تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وارش‭ ‬يختبر‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بفائدة‭ ‬أعلى

وارش‭ ‬يختبر‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بفائدة‭ ‬أعلى

دخلت‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قرر‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬رفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬بمقدار‭ ‬ربع‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية‭ ‬إلى‭ ‬نطاق‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬3‭.‬75‭ ‬و4‭ %‬،‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬زيادة‭ ‬للفائدة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬ليعيد‭ ‬بذلك‭ ‬التشديد‭ ‬النقدي‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬فيه‭ ‬التضخم‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬المستوى‭ ‬المستهدف،‭ ‬بينما‭ ‬يظهر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬والنمو‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬المنشورة‭ ‬عن‭ ‬اجتماع‭ ‬سبتمبر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬الرفع‭ ‬جاء‭ ‬بالإجماع،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬عكست‭ ‬درجة‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬داخل‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬مواجهة‭ ‬ضغوط‭ ‬الأسعار‭.‬
وجاء‭ ‬القرار‭ ‬وسط‭ ‬بيئة‭ ‬اقتصادية‭ ‬معقدة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬استمرار‭ ‬التضخم‭ ‬وقوة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الضخمة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سياسة‭ ‬مالية‭ ‬توسعية‭ ‬ورسوم‭ ‬جمركية‭ ‬وضغوط‭ ‬إضافية‭ ‬مصدرها‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬وتوترات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وهي‭ ‬عوامل‭ ‬تجعل‭ ‬مسار‭ ‬عودة‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬المستهدف‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭.‬

تشديد‭ ‬نقدي
ويمثل‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة‭ ‬تحولاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬توجه‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية،‭ ‬بعدما‭ ‬ظل‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬مخاطر‭ ‬التضخم‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬فوق‭ ‬المستوى‭ ‬المستهدف‭ ‬لسنوات،‭ ‬باتت‭ ‬الأولوية‭ ‬لدى‭ ‬رئيس‭ ‬الفيدرالي‭ ‬كيفين‭ ‬وارش‭ ‬تتركز‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭.‬
وأكد‭ ‬وارش‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬يتجاوز‭ ‬المستوى‭ ‬المستهدف‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يشكل‭ ‬فيه‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬مهام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يعكس‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة‭ ‬اعتقاداً‭ ‬بأن‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬تيسيرية‭ ‬بالدرجة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬يستعيد‭ ‬زخمه‭.‬
وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬مع‭ ‬مؤشرات‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬يظهرها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬إذ‭ ‬يعني‭ ‬استمرار‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬القوي‭ ‬أن‭ ‬الفيدرالي‭ ‬يمتلك‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬للتحرك‭ ‬ضد‭ ‬التضخم،‭ ‬مقارنة‭ ‬بظروف‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬مهدداً‭ ‬بانكماش‭ ‬حاد‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬البطالة‭.‬

ضغوط‭ ‬ترامب
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬أعاد‭ ‬القرار‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬والاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬مع‭ ‬مطالبة‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الأميركية‭ ‬عند‭ ‬1‭ % ‬أو‭ ‬أقل،‭ ‬مستنداً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يعتبره‭ ‬الجدارة‭ ‬الائتمانية‭ ‬العالية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭.‬
لكن‭ ‬تحديد‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬الرئيسي‭ ‬قصير‭ ‬الأجل‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بالجدارة‭ ‬الائتمانية‭ ‬السيادية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬يعتمد‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬ظروف‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬التضخم‭ ‬الحالي‭ ‬والمتوقع‭ ‬وأوضاع‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬والنمو‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬بصورة‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تضخمية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬وإعادة‭ ‬إشعال‭ ‬ضغوط‭ ‬الأسعار‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬احتوائها‭.‬
وتعكس‭ ‬انتقادات‭ ‬ترامب‭ ‬للفيدرالي‭ ‬اختلافاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬بشأن‭ ‬الأولويات؛‭ ‬فالرئيس‭ ‬يدفع‭ ‬نحو‭ ‬تكاليف‭ ‬اقتراض‭ ‬أقل‭ ‬لدعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بينما‭ ‬يعطي‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬وزناً‭ ‬أكبر‭ ‬لاستقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬ومنع‭ ‬ترسخ‭ ‬التضخم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬استقلالية‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬مجدداً‭ ‬تحت‭ ‬الاختبار‭.‬

