موجة بيع تضرب السندات العالمية.. عوائد الخزانة الأميركية لأعلى مستوى منذ 2002
استأنفت أسواق السندات العالمية موجة البيع القوية، أمس الأربعاء، ما دفع تكاليف الاقتراض الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط تصاعد مخاوف المستثمرين من التضخم وارتفاع أعباء الديون الحكومية.
وارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً بنحو 0.09 نقطة مئوية ليصل إلى 5.73 %، ما يزيد الضغوط على الأسر والشركات الأميركية في ظل تداعيات موجة التضخم التي فاقمتها الحرب مع إيران.
كما تعرضت السندات الحكومية الأوروبية لضغوط مماثلة، إذ صعدت عوائد السندات الفرنسية والإيطالية بنحو 0.15 نقطة مئوية، ما يضعها على مسار تسجيل واحدة من أكبر التحركات اليومية هذا العام ويعكس استمرار التقلبات الحادة في أسواق تُعرف عادة بالاستقرار النسبي. وتتحرك عوائد السندات عكسياً مع الأسعار.
وقال مستثمرون إن مزيجاً من المخاوف المرتبطة بارتفاع الديون السيادية وأسعار النفط، إلى جانب غياب رؤية واضحة لنهاية الحرب مع إيران، يدفع العوائد إلى مستويات أعلى. كما أسهمت البيانات الاقتصادية الأميركية القوية في زيادة الضغوط الصعودية على عوائد سندات الخزانة، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز».
تكلفة الاقتراض في فرنسا
وفي فرنسا، ارتفعت تكلفة الاقتراض لأجل عشر سنوات إلى 4.91 %، مقتربة من أعلى مستوياتها منذ عام 2002 التي لامستها في وقت سابق من الأسبوع، وسط مخاوف مستمرة بشأن المسار المالي لثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
وقال أكشاي سينغال، رئيس تداول أسعار الفائدة قصيرة الأجل عالمياً لدى «سيتي»: «قد تكون فرنسا الأولى، لكنها لن تكون الأخيرة». وأضاف: «يكثر الحديث عن حراس سوق السندات، لا سيما في المملكة المتحدة، لكن القضية الحقيقية تتعلق بوجود سياسات مالية وموازنات تتمتع بالمصداقية، وهو أمر أصبح نادراً على المستوى العالمي، وهذا ما يحرك سوق السندات حالياً».
وامتدت تداعيات موجة بيع السندات إلى أسواق الأسهم، حيث تراجع مؤشر «ستوكس أوروبا 600» بنحو 0.9 % خلال تعاملات بعد الظهر، بينما هبطت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و»ناسداك 100» بنسبة 0.5 % و0.8 % على التوالي، بعدما سجلا مستويات قياسية خلال الأسبوع الجاري.
تراجع شهية المخاطرة
وقالت إيفلين غوميز ليشتي، استراتيجية الأصول المتعددة لدى «ميزوهو»، إن موجة البيع جاءت مدفوعة بتراجع شهية المخاطرة مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع. وأضافت أن المستثمرين لا يزالون مترددين في شراء السندات طويلة الأجل بسبب التقلبات العالية، مشيرة إلى أن المستثمرين المؤسسيين، مثل صناديق التقاعد، لم يُظهروا حتى الآن رغبة كبيرة في اقتناص العوائد المرتفعة. وارتفع خام برنت، المعيار العالمي للنفط، بنسبة 1.2 % ليصل إلى 101.72 دولار للبرميل.
وفي مؤشر على تزايد الضغوط على الاقتصاد الأميركي، ارتفع متوسط الفائدة على الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عاماً إلى 7.49 %، وهو أعلى مستوى له في نحو ثلاث سنوات، بحسب بيانات رابطة مصرفيي الرهن العقاري الأميركية.
وفي سوق العملات، واصل اليورو تراجعه أمام الدولار بنسبة 0.8 % إضافية، كما سجل أدنى مستوياته مقابل الجنيه الإسترليني منذ منتصف عام 2025 خلال التداولات اليومية.
السندات قد تصبح «رخيصة بشكل ملحوظ»
وقال فرانشيسكو بيسولي، استراتيجي العملات الأجنبية لدى «آي إن جي»، إن «المخاطر المرتبطة بفرنسا تتسبب في أداء أضعف لليورو مقارنة بالعملات الأخرى».
