هرمز والرقائق يضغطان على وول ستريت
أنهت الأسهم الأمريكية تعاملات الاثنين على تراجع محدود، بعدما طغت المخاوف المرتبطة بأزمة مضيق هرمز على قوة الأرباح وهوامش الشركات، بالتزامن مع ضغوط تعرض لها قطاع الرقائق الإلكترونية، خصوصاً سهم «إنتل». وأظهر أداء المؤشرات الرئيسية أن المستثمرين باتوا أكثر حساسية لأي تطورات جيوسياسية يمكن أن تعيد أسعار الطاقة إلى الارتفاع، وما قد يترتب على ذلك من عودة الضغوط التضخمية وتشديد السياسة النقدية.
وأغلق مؤشر ناسداك المجمع منخفضاً بنسبة 0.32 %، بينما تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.06 %، وانخفض داو جونز الصناعي 0.13 %. وجاءت التحركات محدودة من حيث النسب، لكنها عكست حالة من الحذر في سوق كانت تستفيد خلال الفترة الماضية من نتائج شركات قوية وتوقعات باستمرار نمو الأرباح.
ضغوط الرقائق
تعرضت أسهم شركات تصنيع أشباه الموصلات لضغوط خلال الجلسة، وكان سهم «إنتل» من أبرز مصادر الضعف بعدما أعلنت الشركة اعتزامها بيع أسهم لجمع 15 مليار دولار.
وأثار الإعلان مخاوف من تخفيف ملكية المساهمين الحاليين نتيجة إصدار أسهم جديدة، كما أعاد تسليط الضوء على حجم الاحتياجات التمويلية التي تواجهها الشركات العاملة في صناعة الرقائق، في ظل الإنفاق الضخم المطلوب للحفاظ على القدرة التنافسية في سوق تتسارع فيها الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ويتميز قطاع أشباه الموصلات بحساسية مرتفعة تجاه تغير شهية المستثمرين للمخاطر، نظراً إلى التقييمات الكبيرة التي وصلت إليها بعض شركاته خلال السنوات الأخيرة. ولذلك، فإن أي أخبار سلبية تتعلق بالتمويل أو الأرباح أو توقعات النمو يمكن أن تدفع المستثمرين إلى عمليات بيع أسرع من القطاعات الأكثر دفاعية. ويأتي تراجع أسهم الرقائق في وقت لا تزال فيه التكنولوجيا تمثل أحد المحركات الرئيسية لمؤشرات وول ستريت، ما يجعل أي هبوط جماعي في الشركات الكبرى قادراً على التأثير مباشرة في ناسداك، الذي يضم وزناً مرتفعاً لشركات التكنولوجيا.
أزمة هرمز
تزامنت الضغوط على قطاع التكنولوجيا مع تراجع تفاؤل المستثمرين بشأن إمكانية التوصل سريعاً إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة شحن النفط بصورة طبيعية.
وزادت المخاوف بعد أن طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بدفع تعويضات عن الأشخاص الذين قال إن طهران قتلتهم خلال الحروب والهجمات والاحتجاجات، ما أضاف شرطاً جديداً إلى مسار تفاوضي معقد بالفعل.
وفي المقابل، سبق أن طالبت إيران واشنطن بالالتزام بمجموعة شروط، من بينها تعويض طهران عن الأضرار التي لحقت بها منذ بدء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على أراضيها قبل أكثر من خمسة أشهر.
وأدى تبادل المطالب إلى خفض التوقعات بشأن الوصول إلى حل سريع، خصوصاً أن استمرار القيود على حركة الشحن عبر هرمز يعني بقاء جزء مهم من إمدادات الطاقة العالمية تحت مستوى مرتفع من المخاطر.
قفزة النفط
كان سوق النفط الأسرع في الاستجابة لتراجع التفاؤل، إذ قفز خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 5 % عند التسوية، ليصل إلى 82.13 دولار للبرميل.
ويعكس هذا الصعود حجم علاوة المخاطر التي باتت الأسواق تضيفها إلى أسعار الطاقة، لأن المستثمرين لا يتعاملون فقط مع حجم الإمدادات المتاحة حالياً، وإنما مع احتمالات استمرار اضطراب النقل وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وتكتسب حركة أسعار الخام أهمية مضاعفة بالنسبة إلى سوق الأسهم الأمريكية، لأن استمرار ارتفاع النفط لا يفيد جميع القطاعات بصورة متساوية. ففي حين يمكن أن تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع الأسعار، تواجه قطاعات النقل والصناعة والاستهلاك تكاليف أكبر، ما قد يضغط على هوامش أرباحها.
