تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬يقترب‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬جديدة؟

هل‭ ‬يقترب‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬جديدة؟

عادت‭ ‬قضية‭ ‬اختلالات‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاشات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬مجدداً،‭ ‬وسط‭ ‬تحذيرات‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بصدد‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التوترات‭ ‬التجارية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنتهي‭ ‬بأزمة‭ ‬عالمية‭ ‬أخرى،‭ ‬شبيهة‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬أزمات‭ ‬سابقة‭ ‬هزت‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭. ‬
ويشير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمحلل‭ ‬البارز‭ ‬مارتن‭ ‬وولف،‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬نشرته‭ ‬صحيفة‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬السطح‭ ‬بصورة‭ ‬دورية‭ ‬كل‭ ‬عقدين‭ ‬تقريباً،‭ ‬إذ‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬موجات‭ ‬مشابهة‭ ‬خلال‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ثم‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬تعود‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬
ويرى‭ ‬وولف‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬وراء‭ ‬عودة‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬عاملين‭ ‬مترابطين؛‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬اختلالات‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري‭ ‬تؤدي‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬النزعات‭ ‬الحمائية‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬والثاني‭ ‬أنها‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬مقدمة‭ ‬لأزمات‭ ‬مالية‭ ‬كبرى‭ ‬تهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

دروس‭ ‬التاريخ
ويستعيد‭ ‬التحليل‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للعقود‭ ‬الماضية‭ ‬لتوضيح‭ ‬خطورة‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭. ‬ففي‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬تصاعدت‭ ‬النزعة‭ ‬الحمائية‭ ‬ضد‭ ‬اليابان‭ ‬بسبب‭ ‬فوائضها‭ ‬التجارية‭ ‬الضخمة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬البلاد‭ ‬لاحقاً‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬طويلة‭ ‬ومعقدة‭.‬
وفي‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية،‭ ‬برزت‭ ‬‮«‬صدمة‭ ‬الصين‮»‬‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬بكين‭ ‬الصناعي‭ ‬والتجاري‭ ‬الهائل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬الحمائية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنفجر‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬وتضرب‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الغربية‭ ‬بقوة‭. ‬
أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فإن‭ ‬مظاهر‭ ‬الحمائية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬عادت‭ ‬بالفعل،‭ ‬خاصة‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكن‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى‭ ‬لم‭ ‬تقع‭ ‬بعد،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬بوادرها‭ ‬الكاملة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يحذر‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مهيأة‭ ‬لأزمة‭ ‬جديدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬تضخم‭ ‬الديون‭ ‬والتقييمات‭ ‬المالية‭ ‬وارتفاع‭ ‬التوترات‭ ‬التجارية‭ ‬والجيوسياسية‭.‬

خطر‭ ‬أمريكي
ومن‭ ‬أبرز‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬يشير‭ ‬إليها‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬مصدر‭ ‬الخطر‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها،‭ ‬وليس‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة‭ ‬أو‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬أزمات‭ ‬سابقة‭.‬
ويؤكد‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الالتزامات‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬ارتفع‭ ‬بصورة‭ ‬ضخمة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬المركزية‮»‬‭ ‬للنظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬داخلي‭ ‬فيها‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العالمية‭. ‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تركّز‭ ‬استثمارات‭ ‬مديري‭ ‬الأصول‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تقييمات‭ ‬الأسهم‭ ‬بصورة‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها،‭ ‬وزيادة‭ ‬محاولات‭ ‬المستثمرين‭ ‬للتحوط‭ ‬من‭ ‬المخاطر،‭ ‬كلها‭ ‬مؤشرات‭ ‬يراها‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬علامات‭ ‬تحذيرية‭ ‬تستدعي‭ ‬الحذر‭ ‬الشديد‭.‬
ويشير‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صافي‭ ‬الالتزامات‭ ‬الخارجية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬24‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنحو‭ ‬6‭ ‬بالمائة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬وهو‭ ‬ارتفاع‭ ‬ضخم‭ ‬يعكس‭ ‬اتساع‭ ‬اعتماد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬الأمريكي‭. ‬

الصين‭ ‬والفوائض
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الصين‭ ‬تمثل‭ ‬الطرف‭ ‬المقابل‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الاختلالات‭ ‬العالمية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬فوائض‭ ‬تجارية‭ ‬وادخارية‭ ‬ضخمة‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الفائض‭ ‬الصيني‭ ‬الحالي‭ ‬يمثل‭ ‬نسبة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬أزمة‭ ‬2008،‭ ‬فإن‭ ‬حجمه‭ ‬المطلق‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هائلًا‭ ‬بسبب‭ ‬تضاعف‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرتين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭. ‬
وقد‭ ‬سجلت‭ ‬الصين‭ ‬فائضاً‭ ‬تجارياً‭ ‬ضخماً‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬2‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬قوة‭ ‬الصناعة‭ ‬الصينية‭ ‬وتنافسيتها،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬اختلالات‭ ‬هيكلية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬نفسه‭.‬
ويشير‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انخفاض‭ ‬نسبة‭ ‬استهلاك‭ ‬الأسر‭ ‬الصينية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة،‭ ‬يعنيان‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تنتج‭ ‬مدخرات‭ ‬تفوق‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭ ‬المحلي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬تصدير‭ ‬هذا‭ ‬الفائض‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬عبر‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار‭.‬
وبعد‭ ‬تباطؤ‭ ‬قطاع‭ ‬العقارات‭ ‬الصيني،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬سابقاً‭ ‬قناة‭ ‬رئيسية‭ ‬لاستيعاب‭ ‬المدخرات‭ ‬المحلية،‭ ‬أصبحت‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬والتصدير‭ ‬هما‭ ‬المسار‭ ‬الرئيسي‭ ‬لتصريف‭ ‬هذا‭ ‬الفائض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الغربية‭ ‬والصناعات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