ورغم موجة البيع الحادة، يرى بعض المستثمرين أن السندات بدأت تبدو أكثر جاذبية بعد التراجعات الكبيرة التي شهدتها هذا العام. وقال جون ستوبفورد، رئيس استراتيجيات الدخل متعدد الأصول في «ناينتي ون»، إنه إذا استمرت الموجة البيعية لفترة أطول، فإن السندات ستصبح «رخيصة بشكل ملحوظ»، واصفاً سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً عندما تقترب عوائدها من 6 % بأنها «فرصة استثمارية مغرية».
وفي بريطانيا، طالت التقلبات أيضاً سوق السندات الحكومية، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل عشر سنوات بنحو 0.10 نقطة مئوية إلى 5.48 %، مقترباً من أعلى مستوياته منذ عام 2007 والتي سجلها الأسبوع الماضي.
وقال جون ثورنتون، رئيس الدخل الثابت لدى «يريدج لإدارة الأصول»: «لا أعتقد أن هناك سقفاً واضحاً لارتفاع العوائد في الوقت الحالي»، مضيفاً أن «العامل الوحيد القادر على تغيير هذا الوضع على المدى القصير هو حدوث تحول كبير في أسعار النفط».
ماذا تعني موجة البيع للمستثمرين؟
بالنسبة إلى المستثمرين، تعكس موجة البيع تحولاً في موازين المخاطر داخل محافظ الأصول. فالسندات التي كانت توفر في السابق مزيجاً من الدخل والاستقرار أصبحت أكثر عرضة لتقلبات الأسعار نتيجة ارتفاع التضخم وتغير توقعات الفائدة.
وفي المقابل، فإن ارتفاع العوائد يعني أن السندات الجديدة تصبح أكثر جاذبية من حيث الدخل الدوري الذي توفره، خصوصاً للمستثمرين الذين يستطيعون الاحتفاظ بها حتى تاريخ الاستحقاق.
لكن المستثمر الذي يمتلك سندات قائمة قد يواجه خسائر سعرية إذا اضطر إلى بيعها قبل الاستحقاق، لأن السندات الجديدة ستكون متاحة بعوائد أعلى.
ومن هنا تبرز أهمية المدة الزمنية للاستثمار. فكلما طالت مدة السند، زادت حساسيته لتحركات العوائد، بينما تكون الأدوات قصيرة الأجل أقل تعرضاً عادة لتقلبات الأسعار الناجمة عن تغيرات أسعار الفائدة.
اختبار للمالية العامة
يمثل ارتفاع العوائد اختباراً مهماً للحكومات التي تواجه مستويات مرتفعة من الدين العام. فالمشكلة لا تكمن فقط في مستوى الدين الحالي، بل في تكلفة إعادة تمويله عندما يحين موعد استحقاق السندات القائمة.
وفي حال بقيت العوائد مرتفعة لفترة طويلة، ستبدأ الإصدارات الجديدة في تحمل تكاليف أعلى، ما قد يزيد مخصصات خدمة الدين تدريجياً. ومع ارتفاع حجم الفوائد، يمكن أن تضيق مساحة الإنفاق المتاحة أمام الحكومات لتمويل برامج البنية التحتية والخدمات العامة وغيرها من الأولويات المالية.
وتصبح هذه المعضلة أكثر حدة إذا تزامن ارتفاع تكلفة الاقتراض مع تباطؤ النمو الاقتصادي. ففي هذه الحالة، قد تتراجع الإيرادات الحكومية في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف خدمة الدين، ما يضع ضغوطاً إضافية على الموازنات.
المشهد العالمي أمام مفترق طرق
تضع التطورات الحالية أسواق السندات العالمية أمام مفترق طرق بين سيناريوهين رئيسيين. يتمثل الأول في تراجع الضغوط التضخمية وهدوء أسعار الطاقة، ما يسمح للبنوك المركزية بمواصلة تخفيف السياسة النقدية، وبالتالي عودة العوائد طويلة الأجل إلى مسار أكثر استقراراً.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وتفاقم الضغوط التضخمية، بالتزامن مع ارتفاع مستويات الدين الحكومي، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى لفترة أطول.
وفي هذه الحالة، قد تستمر الضغوط على السندات طويلة الأجل، بينما ترتفع تكلفة التمويل بالنسبة للحكومات والشركات والأسر، وتصبح الأسواق أكثر حساسية لأي بيانات جديدة بشأن التضخم والنمو والسياسة النقدية.