اقتصاد‭ ‬قوي
ويستند‭ ‬الفيدرالي‭ ‬في‭ ‬موقفه‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬تحسن‭ ‬أداء‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تظهر‭ ‬فيه‭ ‬مؤشرات‭ ‬النشاط‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التشديد‭. ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬رأى‭ ‬إمكانية‭ ‬سحب‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي‭ ‬دون‭ ‬إحداث‭ ‬ضرر‭ ‬فوري‭ ‬كبير‭ ‬بالنمو‭.‬
كما‭ ‬تبرز‭ ‬طفرة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بوصفها‭ ‬أحد‭ ‬محركات‭ ‬الإنفاق‭ ‬والنشاط،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬سياسة‭ ‬مالية‭ ‬توسعية،‭ ‬فيما‭ ‬تضيف‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬ضغوطاً‭ ‬أخرى‭ ‬محتملة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭.‬
وتجعل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مهمة‭ ‬الفيدرالي‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬لأن‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬مطالب‭ ‬بكبح‭ ‬التضخم‭ ‬دون‭ ‬دفع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬تباطؤ‭ ‬حاد،‭ ‬وهي‭ ‬المعادلة‭ ‬التي‭ ‬ستحدد‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬سرعة‭ ‬وحجم‭ ‬أي‭ ‬زيادات‭ ‬إضافية‭ ‬محتملة‭ ‬للفائدة‭.‬

أسئلة‭ ‬مفتوحة
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬استراتيجية‭ ‬وارش‭ ‬النقدية‭ ‬تثير‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المهمة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بشأن‭ ‬رؤيته‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬والنمو،‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬التضخم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إحداث‭ ‬تباطؤ‭ ‬اقتصادي‭ ‬كبير‭.‬
ومن‭ ‬بين‭ ‬القضايا‭ ‬الأساسية‭ ‬كذلك‭ ‬تقدير‭ ‬‮«‬معدل‭ ‬الفائدة‭ ‬المحايد‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحفز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ولا‭ ‬يقيده‭. ‬ويكتسب‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬أهمية‭ ‬لأنه‭ ‬يساعد‭ ‬صانعي‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الفائدة‭ ‬الحالية‭ ‬تيسيرية‭ ‬أو‭ ‬تشديدية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تحديده‭ ‬بدقة‭ ‬يبقى‭ ‬أمراً‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬رقماً‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظته‭ ‬مباشرة‭.‬
ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬المحيط‭ ‬بمسار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬نفسه،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬لتحركات‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والتجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬والمالية‭ ‬العامة‭ ‬أن‭ ‬تغير‭ ‬توقعات‭ ‬النمو‭ ‬والتضخم‭ ‬سريعاً،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الفيدرالي‭ ‬إبقاء‭ ‬قراراته‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالبيانات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬بمسار‭ ‬ثابت‭ ‬مسبقاً‭.‬

عوائد‭ ‬السندات
وتكشف‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬الأميركية‭ ‬جانباً‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصاد‭. ‬وأظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬وزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬أن‭ ‬العائد‭ ‬الاسمي‭ ‬لسندات‭ ‬الخزانة‭ ‬لأجل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬بلغ‭ ‬4‭.‬86‭ % ‬في‭ ‬17‭ ‬سبتمبر،‭ ‬بينما‭ ‬سجل‭ ‬العائد‭ ‬الحقيقي‭ ‬للسندات‭ ‬المحمية‭ ‬من‭ ‬التضخم‭ ‬للأجل‭ ‬نفسه‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬61‭ %.‬
ويشير‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬العائدين‭ ‬إلى‭ ‬التعويض‭ ‬الذي‭ ‬تطلبه‭ ‬السوق‭ ‬عن‭ ‬التضخم‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬توقعاً‭ ‬صافياً‭ ‬للتضخم،‭ ‬لأنه‭ ‬يتضمن‭ ‬أيضاً‭ ‬علاوات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭.‬
وتظهر‭ ‬البيانات‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يطلبون‭ ‬عوائد‭ ‬مرتفعة‭ ‬نسبياً‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بالديون‭ ‬الأميركية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تزداد‭ ‬فيه‭ ‬الحاجة‭ ‬الحكومية‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭ ‬الكبير،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬عنصراً‭ ‬شديد‭ ‬الأهمية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والموازنة‭ ‬العامة‭.‬

