وارش يختبر قوة الاقتصاد بفائدة أعلى
دخلت السياسة النقدية الأميركية مرحلة جديدة بعد أن قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 %، في أول زيادة للفائدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، ليعيد بذلك التشديد النقدي إلى الواجهة في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من المستوى المستهدف، بينما يظهر الاقتصاد الأميركي قدرة على الصمود والنمو. وتشير البيانات المنشورة عن اجتماع سبتمبر إلى أن قرار الرفع جاء بالإجماع، في خطوة عكست درجة مرتفعة من التوافق داخل المجلس على ضرورة مواجهة ضغوط الأسعار.
وجاء القرار وسط بيئة اقتصادية معقدة تجمع بين استمرار التضخم وقوة النشاط الاقتصادي والاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب سياسة مالية توسعية ورسوم جمركية وضغوط إضافية مصدرها ارتفاع أسعار الطاقة وتوترات الشرق الأوسط، وهي عوامل تجعل مسار عودة التضخم إلى المستوى المستهدف أكثر صعوبة.
تشديد نقدي
ويمثل رفع الفائدة تحولاً مهماً في توجه السياسة النقدية الأميركية، بعدما ظل الاحتياطي الفيدرالي لفترة طويلة يوازن بين مخاطر التضخم من جهة والحفاظ على قوة الاقتصاد وسوق العمل من جهة أخرى. ومع استمرار ارتفاع الأسعار فوق المستوى المستهدف لسنوات، باتت الأولوية لدى رئيس الفيدرالي كيفين وارش تتركز بصورة أوضح على استعادة استقرار الأسعار.
وأكد وارش أن التضخم يتجاوز المستوى المستهدف منذ أكثر من خمس سنوات، في وقت يشكل فيه استقرار الأسعار جزءاً أساسياً من مهام الاحتياطي الفيدرالي. ومن هذا المنطلق، يعكس رفع الفائدة اعتقاداً بأن السياسة النقدية لا ينبغي أن تبقى تيسيرية بالدرجة نفسها في اقتصاد يستعيد زخمه.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع مؤشرات القوة التي يظهرها الاقتصاد الأميركي، إذ يعني استمرار النشاط الاقتصادي القوي أن الفيدرالي يمتلك مساحة أكبر للتحرك ضد التضخم، مقارنة بظروف يكون فيها الاقتصاد مهدداً بانكماش حاد أو ارتفاع سريع في البطالة.
ضغوط ترامب
وفي المقابل، أعاد القرار الخلاف بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي إلى الواجهة، مع مطالبة الرئيس دونالد ترامب بأن تكون أسعار الفائدة الأميركية عند 1 % أو أقل، مستنداً في ذلك إلى ما يعتبره الجدارة الائتمانية العالية للولايات المتحدة.
لكن تحديد سعر الفائدة الرئيسي قصير الأجل لا يرتبط بالجدارة الائتمانية السيادية وحدها، وإنما يعتمد أساساً على ظروف الاقتصاد الكلي، وفي مقدمتها التضخم الحالي والمتوقع وأوضاع سوق العمل والنمو والنشاط الاقتصادي. وبالتالي فإن خفض الفائدة بصورة حادة في بيئة تضخمية قد يؤدي إلى زيادة الطلب وإعادة إشعال ضغوط الأسعار بدلاً من احتوائها.
وتعكس انتقادات ترامب للفيدرالي اختلافاً جوهرياً بشأن الأولويات؛ فالرئيس يدفع نحو تكاليف اقتراض أقل لدعم النشاط الاقتصادي، بينما يعطي البنك المركزي وزناً أكبر لاستقرار الأسعار ومنع ترسخ التضخم، وهو ما يضع استقلالية السياسة النقدية مجدداً تحت الاختبار.
اقتصاد قوي
ويستند الفيدرالي في موقفه كذلك إلى تحسن أداء الاقتصاد، إذ جاء رفع الفائدة في وقت تظهر فيه مؤشرات النشاط قدرة على تحمل قدر أكبر من التشديد. ويعني ذلك أن المجلس رأى إمكانية سحب جزء من التيسير النقدي دون إحداث ضرر فوري كبير بالنمو.
كما تبرز طفرة الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها أحد محركات الإنفاق والنشاط، بالتزامن مع سياسة مالية توسعية، فيما تضيف الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة ضغوطاً أخرى محتملة على الأسعار.
وتجعل هذه العوامل مهمة الفيدرالي أكثر تعقيداً، لأن البنك المركزي مطالب بكبح التضخم دون دفع الاقتصاد إلى تباطؤ حاد، وهي المعادلة التي ستحدد إلى حد بعيد سرعة وحجم أي زيادات إضافية محتملة للفائدة.
أسئلة مفتوحة
ومع ذلك، لا تزال استراتيجية وارش النقدية تثير مجموعة من الأسئلة الاقتصادية المهمة، خصوصاً بشأن رؤيته للعلاقة بين السياسة النقدية والنمو، ومدى قدرة رفع أسعار الفائدة على خفض التضخم من دون إحداث تباطؤ اقتصادي كبير.
ومن بين القضايا الأساسية كذلك تقدير «معدل الفائدة المحايد»، أي المستوى الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يقيده. ويكتسب هذا المؤشر أهمية لأنه يساعد صانعي السياسة في تقييم ما إذا كانت الفائدة الحالية تيسيرية أو تشديدية، إلا أن تحديده بدقة يبقى أمراً بالغ الصعوبة لأنه ليس رقماً يمكن ملاحظته مباشرة.