أوروبا‭ ‬والضغوط
كما‭ ‬يوضح‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬نفسها‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬الفوائض‭ ‬العالمية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬ألمانيا‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬الدائنة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحقق‭ ‬فوائض‭ ‬تجارية‭ ‬ومالية‭ ‬كبيرة‭. ‬لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬صناعية‭ ‬متزايدة‭ ‬نتيجة‭ ‬المنافسة‭ ‬الصينية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬المتقدمة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة‭.‬
ويرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬النزعات‭ ‬الحمائية‭ ‬داخل‭ ‬أوروبا،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬لحماية‭ ‬صناعاتها‭ ‬المحلية‭ ‬عبر‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬والدعم‭ ‬الصناعي‭.‬
ويحذر‭ ‬التقرير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الديناميكية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفكك‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬التجاري‭ ‬العالمي،‭ ‬وعودة‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المشابهة‭ ‬لما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬تاريخية‭ ‬سابقة‭.‬

عجز‭ ‬أمريكا
ومن‭ ‬النقاط‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬يركز‭ ‬عليها‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬معالجته‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬أو‭ ‬التلاعب‭ ‬بأسعار‭ ‬الصرف،‭ ‬كما‭ ‬يعتقد‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين‭.‬
فالعجز‭ ‬الخارجي‭ ‬الأمريكي‭ ‬مرتبط‭ ‬بصورة‭ ‬وثيقة‭ ‬بالاختلالات‭ ‬الداخلية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه،‭ ‬وخاصة‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭ ‬الحكومي‭ ‬الضخم‭.‬
ويتوقع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬عجز‭ ‬الموازنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬نحو‭ ‬7‭.‬5‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬مرتفع‭ ‬للغاية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬
ويشير‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬الخارجي‭ ‬لتمويل‭ ‬إنفاقها‭ ‬الحكومي،‭ ‬بعدما‭ ‬حقق‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬الأمريكي‭ ‬قدراً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭.‬
لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يحذر‭ ‬وولف‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬‮«‬مغالطة‭ ‬الدائن‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الطرف‭ ‬المقترض‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬الاختلالات،‭ ‬وأن‭ ‬الحل‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬إنفاقه‭ ‬وتشديد‭ ‬سياساته‭ ‬المالية‭.‬

خطر‭ ‬التباطؤ
ويؤكد‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬خفض‭ ‬العجز‭ ‬الأمريكي،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تباطؤ‭ ‬اقتصادي‭ ‬عالمي‭ ‬واسع‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬الاقتصادات‭ ‬ذات‭ ‬الفوائض‭ ‬الكبيرة،‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬وأوروبا،‭ ‬بزيادة‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬لديها‭.‬
فالاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الادخار‭ ‬والاستهلاك‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وإذا‭ ‬استمرت‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬فوائض‭ ‬ضخمة‭ ‬بينما‭ ‬تعتمد‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬المفرط،‭ ‬فإن‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬ستكون‭ ‬إما‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬موجة‭ ‬ركود‭ ‬عالمية‭.‬
ويرى‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬طلب‭ ‬داخلي‭ ‬أقوى‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التصدير‭ ‬كوسيلة‭ ‬دائمة‭ ‬للنمو،‭ ‬لأن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬فوائض‭ ‬التجارة‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬توترات‭ ‬سياسية‭ ‬وتجارية‭ ‬خطيرة‭.‬
كما‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬مشاعر‭ ‬الغضب‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭ ‬المدينة،‭ ‬التي‭ ‬ستنظر‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الفوائض‭ ‬باعتبارها‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تدمير‭ ‬صناعاتها‭ ‬المحلية‭ ‬وخلق‭ ‬البطالة‭ ‬وانعدام‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭.‬

عالم‭ ‬شعبوي
ورغم‭ ‬وضوح‭ ‬المخاطر،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬فرص‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬جماعية‭ ‬منسقة‭ ‬أصبحت‭ ‬أضعف‭ ‬بكثير‭ ‬مقارنة‭ ‬بالماضي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صعود‭ ‬الشعبوية‭ ‬والقومية‭ ‬والانقسامات‭ ‬السياسية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭.‬
ويشير‭ ‬وولف‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬مثل‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تقدم‭ ‬وصفات‭ ‬اقتصادية‭ ‬معقولة‭ ‬لمعالجة‭ ‬الاختلالات،‭ ‬تشمل‭ ‬تعديلات‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬والتجارية‭ ‬والصناعية،‭ ‬لكن‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬باتت‭ ‬شبه‭ ‬غائبة‭. ‬
كما‭ ‬أن‭ ‬التنافس‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬المتصاعد‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين،‭ ‬وتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬الداخلية‭ ‬داخل‭ ‬أوروبا،‭ ‬يجعلان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬للغاية‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تفاهمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬عالمية‭ ‬شاملة‭.‬
ويرى‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يعيش‭ ‬حاليًا‭ ‬مرحلة‭ ‬تتراجع‭ ‬فيها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬استباقية‭ ‬وعقلانية،‭ ‬لصالح‭ ‬السياسات‭ ‬الشعبوية‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬والصراعات‭ ‬التجارية‭ ‬والسياسية‭.‬

رجوع لأعلى