مفاعلات العالم تستعد لابتلاع الطلب الكهربائي
تستعد صناعة الطاقة النووية لمرحلة توسع غير مسبوقة، مدفوعة بالارتفاع المتوقع في استهلاك الكهرباء وانتشار مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، في تحول يعيد المفاعلات إلى صدارة الخيارات الاستراتيجية لتأمين إمدادات الطاقة العالمية خلال العقود المقبلة.
وتوقع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن يتضاعف استخدام الطاقة النووية ثلاث مرات بحلول عام 2060، مع تزايد اعتماد الاقتصادات على الكهرباء واتجاه شركات التكنولوجيا الكبرى إلى البحث عن مصادر طاقة مستقرة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.
وتعكس هذه التوقعات تغيراً في النظرة الاقتصادية إلى الطاقة النووية، بعدما أصبحت قدرتها على إنتاج الكهرباء بصورة مستمرة عاملاً مهماً في تلبية احتياجات القطاعات كثيفة الاستهلاك، خصوصاً مراكز البيانات التي تتطلب إمدادات موثوقة على مدار الساعة.
وتشير تصريحات غروسي، الواردة في التقرير السنوي للوكالة المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى أن أمن الطاقة لم يعد يرتبط فقط بتوافر الوقود، بل أصبح يعتمد أيضاً على قدرة الدول على توفير الكهرباء بصورة مستقرة لمواكبة التحولات التكنولوجية والصناعية.
شهية رقمية
يمثل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي أحد المحركات الجديدة للطلب على الطاقة النووية، بعدما أصبحت مراكز البيانات تحتاج إلى كميات متزايدة من الكهرباء لتشغيل الخوادم وأنظمة المعالجة والتبريد.
ومع انتشار التطبيقات الذكية وتوسع البنية التحتية الرقمية، تتزايد أهمية تأمين مصادر كهرباء تستطيع العمل باستمرار، دون الاعتماد الكامل على الظروف الجوية أو تقلبات إنتاج بعض مصادر الطاقة المتجددة.
وتوفر المحطات النووية ميزة اقتصادية تتمثل في قدرتها على إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء بصورة منتظمة، وهو ما يجعلها خياراً مطروحاً أمام شركات التكنولوجيا التي تسعى إلى ضمان استمرارية عملياتها.
كما أن انخفاض الانبعاثات الكربونية أثناء تشغيل المفاعلات يمنح هذا المصدر أهمية إضافية للشركات التي تستهدف تقليص البصمة البيئية لأنشطتها.
لكن التوسع النووي يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة وفترات طويلة للتخطيط والإنشاء، ما يجعل الجدوى الاقتصادية للمشروعات مرتبطة بتكاليف التمويل والالتزام بالجداول الزمنية والقدرة على تشغيل المحطات لعقود.
خريطة المفاعلات
كشف غروسي أن أكثر من 400 مفاعل نووي كانت تعمل في أكثر من 30 دولة خلال عام 2025، وأسهمت في إنتاج نحو 10% من الكهرباء العالمية.
كما وفرت هذه المفاعلات ربع الكهرباء منخفضة الكربون على مستوى العالم، ما يعكس الدور القائم للطاقة النووية في مزيج الإمدادات الكهربائية، وليس مجرد إمكاناتها المستقبلية.
وأشار إلى وجود أكثر من 60 مفاعلاً جديداً قيد الإنشاء، بالتزامن مع ارتفاع توقعات القدرات النووية خلال السنوات المقبلة.
وتعني زيادة المشروعات أن قطاع الطاقة النووية قد يشهد توسعاً في الطلب على المعدات الهندسية والوقود والخدمات الفنية والكوادر المتخصصة، بما يفتح فرصاً أمام الشركات العاملة في سلاسل التوريد المرتبطة بالمفاعلات.
غير أن عدد المفاعلات الجاري بناؤها لا يضمن وحده تحقيق التوقعات المستقبلية، إذ يعتمد نمو الإنتاج الفعلي على استكمال المشروعات وتشغيلها، إضافة إلى تمديد العمر التشغيلي لبعض المحطات القائمة.
أمن الإمدادات
تتجه دول متزايدة إلى اعتبار الطاقة النووية جزءاً أساسياً من استراتيجيات أمن الطاقة، خصوصاً مع الحاجة إلى تنويع مصادر الكهرباء وتقليل الاعتماد على مصدر واحد.
وتتيح المحطات النووية للدول إضافة مصدر مستقر إلى جانب الطاقة الشمسية والرياح والغاز الطبيعي، بما يساعد على بناء مزيج كهربائي أكثر تنوعاً.
ويكتسب هذا التنوع أهمية اقتصادية عندما تتعرض أسواق الوقود العالمية لاضطرابات أو ارتفاعات حادة في الأسعار، إذ يمكن أن يحد من تعرض منظومة الكهرباء لتقلبات مصدر بعينه.
وفي المقابل، تواجه الصناعة تحديات مرتبطة بتكاليف الإنشاء وإدارة النفايات المشعة ومتطلبات السلامة والرقابة، وهي عوامل تؤثر في قرارات الحكومات والمستثمرين بشأن إطلاق المشروعات الجديدة.
لذلك، فإن التوسع المتوقع لن يعتمد على الطلب وحده، بل سيتطلب أطرًا تنظيمية وتمويلية قادرة على دعم استثمارات طويلة الأجل.
السلامة أولاً
بالتوازي مع التوقعات الاقتصادية، حذر غروسي من التهديدات غير المسبوقة للسلامة النووية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وتطرق إلى البرامج النووية في إيران وكوريا الشمالية.
وأكد أهمية التوصل إلى حل دبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني يضمن عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية واستمرار دورها في التحقق.
وتبرز هذه التطورات أهمية الفصل بين التوسع في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والمخاطر المرتبطة بالانتشار النووي والنزاعات المسلحة.
كما تؤكد أن بناء الثقة في القطاع لا يعتمد على الكفاءة الاقتصادية للمفاعلات فقط، وإنما يتطلب أيضاً الالتزام بمعايير السلامة والشفافية والرقابة الدولية.
الطاقة النووية تدخل عصراً اقتصادياً جديداً
تكشف توقعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن تحول محتمل في أسواق الكهرباء العالمية، بعدما أصبح الطلب الناتج عن الذكاء الاصطناعي والتحول الكهربائي عاملاً رئيسياً في إعادة تقييم مصادر الطاقة.
وقد يفتح التوسع النووي مجالات استثمارية واسعة أمام شركات الإنشاءات والهندسة والتكنولوجيا والخدمات المرتبطة بالوقود والصيانة، لكنه سيضع الحكومات أمام تحدي توفير التمويل وضمان تنفيذ المشروعات بكفاءة.
وفي ظل هذه المعادلة، تتجاوز أهمية الطاقة النووية مسألة خفض الانبعاثات، لتصبح جزءاً من المنافسة على تأمين الكهرباء اللازمة للنمو الصناعي والرقمي.
ويبقى تحقيق توقعات مضاعفة الاستخدام ثلاث مرات بحلول 2060 مرهوناً بقدرة الدول على تحويل خطط التوسع إلى مفاعلات عاملة، ضمن منظومة توازن بين أمن الإمدادات والجدوى الاقتصادية ومتطلبات السلامة.