هرمز يدفع برنت فوق 91 دولارا
عادت أسعار النفط إلى الارتفاع بقوة مع بداية تعاملات سبتمبر، بعدما أعاد تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تسعير المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة، ورفع المخاوف من أن تتحول الاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط إلى أزمة إمدادات أكثر حدة، في وقت لا تزال فيه حركة الشحن عبر مضيق هرمز بعيدة بصورة واضحة عن مستوياتها الطبيعية.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 1.05 دولار، بما يعادل 1.2 %، لتصل إلى 91.54 دولار للبرميل بحلول الساعة 04:55 بتوقيت غرينتش، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 1.27 دولار، أو 1.5 %، إلى 87.03 دولار للبرميل. وجاءت المكاسب امتداداً لقفزة قوية في الجلسـة السابقـة، عنـدما أغلـق برنت مرتفعاً 2.7 % بعدما لامس أعلى مستوياته منذ 25 أغسطس، بينما صعد الخام الأميركي 2.8 % وسجل أعلى مستوى له منذ 21 أغسطس.
علاوة المخاطر
وتشير حركة الأسعار إلى أن المستثمرين يعيدون إضافة «علاوة المخاطر الجيوسياسية» إلى برميل النفط، بعدما بددت التطورات العسكرية الأخيرة الآمال في حدوث تهدئة سريعة يمكن أن تعيد تدفقات الطاقة وحركة الناقلات تدريجياً إلى طبيعتها. فالسوق لا تتعامل فقط مع حجم النفط المفقود فعلياً، وإنما مع احتمال اتساع نطاق المواجهة ليشمل منشآت إنتاج أو تصدير أو طرقاً بحرية أخرى في الخليج.
وتصاعدت المخاوف بعدما توعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه مزيد من الضربات إلى إيران عقب أول تبادل للهجمات بين الجانبين منذ نحو شهر. ويرى محللون أن عودة المواجهة العسكرية المباشرة تعني أن احتمالات الرد الإيراني أصبحت مجدداً عاملاً رئيسياً في حسابات المتعاملين، خصوصاً إذا امتد الرد إلى منشآت الطاقة أو حركة السفن.
وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى «كيه.سي.إم»، إن التطورات تعيد احتمال الرد الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يزيد مخاطر تعرض البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج لأضرار، ويضيف مزيداً من الضبابية بشأن الملاحة عبر مضيق هرمز، لتنعكس تلك المخاطر مباشرة في ارتفاع أسعار الخام.
اختناق الملاحة
ويظل مضيق هرمز محور الأزمة الأهم بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية، ليس فقط لأنه يمثل ممراً بحرياً بالغ الحساسية، وإنما لأن أي اضطراب طويل الأمد فيه يهدد قدرة المنتجين الخليجيين على إيصال كميات ضخمة من النفط والغاز إلى الأسواق الآسيوية والعالمية.
وتكشف بيانات «كبلر» حجم التراجع في النشاط الملاحي، إذ بلغ عدد سفن السلع التجارية التي أمكن رصدها أثناء عبور المضيق يوم الاثنين خمس سفن فقط، مقابل متوسط خلال عشرة أيام يبلغ نحو 14 سفينة يومياً، أي أن الحركة المرصودة كانت عند ما يزيد قليلاً على ثلث ذلك المتوسط. والأكثر دلالة بالنسبة إلى سوق الطاقة أن أياً من السفن الخمس لم تكن ناقلة للسوائل.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية استثنائية إذا ما قورنت بثقل المضيق قبل الحرب، إذ كان يمر عبر هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الصراع في أواخر فبراير. وبالتالي، فإن استمرار القيود لا يعني مجرد زيادة زمن الرحلات أو تكاليف التأمين والشحن، بل يمثل خللاً مباشراً في أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية.
وساطة متعثرة
وفي مقابل التصعيد العسكري، لم تحقق التحركات الدبلوماسية حتى الآن اختراقاً يعيد فتح المضيق بصورة طبيعية. فالجهود التي يقودها وسطاء، من بينهم قطر وعُمان، لم تنجح في التوصل إلى اتفاق يضمن استعادة حركة الملاحة، بعدما أغلقت إيران الممر إثر الهجمات الأميركية والإسرائيلية عليها في 28 فبراير.
ويضع تعثر الوساطة السوق أمام معادلة صعبة؛ فكلما طال أمد إغلاق الممر أو تشغيله بطاقة محدودة، ارتفعت تكاليف نقل الخام وزادت مخاطر التأمين على السفن، كما تصبح الشركات أكثر تحفظاً تجاه إرسال الناقلات إلى المنطقة. وهذه العوامل يمكن أن ترفع السعر النهائي للبرميل حتى من دون حدوث تراجع إضافي كبير في الإنتاج نفسه.