مخاطر‭ ‬التمويل
وتتجاوز‭ ‬قضية‭ ‬الفائدة‭ ‬قرارات‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬إلى‭ ‬تساؤلات‭ ‬أوسع‭ ‬بشأن‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومة‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬تمويل‭ ‬احتياجاتها‭ ‬بتكاليف‭ ‬مقبولة‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬عوائد‭ ‬السندات،‭ ‬زادت‭ ‬تكلفة‭ ‬خدمة‭ ‬الدين،‭ ‬ما‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭ ‬ويستهلك‭ ‬حصة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الإيرادات‭ ‬الحكومية‭.‬
وتصبح‭ ‬المسألة‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتياجات‭ ‬التمويلية‭ ‬الكبيرة‭ ‬واعتماد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬والخارجي‭ ‬على‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الدولار‭ ‬ومكانة‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬الأميركية‭ ‬يمنحان‭ ‬واشنطن‭ ‬مزايا‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬التمويل،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬العجز‭ ‬المرتفع‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬طلب‭ ‬عوائد‭ ‬أكبر‭ ‬مقابل‭ ‬المخاطر‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬المطالبة‭ ‬بخفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تلقائياً‭ ‬انخفاض‭ ‬تكاليف‭ ‬الاقتراض‭ ‬الطويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬إذ‭ ‬تستطيع‭ ‬الأسواق‭ ‬دفع‭ ‬عوائد‭ ‬السندات‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى‭ ‬إذا‭ ‬اعتقد‭ ‬المستثمرون‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬تساهلاً‭ ‬مما‭ ‬ينبغي‭ ‬وأن‭ ‬التضخم‭ ‬قد‭ ‬يرتفع‭ ‬مستقبلاً‭.‬

استقلال‭ ‬الفيدرالي
وتضع‭ ‬المواجهة‭ ‬الحالية‭ ‬استقلال‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الضوء،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬مصداقية‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬اقتناع‭ ‬المستثمرين‭ ‬بأنه‭ ‬سيتخذ‭ ‬القرارات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬غير‭ ‬مرغوبة‭ ‬سياسياً‭.‬
ويمثل‭ ‬الإجماع‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة‭ ‬إشارة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لأنه‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬سبتمبر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نتيجة‭ ‬انقسام‭ ‬حاد‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وإنما‭ ‬جاء‭ ‬مدعوماً‭ ‬بتوافق‭ ‬أعضاء‭ ‬لجنة‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬التحرك‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التضخم‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬المنشورة‭ ‬إلى‭ ‬إقرار‭ ‬الزيادة‭ ‬البالغة‭ ‬ربع‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية‭ ‬بالإجماع‭.‬
وستكون‭ ‬قدرة‭ ‬وارش‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المصداقية‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬توقعات‭ ‬الأسواق،‭ ‬لأن‭ ‬توقع‭ ‬المستثمرين‭ ‬استمرار‭ ‬التزام‭ ‬الفيدرالي‭ ‬بهدف‭ ‬التضخم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬توقعات‭ ‬الأسعار،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بخضوع‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬للضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬معاكسة‭.‬

جدارة‭ ‬ائتمانية
ولا‭ ‬تعني‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منخفضة‭ ‬بالضرورة،‭ ‬إذ‭ ‬تختلف‭ ‬الجدارة‭ ‬الائتمانية‭ ‬للحكومة‭ ‬عن‭ ‬المستوى‭ ‬المناسب‭ ‬للفائدة‭ ‬النقدية‭. ‬فالجدارة‭ ‬تحدد‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬تصور‭ ‬المستثمرين‭ ‬لمخاطر‭ ‬إقراض‭ ‬الحكومة،‭ ‬بينما‭ ‬يعكس‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة‭ ‬الذي‭ ‬يحدده‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬احتياجات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التضخم‭ ‬والنمو‭ ‬والتوظيف‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تتحدد‭ ‬العوائد‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجموعة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬العوامل،‭ ‬تشمل‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الحقيقية‭ ‬والتضخم‭ ‬المتوقع‭ ‬والمخاطر‭ ‬المالية‭ ‬والطلب‭ ‬على‭ ‬السندات،‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬أو‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬تحديد‭ ‬هذه‭ ‬العوائد‭ ‬منفرداً‭.‬
وتظهر‭ ‬المستويات‭ ‬المرتفعة‭ ‬نسبياً‭ ‬للعوائد‭ ‬الأميركية‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يضعون‭ ‬في‭ ‬حساباتهم‭ ‬مزيجاً‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬واستمرار‭ ‬التضخم‭ ‬واحتياجات‭ ‬التمويل‭ ‬الحكومي‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬الاقتراض‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬الرسمية‭.‬

رجوع لأعلى