ويضاف إلى ذلك عدم اليقين المحيط بمسار الاقتصاد نفسه، إذ يمكن لتحركات أسعار النفط والتجارة والاستثمار والمالية العامة أن تغير توقعات النمو والتضخم سريعاً، ما يفرض على الفيدرالي إبقاء قراراته مرتبطة بالبيانات بدلاً من الالتزام بمسار ثابت مسبقاً.
عوائد السندات
وتكشف سوق السندات الأميركية جانباً آخر من الضغوط التي تواجه الاقتصاد. وأظهرت بيانات وزارة الخزانة أن العائد الاسمي لسندات الخزانة لأجل عشر سنوات بلغ 4.86 % في 17 سبتمبر، بينما سجل العائد الحقيقي للسندات المحمية من التضخم للأجل نفسه نحو 2.61 %.
ويشير الفارق بين العائدين إلى التعويض الذي تطلبه السوق عن التضخم على المدى الطويل، وإن كان هذا الفارق لا يمثل توقعاً صافياً للتضخم، لأنه يتضمن أيضاً علاوات مرتبطة بالمخاطر وعدم اليقين.
وتظهر البيانات أن المستثمرين يطلبون عوائد مرتفعة نسبياً للاحتفاظ بالديون الأميركية طويلة الأجل، في وقت تزداد فيه الحاجة الحكومية إلى التمويل مع استمرار العجز المالي الكبير، وهو ما يجعل تكلفة الاقتراض طويلة الأجل عنصراً شديد الأهمية بالنسبة إلى الاقتصاد والموازنة العامة.
مخاطر التمويل
وتتجاوز قضية الفائدة قرارات الاحتياطي الفيدرالي قصيرة الأجل إلى تساؤلات أوسع بشأن قدرة الحكومة الأميركية على مواصلة تمويل احتياجاتها بتكاليف مقبولة. فكلما ارتفعت عوائد السندات، زادت تكلفة خدمة الدين، ما يضغط على المالية العامة ويستهلك حصة أكبر من الإيرادات الحكومية.
وتصبح المسألة أكثر حساسية مع استمرار الاحتياجات التمويلية الكبيرة واعتماد الولايات المتحدة على الطلب المحلي والخارجي على سندات الخزانة. ورغم أن الدولار ومكانة سوق السندات الأميركية يمنحان واشنطن مزايا استثنائية في التمويل، فإن استمرار العجز المرتفع لفترات طويلة قد يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أكبر مقابل المخاطر.
ومن هنا، فإن المطالبة بخفض أسعار الفائدة بصورة كبيرة لا تعني تلقائياً انخفاض تكاليف الاقتراض الطويلة الأجل، إذ تستطيع الأسواق دفع عوائد السندات إلى الأعلى إذا اعتقد المستثمرون أن السياسة النقدية أصبحت أكثر تساهلاً مما ينبغي وأن التضخم قد يرتفع مستقبلاً.
استقلال الفيدرالي
وتضع المواجهة الحالية استقلال الاحتياطي الفيدرالي في دائرة الضوء، إذ تعتمد مصداقية البنك المركزي بدرجة كبيرة على اقتناع المستثمرين بأنه سيتخذ القرارات اللازمة لتحقيق استقرار الأسعار حتى عندما تكون هذه القرارات غير مرغوبة سياسياً.
ويمثل الإجماع على رفع الفائدة إشارة مهمة في هذا السياق، لأنه يظهر أن قرار سبتمبر لم يكن نتيجة انقسام حاد داخل المؤسسة، وإنما جاء مدعوماً بتوافق أعضاء لجنة السياسة النقدية على ضرورة التحرك في مواجهة التضخم. وتشير البيانات المنشورة إلى إقرار الزيادة البالغة ربع نقطة مئوية بالإجماع.
وستكون قدرة وارش على الحفاظ على هذه المصداقية عاملاً مهماً في تحديد توقعات الأسواق، لأن توقع المستثمرين استمرار التزام الفيدرالي بهدف التضخم يمكن أن يساعد في تثبيت توقعات الأسعار، بينما قد يؤدي الاعتقاد بخضوع السياسة النقدية للضغوط السياسية إلى نتيجة معاكسة.
جدارة ائتمانية
ولا تعني قوة الاقتصاد الأميركي أن أسعار الفائدة ينبغي أن تكون منخفضة بالضرورة، إذ تختلف الجدارة الائتمانية للحكومة عن المستوى المناسب للفائدة النقدية. فالجدارة تحدد إلى حد كبير تصور المستثمرين لمخاطر إقراض الحكومة، بينما يعكس سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي احتياجات الاقتصاد في مواجهة التضخم والنمو والتوظيف.
وفي الوقت نفسه، تتحدد العوائد طويلة الأجل في الأسواق من خلال مجموعة أوسع من العوامل، تشمل أسعار الفائدة الحقيقية والتضخم المتوقع والمخاطر المالية والطلب على السندات، ولذلك لا يستطيع البيت الأبيض أو الاحتياطي الفيدرالي تحديد هذه العوائد منفرداً.
وتظهر المستويات المرتفعة نسبياً للعوائد الأميركية أن المستثمرين يضعون في حساباتهم مزيجاً من قوة الاقتصاد واستمرار التضخم واحتياجات التمويل الحكومي الكبيرة، وهو ما يجعل خفض تكاليف الاقتراض أكثر تعقيداً من مجرد خفض الفائدة الرسمية.