كما أن ارتفاع أسعار الوقود ينتقل تدريجياً إلى المستهلك، سواء عبر البنزين أو الشحن أو تكلفة السلع، وهو ما يعيد التضخم إلى واجهة الحسابات الاقتصادية بعد فترة كان المستثمرون يركزون فيها بصورة أكبر على اتجاه أسعار الفائدة والنمو.
عودة التضخم
يمثل احتمال عودة الضغوط التضخمية أحد أكبر المخاطر التي تربط أزمة هرمز مباشرة بأداء وول ستريت. فارتفاع أسعار الطاقة لفترة ممتدة يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، ويدفع الشركات إلى تمرير جزء من تلك الزيادة إلى المستهلكين.
وإذا انعكس ذلك على مؤشرات أسعار المستهلكين، فقد تجد البنوك المركزية نفسها أمام مهمة أصعب، خصوصاً إذا تزامنت ضغوط الطاقة مع بقاء الاقتصاد قوياً.
وتخشى الأسواق من أن يضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الاحتفاظ بأسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، أو حتى إعادة النظر في مسار السياسة النقدية إذا عاد التضخم إلى التسارع بصورة قوية.
ويعد هذا السيناريو سلبياً بصفة خاصة لأسهم النمو والتكنولوجيا، لأن تقييماتها تعتمد بدرجة كبيرة على توقعات أرباح مستقبلية، وكلما ارتفعت أسعار الفائدة ارتفع معدل الخصم المستخدم لتقييم هذه الأرباح، ما يقلل القيمة الحالية للأسهم.
شهية المخاطر
قال توم هاينلين، محلل الاستثمار في إدارة الثروات لدى «يو.إس بنك»، إن السوق تستفيد من هوامش أرباح وأرباح قياسية، لكن تداخل الصراع الإيراني يؤدي إلى تحريك الإقبال على المخاطرة صعوداً وهبوطاً.
وتلخص هذه الرؤية حالة وول ستريت الحالية، إذ تتمتع الشركات الأمريكية الكبرى بأساسيات مالية قوية نسبياً، لكن التطورات الجيوسياسية يمكن أن تغير مزاج المستثمرين بسرعة.
وفي الفترات التي تهدأ فيها التوترات، يعود المستثمرون إلى التركيز على الأرباح والنمو والذكاء الاصطناعي، بينما تتحول السيولة سريعاً نحو الأصول الأكثر أماناً عندما ترتفع مخاطر الحرب أو الطاقة.
وتؤدي هذه البيئة إلى تقلبات أكبر حتى في غياب تغيرات جوهرية في نتائج الشركات، لأن المستثمرين يصبحون أكثر ميلاً إلى تقليص مراكزهم عالية المخاطر بمجرد ظهور إشارات إلى تصعيد سياسي.
مؤشرات متراجعة
أظهرت البيانات الأولية أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 فقد 4.74 نقطة، أو ما يعادل 0.06 %، ليغلق عند 7753.13 نقطة.
وتراجع ناسداك المجمع 84.89 نقطة، أي بنسبة 0.32 %، إلى 26605.73 نقطة، بينما هبط داو جونز الصناعي 71.77 نقطة، أو 0.13 %، ليصل إلى 53965.16 نقطة.
ورغم أن نسب التراجع تبدو محدودة، فإنها جاءت بعد جلسة اتسمت بتزايد الحذر، وهو ما يشير إلى أن المستثمرين لم يدخلوا في عمليات بيع واسعة، لكنهم أيضاً لم يكونوا مستعدين لزيادة تعرضهم للمخاطر في ظل عدم وضوح المسار السياسي لأزمة هرمز.
كما يكشف تفاوت أداء المؤشرات أن الضغط كان أكبر على شركات التكنولوجيا المدرجة في ناسداك مقارنة بالقطاعات التقليدية الموجودة بصورة أكبر في داو جونز.
قطاع التكنولوجيا
تواجه شركات التكنولوجيا في المرحلة الحالية معادلة مزدوجة. فمن جهة، تستفيد من طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات، ومن جهة أخرى تحتاج إلى إنفاق رأسمالي ضخم للحفاظ على قدرتها التنافسية.
وتوضح خطوة «إنتل» لجمع 15 مليار دولار عبر بيع الأسهم حجم الاحتياجات التمويلية التي قد تواجهها الشركات التي تسعى إلى توسيع قدرتها التصنيعية أو تطوير تقنيات جديدة.
ويصبح جمع التمويل أكثر حساسية عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة، لأن الاقتراض يصبح أكثر تكلفة، في حين يؤدي إصدار الأسهم إلى تخفيف حصص المساهمين الحاليين.