وارش يثبت هدف التضخم عند 2 %
حمل مؤتمر «جاكسون هول» هذا العام تحولاً لافتاً في خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، بعدما ألمح إلى إمكانية اتجاه البنك المركزي الأميركي نحو رفع أسعار الفائدة إذا لم يبدأ التضخم في التراجع قريباً، في رسالة أعادت التأكيد على استعداد الفيدرالي للتحرك إذا ظلت ضغوط الأسعار أعلى من المستوى المستهدف.
لكن هذا الموقف لم يمثل، من الناحية العملية، تحولاً جذرياً في السياسة النقدية أو ابتكاراً في طريقة إدارة الفيدرالي للمرحلة الحالية، إذ جاء متسقاً إلى حد كبير مع الرسائل التي تضمنها اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يوليو، وكذلك اجتماعها في 19 أغسطس.
ومع ذلك، بدا خطاب وارش في جاكسون هول أكثر تماسكاً مقارنة بتصريحاته السابقة، خصوصاً فيما يتعلق بطريقة التواصل مع الأسواق وتفسير دور السياسة النقدية، وهو ما قد يمنح الفرق العاملة داخل الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للتركيز على تطوير آليات التفكير وصنع القرار بدلاً من معالجة الالتباسات التي خلقتها رسائله السابقة.
توجيه جديد
أحد أبرز التحولات في خطاب وارش تمثل في إعادة تعريف مفهوم «التوجيه المستقبلي» بطريقة أقرب إلى الممارسة التقليدية لدى البنوك المركزية.
ففي أعقاب اجتماعي يونيو ويوليو، بدا وارش وكأنه يتعامل مع أي تصريح يتعلق باتجاه الاقتصاد الأميركي أو آفاقه باعتباره شكلاً من أشكال التوجيه المستقبلي للسياسة النقدية، وهو ما كان يحد عملياً من قدرة مسؤولي الفيدرالي على الحديث بحرية عن توقعاتهم.
أما في جاكسون هول، فتجنب تقديم التزامات محددة بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة، محتفظاً بدرجة أكبر من المرونة عند الحديث عن التضخم والنمو والأداء الاقتصادي.
وهذه المقاربة أقرب إلى الطريقة المعتادة التي يدير بها محافظو البنوك المركزية عملية التواصل، إذ يقدم المسؤول تقييماً للوضع الاقتصادي والمخاطر المحتملة من دون أن يقيد قراراته المستقبلية مسبقاً.
وبذلك يستطيع أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة مناقشة التضخم والنمو وسوق العمل من دون أن تتحول كل عبارة إلى وعد ضمني برفع الفائدة أو خفضها.
هدف صارم
وجاء التحول الثاني في موقف وارش من هدف التضخم، بعدما تخلى عن الغموض الذي أحاط بتصريحاته السابقة، وأكد بصورة واضحة أن مستوى 2% وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي يمثل «هدفاً ثابتاً وصارماً» للاحتياطي الفيدرالي.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسواق، لأن مصداقية البنك المركزي ترتبط بدرجة كبيرة بوضوح هدفه واستعداد صناع السياسة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للوصول إليه.
وأي غموض بشأن مستوى التضخم المقبول قد يدفع المستثمرين والمستهلكين والشركات إلى إعادة تقييم توقعاتهم طويلة الأجل، وهو ما يمكن أن يزيد صعوبة مهمة البنك المركزي في السيطرة على الأسعار.
لذلك، فـإن تثبيت وارش لمستـوى 2 % باعتباره هدفاً واضحاً يزيل جزءاً من الالتباس السابق، ويوجه رسالة بأن الفيدرالي لا يستعد للتعايش بصورة دائمة مع معدلات تضخم أعلى من مستهدفه الرسمي.
دور الفيدرالي
كما أعاد وارش صياغة رؤيته لدور الاحتياطي الفيدرالي في الأسواق، متراجعاً عن تصور سابق كان يبدو فيه البنك المركزي أقرب إلى مراقب لتحركات المستثمرين منه إلى مؤسسة تؤثر مباشرة في اتجاهات الاقتصاد والتمويل.
وفي جاكسون هول، أقر وارش بأن الاحتياطي الفيدرالي يؤدي دوراً جوهرياً في الاقتصاد والأسواق، وأن الأدوات التي يمتلكها قوية، مشدداً على أن البنك المركزي هو من يحدد مسار أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
ويكتسب هذا الاعتراف أهمية في ظل العلاقة المعقدة بين قرارات الفيدرالي وأسعار الأصول وعوائد السندات وتكاليف الاقتراض، إذ لا يمكن فصل السياسة النقدية عن الظروف المالية التي تؤثر بدورها في قرارات الشركات والأسر.
وبدا موقف وارش من مستوى تشديد السياسة النقدية أكثر اعتدالاً أيضاً، إذ قال إنه يجد صعوبة في وصف الأوضاع المالية العامة بأنها «تقييدية»، وهو موقف يضعه أقرب إلى التيار الوسطي داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة مقارنة ببعض المواقف الأكثر تشدداً التي ظهرت سابقاً.
