وول ستريت تراهن على التهدئة.. والأسهم الأمريكية تواصل سباق القمم التاريخية
واصلت الأسواق الأمريكية والعالمية خلال الساعات الأخيرة إرسال إشارات تفاؤل قوية تجاه مستقبل الاقتصاد العالمي، بعدما عززت التطورات السياسية المتعلقة بإيران والولايات المتحدة رهانات المستثمرين على تراجع التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حركة الأسهم والنفط والعملات وأسواق السندات. وبينما سجل مؤشرا ستاندرد آند بورز 500 وناسداك مستويات قياسية جديدة في جلسة الأربعاء، جاءت تحركات العقود الآجلة خلال تعاملات ليل الأربعاء الخميس أكثر هدوءًا، مع ميل محدود نحو التراجع الفني بعد موجة الصعود القوية التي سيطرت على الأسواق خلال الجلسات الأخيرة.
وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.1 بالمائة، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بنحو 0.2 بالمائة، في وقت فقدت فيه العقود المرتبطة بمؤشر داو جونز الصناعي نحو 34 نقطة فقط، وهو تراجع محدود يعكس استمرار حالة التفاؤل المسيطرة على المستثمرين، رغم عمليات جني الأرباح الطبيعية التي تظهر عادة بعد تسجيل مستويات تاريخية جديدة.
ويأتي هذا الأداء في وقت باتت فيه الأسواق تنظر إلى التطورات السياسية في الشرق الأوسط باعتبارها أحد أهم المحركات المؤثرة في معنويات المستثمرين خلال المرحلة الحالية، خصوصًا بعد التقارير التي تحدثت عن اقتراب واشنطن وطهران من تفاهم أولي قد يفتح الباب أمام تهدئة أوسع، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، إلى مراحل تفاوضية لاحقة.
رهانات الأسواق
التفاؤل الذي سيطر على وول ستريت لم يكن قائمًا فقط على التهدئة السياسية، بل أيضاً على قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن الاقتصاد الأمريكي لا يزال قادراً على مواصلة النمو دون الانزلاق نحو الركود، رغم مستويات الفائدة المرتفعة والتحديات المرتبطة بالتضخم والسياسة النقدية. وقد انعكس ذلك بوضوح في تصريحات عدد من كبار مديري الأصول والاستثمار الذين رأوا أن الأسواق بدأت تبني سيناريو أكثر إيجابية للمرحلة المقبلة.
وقال بيل نورثي، مدير الاستثمار في مجموعة إدارة الأصول التابعة لبنك يو إس، إن تراجع الأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية قد يسمحان لبعض المناطق الأكثر تأثراً بالتوترات الجيوسياسية، مثل أوروبا وجنوب شرق آسيا، بتجنب موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية، مشيراً إلى أن ذلك قد يفتح المجال أمام انتعاش سريع في أسواق الأسهم العالمية.
وتنظر الأسواق إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة عالمياً، إذ تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج، ما يجعل أي تهدئة مرتبطة بالمنطقة عاملاً مباشراً في تهدئة أسعار الطاقة وتقليل المخاوف التضخمية عالمياً، ولهذا السبب، شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً بالتزامن مع صعود الأسهم، في إشارة إلى تبدل مزاج المستثمرين من القلق إلى التفاؤل.
صعود التكنولوجيا
وفي موازاة العوامل السياسية، لعب قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في دفع المؤشرات الأمريكية نحو قمم تاريخية جديدة، بعدما واصلت شركات الرقائق الإلكترونية تسجيل نتائج مالية قوية عززت الثقة باستمرار الطفرة الحالية في الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية.
وكانت شركة «أدفانسد مايكرو ديفايسز» المعروفة اختصاراً باسم «إيه إم دي» أبرز الرابحين في السوق، بعدما قفز سهمها بنسبة 18.6 بالمائة عقب إعلان نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين على مستوى الإيرادات والأرباح، إلى جانب إصدار الشركة توقعات متفائلة بشأن الربع الثاني من العام.
وفسر المستثمرون هذه النتائج باعتبارها إشارة إضافية إلى أن الطلب العالمي على الرقائق الإلكترونية المتطورة لا يزال في مرحلة توسع قوية، خصوصاً مع التنافس المتسارع بين الشركات الكبرى لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإنشاء مراكز بيانات جديدة قادرة على التعامل مع الأحجام الضخمة من البيانات والمعالجة الحاسوبية.