تهديد الناقلات
وزادت المخاوف بعدما قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ناقلة أبلغت، الثلاثاء، عن إصابتها بثلاثة مقذوفات أثناء إبحارها خارج مضيق هرمز، من دون ورود تقارير عن إصابات بشرية أو أضرار بيئية. ورغم محدودية الأضرار المعلنة، فإن الحادث يحمل أهمية اقتصادية كبيرة، لأنه يؤكد أن المخاطر لا تزال قائمة بالنسبة إلى السفن التي تحاول عبور المنطقة.
فاستمرار استهداف السفن أو حتى ارتفاع احتمالات تعرضها للهجمات ينعكس سريعاً على أقساط التأمين البحري وتكاليف التشغيل، وقد يدفع بعض الشركات إلى تجنب الرحلات أو تأجيلها. وفي سوق تعتمد على انتظام تدفق ملايين البراميل يومياً، يصبح اضطراب حركة النقل عاملاً قادراً على دفع الأسعار صعوداً حتى قبل ظهور نقص ملموس لدى المستهلكين.
تدفقات محدودة
ورغم استمرار مرور بعض النفط عبر المضيق، فإن الكميات الحالية تبقى أقل بكثير من مستويات ما قبل الصراع. ووفق تقديرات أشار إليها محللو بنك «إيه.إن.زد» استناداً إلى شركات التتبع بالأقمار الصناعية، تبلغ التدفقات النفطية عبر هرمز حالياً نحو 6 ملايين برميل يومياً، لكنها تظل بعيدة عن المعدلات التي كانت تسجل قبل اندلاع الحرب.
وهذا الفارق هو ما يبقي سوق النفط في حالة تأهب. فالمشكلة ليست توقف الإمدادات بالكامل، وإنما انخفاض قدرة النظام العالمي على نقل الخام بصورة طبيعية، ما يدفع المستوردين إلى البحث عن بدائل، ويزيد المسافات التي تقطعها بعض الشحنات ويرفع تكاليف النقل، خصوصاً بالنسبة إلى الاقتصادات الآسيوية التي اعتمدت تاريخياً بدرجة كبيرة على نفط الشرق الأوسط.
وبالفعل، أدت الأزمة إلى تحولات واضحة في تجارة النفط، مع استفادة منتجي الأميركتين من بحث المستوردين عن مصادر بديلة؛ إذ تشير تقديرات إلى وصول صادرات الخام من الأميركتين إلى مستوى قياسي يبلغ 11.7 مليون برميل يومياً خلال 2026، مقابل 10.3 ملايين برميل يومياً في 2025.
هوامش تتآكل
لكن خطورة الوضع لا تقتصر على هرمز وحده، إذ تتزامن أزمة الشحن مع تراجع هوامش الأمان التي يمكن استخدامها لاحتواء أي صدمة جديدة. ويحذر محللو «إيه.إن.زد» من أن الاحتياطيات التي اعتمدت عليها السوق العالمية بدأت في النضوب، بينما تقترب المخزونات الأميركية من مستويات شديدة الانخفاض، في وقت قد تواجه فيه الصين صعوبة متزايدة في إبقاء وارداتها منخفضة مع ارتفاع الطلب الموسمي.
وتبرز الولايات المتحدة في قلب هذه المعادلة بعدما تراجع مخزون الخام في الاحتياطي الاستراتيجي بنحو 3.1 ملايين برميل خلال الأسبوع الأخير من أغسطس، ليستقر عند 286.6 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر 1982. ويقلص ذلك تدريجياً قدرة واشنطن على الاعتماد على الاحتياطي كسلاح سريع لتهدئة الأسعار إذا تعرضت السوق لصدمة إمدادات جديدة.
وتزداد حساسية هذا التطور لأن الاحتياطي الاستراتيجي يمثل إحدى أهم أدوات التدخل في حالات الطوارئ. وكلما انخفضت الكميات المتاحة، أصبح اتخاذ قرار بسحب المزيد أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة بدلاً من كونها اضطراباً قصير الأجل.
ضغوط عالمية
ولا تتوقف التداعيات المحتملة عند حدود سوق الخام، إذ يعني استمرار برنت فوق 90 دولاراً ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والتصنيع، ما قد يعيد تغذية الضغوط التضخمية في الاقتصادات الكبرى. وقد ظهرت هذه المخاوف بالفعل في أسواق السندات العالمية، حيث أصبحت أسعار الطاقة المرتفعة أحد العوامل التي تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار التضخم والفائدة.
كما تواجه آسيا ضغوطاً إضافية في سوق المنتجات المكررة؛ إذ هبطت وارداتها من الوقود المكرر في أغسطس إلى نحو 5.10 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ بدء الصراع، مقارنة بـ5.61 ملايين برميل يومياً في يوليو، بينما ارتفعت أسعار زيت الغاز في سنغافورة بنحو 70 % منذ أواخر فبراير.
وتعني هذه التطورات أن أثر أزمة هرمز قد ينتقل تدريجياً من سعر برميل الخام إلى تكلفة الديزل ووقود الطائرات والنقل والسلع، وهو ما يجعل مسار النفط عاملاً مهماً في قرارات البنوك المركزية خلال الأشهر المقبلة.