موسم الذروة.. لماذا تدفع أكثر مقابل الخدمة نفسها؟
قد يحجز مسافران مقعدين متجاورين على الطائرة نفسها، أو يقيمان في غرفتين متماثلتين داخل الفندق نفسه، ومع ذلك يدفع أحدهما مبلغاً أكبر بكثير من الآخر. ولا يعود الاختلاف إلى جودة الخدمة، بل إلى عامل آخر أصبح جزءاً أساسياً من التسعير هو «الوقت».
وتفسر هذه الظاهرة بما يعرف باقتصاد موسم الذروة، حيث يمكن للندرة أن تجعل المنتج نفسه أكثر قيمة من دون تغيير خصائصه. لكن المسألة أكثر تعقيداً من قاعدة «ارتفاع الطلب يعني ارتفاع السعر»، إذ تدخل توقعات الطلب والسعة المتاحة وموعد الشراء ومرونة المستهلك في تحديد السعر النهائي.
وتبرز أهمية ذلك خصوصاً في الخدمات التي لا يمكن تخزينها. فالمقعد الذي لم يُبع قبل إقلاع الطائرة يفقد قيمته فوراً، والغرفة الشاغرة لا يمكن بيع ليلة إقامتها في اليوم التالي، بينما تواجه شبكة الكهرباء ضغوطاً عندما يستخدم ملايين المشتركين الطاقة في الوقت نفسه.
وبذلك لا يدفع المستهلك مقابل المنتج أو الخدمة وحدهما، بل مقابل إمكانية الوصول إليهما في وقت معين، وكلما زاد الطلب على ذلك الوقت ارتفعت قيمته.
سعة الطيران
يقدم قطاع الطيران نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. ففي 2025، سجل معامل حمولة الركاب العالمي 83.6 %، وهو أعلى مستوى سنوي على الإطلاق وفق الاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا»، بينما زاد الطلب العالمي على السفر 5.3 % مقابل نمو السعة 5.2 %.
ورغم ضآلة الفارق بين النسبتين، فإنه يعني عملياً تنافس عدد أكبر من المسافرين على طاقة استيعابية لم تنم بالسرعة نفسها. وكلما اقترب موعد الرحلة من الامتلاء، أصبحت المقاعد المتبقية أكثر قيمة.
وهنا تلعب «إدارة الإيرادات» دورها، إذ لا تضع شركات الطيران سعراً موحداً لجميع المقاعد، وإنما توزعها على فئات سعرية مختلفة وتغير توافر كل فئة وفق الحجوزات الفعلية وتوقعاتها للطلب.
لذلك قد يدفع مسافران يجلسان في مقعدين متجاورين سعرين مختلفين تماماً. وتوضح تجربة نقلتها مجلة «تايم» مدى سرعة التقلب، إذ بلغ سعر رحلة ذهاب وعودة بين أتلانتا وأمستردام 800 دولار، ثم هبط في اليوم التالي إلى 300 دولار، قبل أن يقفز إلى 1300 دولار في اليوم الثالث.
وبذلك تحرك السعر بنحو ألف دولار بين أدنى وأعلى مستوى خلال فترة قصيرة، رغم عدم تغير الرحلة أو موعد السفر أو الخدمة المقدمة للمسافر.
ولا يتعلق الأمر بالطيران فقط. فالغرف الفندقية تخضع للمنطق نفسه، لأن فرصة بيع ليلة معينة تختفي بمجرد مرورها.
وأظهر تحليل لأسعار الفنادق في ثماني مدن كبرى، بينها لندن وباريس وبانكوك، أن الفارق بين السعر المخفض والسعر النهائي تراوح بين نحو 2 % في باريس و18 % في بانكوك، مع تسارع الزيادات خلال الأسبوعين السابقين لموعد الإقامة.
ولا يعني ذلك أن الفندق يرفع السعر تلقائياً مع اقتراب الموعد، بل إن توافر الغرف ومرونة العملاء يتغيران. فعندما تكون غرف كثيرة متاحة، يمكن للفندق استخدام الأسعار المنخفضة لجذب الحجوزات، لكن تقل حاجته إلى الخصومات مع ارتفاع الإشغال.
وتظهر الفكرة أيضاً في المتنزهات الترفيهية. ففي 2026، تربط «والت ديزني وورلد» بعض عروضها بتواريخ وفترات استخدام محددة، إذ تبدأ تذكرة «4 بارك ماجيك» من 109 دولارات للفرد يومياً، فيما يبدأ عرض «2 بارك» ليومين من 199 دولاراً قبل الضرائب.
تغيير السلوك
لا تستخدم الشركات السعر دائماً للحصول على إيرادات أكبر، بل قد تستخدمه أيضاً لتغيير توقيت الطلب. ويظهر ذلك بوضوح في قطاع الكهرباء، حيث يمثل تزامن الاستهلاك تحدياً لشبكات الطاقة.
وتطبق أونتاريو الكندية نظام التسعير حسب وقت الاستخدام، إذ تبلغ تكلفة الكهرباء خلال ساعات الذروة الصيفية في أيام العمل، من السابعة إلى الحادية عشرة صباحاً ومن الخامسة إلى السابعة مساءً، 20.3 سنت كندي لكل كيلوواط/ساعة.
في المقابل، يبلغ السعر خارج الذروة 9.8 سنت خلال الفترة من السابعة مساءً حتى السابعة صباحاً، إضافة إلى عطلات نهاية الأسبوع والعطلات الرسمية، ما يجعل سعر الكهرباء خلال الذروة أعلى بنحو 107 %.
وبالتالي يدفع شخص يشحن سيارته الكهربائية أو يشغل الغسالة في ساعات الضغط أكثر من آخر يستهلك الكمية نفسها ليلاً. وهنا يصبح السعر وسيلة لدفع المستهلكين إلى نقل جزء من استهلاكهم بعيداً عن ساعات الذروة.
مرونة مربحة
تتحول القدرة على تغيير الموعد في هذا النموذج الاقتصادي إلى ما يشبه «خصماً غير معلن». فالمستهلك المرن يستطيع تجنب الفترات التي يتنافس فيها عدد أكبر من العملاء على السعة نفسها.
وتوضح بيانات «إكسبيديا» أن المسافر الدولي الذي يستطيع تغيير رحلته من الأحد إلى الجمعة قد يوفر ما يصل إلى 8 %، بينما يستطيع المسافر الداخلي في الولايات المتحـدة توفير ما يصل إلى 14 % باختيار الثلاثاء بدلاً من الأحد.
ولا يقتصر الأمر على يوم السفر، بل يمتد إلى موعد الحجز. فالرحلات الداخلية الأميركية التي جرى حجزها قبل المغادرة بما يتراوح بين 15 و30 يوماً كانت في المتوسط أرخص بنحو 130 دولاراً من الرحلات المحجوزة قبل أكثر من ستة أشهر.