قراءة الأسواق
لكن المشكلة الأكبر التي واجهت وارش منذ توليه منصبه لم ترتبط بموقف محدد تجاه التضخم أو أسعار الفائدة بقدر ما ارتبطت بالطريقة التي فسر بها تحركات الأسواق المالية، ومحاولته في بعض الأحيان ربط هذه التحركات بنجاح استراتيجيته.
ففي مرحلة سابقة، أشاد وارش بهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية حتى الأول من يوليو، معتبراً أن هذا التحرك أظهر سرعة فهم الأسواق للطريقة التي سيستجيب بها الاحتياطي الفيدرالي تحت قيادته.
لكن عندما انعكس اتجاه العوائد وارتفعت في نهاية الشهر نفسه، قدم وارش قراءة إيجابية أيضاً، معتبراً أن الأسواق تعلمت كيفية تسعير الأوضاع بصورة صحيحة من دون الحاجة إلى توجيه مستقبلي من البنك المركزي.
هنا يظهر تناقض واضح في المنطق؛ فإذا كان انخفاض العوائد دليلاً على نجاح الأسواق في فهم استراتيجية الفيدرالي، فمن الصعب اعتبار ارتفاع العوائد بعد ذلك دليلاً في الوقت نفسه على نجاح الاستراتيجية ذاتها.
فالتحركات المتعارضة في السوق لا يمكن استخدامها بصورة متزامنة لإثبات روايتين مختلفتين من دون تفسير اقتصادي يوضح سبب تغير العلاقة.
تفسيرات متضاربة
ومع ذلك، تبدو تناقضات وارش محدودة مقارنة بالتفسيرات المختلفة الصادرة عن مسؤولين في الإدارة الأميركية بشأن ما يحدث في سوق السندات.
فوزير الخزانة سكوت بيسنت نظر إلى ارتفاع العوائد وخلص إلى أنها لا تعكس تسعيراً سليماً للأوضاع الاقتصادية، وإنما تجاوزت المستويات التي تبررها الأساسيات نتيجة ضعف السيولة.
وقال بيسنت إن العوائد لا تعكس المقومات الاقتصادية الأساسية، مشيراً إلى امتلاك وزارة الخزانة معلومات لا يمتلكها السوق.
في المقابل، قدم ستيفن ميران، العضو السابق في مجلس محافظي الفيدرالي ورئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين، تفسيراً مختلفاً، إذ أشار إلى أن توقعات التضخم المستخلصة من الأسواق لم ترتفع، بينما كان الصعود الفعلي متركزاً في العوائد الحقيقية نتيجة ارتفاع توقعات المستثمرين لأسعار الفائدة.
وذهب ميران أبعد من ذلك عندما ربط ارتفاع العوائد الحقيقية برفع المستثمرين توقعاتهم للنمو الاقتصادي طويل الأجل، مشيداً بدور الذكاء الاصطناعي والسياسة الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب في تحسين تلك التوقعات.
المصداقية أمام اختبار الأسواق
تحتاج الأسواق المالية في نهاية المطاف إلى أكثر من مجرد تصريحات تطمئنها بشأن التضخم أو النمو، فهي تحتاج إلى الثقة بأن المسؤولين عن السياسة النقدية والمالية يستخدمون إطاراً تحليلياً مستقراً يسمح بتفسير قراراتهم وتحركات الأسواق بصورة متسقة من مرحلة إلى أخرى.
ويحسب لخطاب وارش في جاكسون هول أنه اقترب بدرجة أكبر من القواعد التقليدية للعمل المصرفي المركزي، سواء عبر تجنب الالتزام بمسار مسبق للفائدة، أو التأكيد الصريح على هدف التضخم عند 2 %، أو الاعتراف بالدور المباشر للفيدرالي في الاقتصاد والأسواق.
لكن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما تتحرك البيانات والأسواق في اتجاه غير مريح لصناع السياسة. فإذا كان انخفاض العوائد يعد دليلاً على نجاح السياسة ثم تحول ارتفاعها إلى دليل آخر على النجاح، بينما تقدم وزارة الخزانة والمستشارون الاقتصاديون تفسيرات مختلفة للحركة نفسها، فإن الخطر يصبح متعلقاً بالمصداقية بقدر تعلقه بالفائدة والتضخم.
فالأسواق تستطيع التعامل مع اختلاف الآراء وعدم اليقين، لكنها تجد صعوبة أكبر في التعامل مع إطار يتغير تفسيره كلما تغيرت الأسعار. وفي المرحلة المقبلة، ستكون قدرة الفيدرالي والإدارة الأميركية على تقديم رواية اقتصادية متماسكة وقابلة للاختبار عاملاً مهماً في الحفاظ على ثقة المستثمرين، خصوصاً إذا استمرت عوائد السندات والتضخم في فرض ضغوط جديدة على السياسة الاقتصادية الأميركية.