى.
وتزداد أهمية التحدي مع النمو الكبير الذي حققته الطاقة الشمسية في مزيج الكهرباء الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، إذ يعني ارتفاع مساهمتها أن الظواهر الجوية أو الفلكية التي تقلص أشعة الشمس باتت ذات تأثير أكبر في توازن الشبكات مقارنة بالماضي.
فاقد أوروبي
ويتوقع مشغل شبكة الكهرباء الفرنسي «آر تي إي» فقدان نحو 9.7 جيجاواط من إنتاج الكهرباء في أنحاء أوروبا خلال فترة ذروة الكسوف، وهو تقدير يتوافق مع حسابات «الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الكهرباء» (ENTSO-E).
وقالت المفوضية الأوروبية إن المجموعة عقدت اجتماعاً ضم خبراء وطنيين لتقييم مدى استعداد الدول للكسوف وتأثيره المحتمل في منظومة الطاقة الأوروبية، في مؤشر على حجم التنسيق المطلوب لتجنب حدوث اختلالات واسعة في الشبكات.
وتتوقع «ENTSO-E» فقدان 9.7 جيجاواط من الإنتاج بين الساعة 7:15 و9:30 مساءً بالتوقيت المحلي خلال فترة ذروة الظاهرة، بينما يستعد مشغلو الشبكات لموازنة هذا النقص عبر مصادر أخرى لتوليد الكهرباء.
ويمثل الترابط بين شبكات القارة عاملاً مساعداً في التعامل مع مثل هذه الصدمات، إذ يسمح للدول بتبادل الكهرباء عند حدوث نقص في إحدى الأسواق، إلا أن تعرض عدد كبير من الدول للكسوف في الوقت نفسه يزيد تعقيد عملية الموازنة.
تأثير بريطاني
وفي بريطانيا، التي تتبادل الكهرباء مع أوروبا القارية عبر خطوط الربط، يتوقع مشغل نظام الكهرباء انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية بنحو 700 ميجاواط نتيجة الكسوف.
لكن التأثير قد يصل إلى 1.3 جيجاواط وفق نماذج محاكاة تاريخية، وهو ما يدفع المشغل إلى الاستعداد لمجموعة واسعة من السيناريوهات وفق الظروف الجوية ومستويات الإنتاج الفعلية عند حدوث الظاهرة.
وقال مسؤول في مشغل النظام الوطني البريطاني إن آثار الكسوف ستغطي نطاقاً جغرافياً واسعاً، مشيراً إلى أن القمر سيحجب نحو 95 % من ضوء الشمس في بعض المناطق خلال الفترة بين السادسة والثامنة مساءً بالتوقيت المحلي.
أنهار أوروبا
وتقف مستويات المياه المنخفضة وراء جانب كبير من الأزمة الحالية، إذ تحتاج المحطات النووية والعاملة بالفحم إلى كميات كبيرة من المياه لأغراض التبريد، ما يجعل استمرار تشغيلها مرتبطاً بمستويات الأنهار ودرجات حرارة المياه.
وفي المجر، اقتربت محطة «باكس» النووية البالغة قدرتها 2 جيجاواط، والتي تعتمد على نهر الدانوب في عمليات التبريد، من التوقف، بعدما أصبحت على بُعد «بضعة ملليمترات» من المستوى الحرج مساء الثلاثاء.
لكن ارتفاع منسوب المياه ساعد المحطة على مواصلة العمل، وفقاً لرئيس الوزراء المجري بيتر ماغيار، فيما ينتظر أن يوفر هطول الأمطار المتوقع في النمسا بعض الانفراج مع ارتفاع مستويات مياه نهر الدانوب.
محطات متعثرة
وامتدت تداعيات انخفاض مستويات المياه إلى بولندا، حيث خفضت محطتان كبيرتان تعملان بالفحم إنتاج وحدات توليد أو أوقفتاه مؤقتاً، بعدما هبط منسوب نهر فيستولا، أطول أنهار البلاد، إلى مستوى لم يعد يسمح بتوفير كميات كافية من مياه التبريد.
وأدى الاضطراب إلى فقدان نحو 1.3 جيجاواط من القدرة التوليدية، ما يضيف ضغوطاً جديدة إلى سوق الكهرباء في وقت تواجه فيه دول أوروبية أخرى مشكلات مماثلة.
وفي فرنسا، خرجت ثلاثة مفاعلات نووية عن الخدمة بسبب انخفاض مستويات المياه، رغم استمرار البلاد في تصدير الكهرباء إلى مناطق أخرى في أوروبا.
استثمارات التكيف
وتحمل موجات الحر والجفاف المتكررة تكلفة مالية متزايدة لشركات الطاقة، بعدما أصبح تغير الظروف المناخية يفرض تعديلات في طريقة تشغيل وتصميم محطات الكهرباء التي شُيد كثير منها وفق افتراضات مناخية مختلفة.
وحذر الرئيس التنفيذي لشركة «إي دي إف» الفرنسية برنار فونتانا من أن توقف المفاعلات سيؤثر في أرباح شركة المرافق المملوكة للدولة للعام بأكمله، في دليل على انتقال آثار ارتفاع الحرارة من شبكات الكهرباء إلى النتائج المالية للشركات.
وقال فونتانا إن الشركة ستسرع تنفيذ خطة بقيمة 8.7 مليارات يورو لتكييف محطاتها النووية والكهرومائية مع ارتفاع درجات الحرارة، بما يعكس حجم الاستثمارات التي قد تحتاج إليها صناعة الكهرباء الأوروبية للتعامل مع الظروف المناخية الأكثر تطرفاً.
ولا تتعلق تكلفة التكيف فقط بتطوير المحطات، إذ يمكن أن يؤدي تراجع الإنتاج المحلي إلى زيادة واردات الكهرباء ورفع أسعارها في أسواق الجملة، خصوصاً إذا واجهت عدة دول نقصاً في الإمدادات خلال الفترة نفسها.