وامتدت موجة الصعود إلى بقية شركات القطاع، إذ ارتفع مؤشر الرقائق الإلكترونية «إس إم إتش» بنسبة 5 بالمائة، كما صعد سهم «إنتل» بنسبة 4.5 بالمائة، وسط تفاؤل واسع بأن دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا تزال في بدايتها، وأن الإنفاق الضخم المرتبط بها سيواصل دعم أرباح الشركات التكنولوجية لسنوات مقبلة.
ويرى محللون أن ما يحدث حاليًا في أسواق التكنولوجيا يشبه إلى حد كبير التحولات الكبرى التي شهدتها الأسواق خلال بدايات الإنترنت والحوسبة الشخصية، لكن بوتيرة أسرع بكثير، مدفوعة بالتقدم المتسارع في نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
الاقتصاد الأمريكي
وعلى الجانب الاقتصادي، جاءت البيانات الأمريكية الأخيرة لتدعم الرؤية الإيجابية للأسواق، بعدما أظهرت أرقام التوظيف استمرار متانة سوق العمل الأمريكي رغم تباطؤ وتيرة التوظيف مقارنة بالفترات السابقة. وأفادت بيانات شركة «إيه دي بي» للأبحاث بأن القطاع الخاص الأمريكي أضاف 109 آلاف وظيفة خلال شهر إبريل 2026، مقارنة بزيادة معدلة بلغت 61 ألف وظيفة في مارس.
ورغم أن الأرقام جاءت أقل قليلاً من توقعات المحللين التي أشارت إلى إضافة نحو 120 ألف وظيفة، فإن الأسواق تعاملت معها بصورة إيجابية نسبيًا، باعتبارها تعكس توازناً صحياً بين تباطؤ التضخم واستمرار النشاط الاقتصادي دون انهيار حاد في سوق العمل.
ولعب قطاعا الرعاية الصحية والتعليم الدور الأكبر في دعم التوظيف، إذ استحوذا على أكثر من نصف الوظائف الجديدة المضافة خلال الشهر، في حين سجلت قطاعات التجارة والنقل والمرافق العامة نمواً أيضاً، ما يعكس استمرار الطلب المحلي الأمريكي بمستويات مستقرة نسبياً.
كما لفت انتباه المستثمرين النمو الذي شهده قطاع البناء، والذي ربطه محللون بالتوسع الضخم في مشاريع مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. فالشركات الأمريكية الكبرى باتت تضخ استثمارات هائلة في بناء منشآت رقمية جديدة قادرة على استيعاب الطلب المتزايد على الخدمات الحاسوبية والتطبيقات الذكية، ما خلق موجة إنفاق ضخمة تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة داخل الاقتصاد.
ثقة المستثمرين
ويعتقد عدد من مديري المحافظ الاستثمارية أن الأسواق الأمريكية لا تزال تجد دعماً قوياً من البيئة الاقتصادية الحالية، خاصة في ظل غياب مؤشرات واضحة على دخول الاقتصاد في ركود قريب، وقال توماس مارتن، مدير المحافظ في «جلوبالت إنفستمنتس»، إن الاقتصاد الأمريكي لا يظهر حتى الآن إشارات خطر حقيقية، مؤكداً أن هذا الواقع يدفع المستثمرين للاستمرار في امتلاك الأسهم والاستفادة من الزخم الحالي.
وتستند هذه النظرة إلى مجموعة عوامل مجتمعة، تشمل استمرار الإنفاق الاستهلاكي، وتحسن أرباح الشركات، واستقرار سوق العمل، إضافة إلى التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يقترب تدريجياً من إنهاء دورة التشديد النقدي الحالية إذا واصل التضخم التراجع خلال الأشهر المقبلة.
كما يرى المستثمرون أن الأسواق باتت أكثر قدرة على التكيف مع أسعار الفائدة المرتفعة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عامين، خصوصاً مع استمرار الشركات الأمريكية الكبرى في تحقيق أرباح قوية وتحسين كفاءتها التشغيلية.
مكاسب المؤشرات
وعكست حركة المؤشرات الأمريكية حجم التفاؤل المسيطر على المستثمرين، إذ ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 104.46 نقطة، أو بنسبة 1.45 بالمائة، ليغلق عند مستوى 7364.72 نقطة، وهو أعلى مستوى في تاريخه.
كما صعد مؤشر ناسداك المجمع بنحو 508.76 نقطة، أو 2.01 بالمائة، ليصل إلى 25834.88 نقطة، مدفوعاً بصورة رئيسية بأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وشركات الرقائق الإلكترونية.
أما مؤشر داو جونز الصناعي، فقد ارتفع بمقدار 603.51 نقطة، أو 1.22 بالمائة، ليغلق عند 49909.55 نقطة، مقترباً بذلك من حاجز 50 ألف نقطة التاريخي، وهو مستوى نفسي مهم تراقبه الأسواق العالمية عن كثب.