وول ستريت تتراجع تحت ضغط النفط والسندات
واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، الثلاثاء، مع بداية ضعيفة للشهر الجديد، في ظل اجتماع ثلاثة عوامل ضاغطة على المستثمرين في وقت واحد، هي تصاعد أسعار النفط، وامتداد موجة بيع السندات السيادية العالمية، وتراجع الآمال في التوصل سريعاً إلى نهاية للحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.
وأغلقت المؤشرات الرئيسية الثلاثة في وول ستريت على خسائر واضحة، بعدما تحولت التطورات في الشرق الأوسط مجدداً إلى المحرك الأبرز لحركة الأصول العالمية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهة العسكرية إلى إبقاء أسعار الطاقة مرتفعة، وإعادة إشعال الضغوط التضخمية التي تحاول البنوك المركزية احتواءها.
وتزامن ذلك مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية في عدد من الأسواق الكبرى إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، في إشارة إلى أن المستثمرين يعيدون تقييم توقعاتهم بشأن مسار أسعار الفائدة، بعدما أصبح سيناريو التشديد النقدي أكثر حضوراً في ظل استمرار الضغوط على أسعار الطاقة.
موجة بيع
بدأت المؤشرات الأميركية الشهر الجديد على انخفاض، في انعكاس سريع للتحول في مزاج السوق من البحث عن العائد إلى تجنب المخاطر. وجاءت الخسائر بعد ارتفاع النفط على وقع تصاعد العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، ما أثار مخاوف من استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة لفترة أطول.
وتشير البيانات الأولية إلى أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 فقد 54.19 نقطة، بمـا يعادل 0.71 %، ليغلق عند 7631.95 نقطة، متراجعاً عن المستويات المرتفعة التي كان يتحرك بالقرب منها.
أما ناسداك المجمع، الأكثر حساسية لتحركات الفائدة بسبب ثقله الكبير من أسهم التكنولوجيا والنمو، فانخفض 271.11 نقطة أو 1.01 % إلى 26099.77 نقطة، مسجلاً أكبر نسبة تراجع بين المؤشرات الرئيسية الثلاثة.
وخسر داو جونز الصناعي بدوره 413.41 نقطة، أو ما نسبته 0.78 %، لينهي التعاملات عند 52772.49 نقطة، في جلسة سيطر عليها الحذر مع ابتعاد المستثمرين عن الأصول مرتفعة المخاطر.
صدمة العوائد
لم تكن أسعار النفط العامل الوحيد وراء عمليات البيع، إذ تعرضت أسواق الأسهم لضغوط إضافية من الارتفاع المتواصل في عوائد السندات الحكومية العالمية، والتي وصلت في بعض الآجال إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات.
واستمر العائد على سندات الخزانة الأميركية القياسية في الصعود بعدما بلغ، الاثنين، أعلى مستوى له في 19 شهراً، ما زاد من تكلفة الأموال وقلص جاذبية الأسهم مقارنة بأدوات الدخل الثابت.
ويمثل ارتفاع العوائد تحدياً خاصاً لأسهم التكنولوجيا والشركات التي تعتمد تقييماتها على توقعات أرباح مستقبلية مرتفعة؛ إذ يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة معدل الخصم المستخدم في احتساب القيمة الحالية لهذه الأرباح.
ولهذا ظهر الضغط بصورة أكبر على ناسداك مقارنة ببقية المؤشرات، في وقت باتت فيه أسواق الأسهم أكثر حساسية لأي إشارات توحي ببقاء الفائدة مرتفعة أو تحركها صعوداً من جديد.
رهانات الفائدة
زادت الأسواق توقعاتها بأن البنوك المركزية قد تضطر إلى تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة إذا استمرت أسعار الطاقة في دفع التضخم إلى الأعلى، وهو سيناريو يعيد إلى الواجهة المخاوف من الجمع بين تشديد السياسة النقدية وتباطؤ النشاط الاقتصادي.
وقال روس مايفيلد، محلل استراتيجيات الاستثمار لدى شركة «بيرد»، إن الأسواق تتعامل مع مزيج من التصريحات المتشددة الصادرة عن رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي كيفن وورش، والضربات الجوية الجديدة في إيران، والارتفاع المتواصل في أسعار النفط.
ووصف هذه العوامل بأنها تخلق بيئة مثالية لتجنب المخاطر في سوق كانت أسعارها تتحرك بالقرب من مستويات قياسية، وهو ما يفسر سرعة رد فعل المستثمرين تجاه الأخبار القادمة من الشرق الأوسط وأسواق السندات.
وتزداد حساسية وول ستريت لهذه التطورات لأن التقييمات المرتفعة للأسهم تجعلها أكثر عرضة لأي تغير مفاجئ في توقعات الفائدة أو الأرباح أو النمو.
نفط مرتفع
يضع صعود أسعار الخام البنوك المركزية أمام معضلة جديدة، لأن ارتفاع الطاقة لا يؤثر فقط في شركات الطيران والنقل والصناعة والمستهلكين، وإنما ينتقل أيضاً إلى العديد من مكونات التضخم.
وإذا استمرت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، فقد تتقلص قدرة مجلس الاحتياطي الاتحادي على تبني سياسة نقدية أكثر مرونة، بينما قد تجد الأسواق نفسها أمام سيناريو بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول.
كما تؤثر زيادة تكلفة الوقود مباشرة في هوامش أرباح الشركات، خصوصاً في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بينما تضغط على إنفاق الأسر من خلال ارتفاع أسعار البنزين والنقل والسلع.
لهذا لم ينظر المستثمرون إلى صعود النفط باعتباره مكسباً لقطاع الطاقة وحده، وإنما كتهديد أوسع للأرباح والنمو والسياسة النقدية.
حذر المستثمرين
تأتي هذه الضغوط في وقت تتحرك فيه مؤشرات الأسهم الأميركية قرب مستويات تاريخية مرتفعة، ما يجعل المستثمرين أكثر ميلاً لجني الأرباح عند ظهور عوامل جديدة تهدد السيناريو المتفائل الذي دعم السوق خلال الفترة الماضية.
وكان صعود الأسهم يستند إلى توقعات استمرار النمو وقوة أرباح الشركات وإمكانية استقرار تكاليف التمويل، إلا أن ارتفاع العوائد والتوترات الجيوسياسية يعيدان اختبار هذه الفرضيات.
ومع كل زيادة جديدة في عوائد السندات، تصبح المفاضلة بين الأسهم والدخل الثابت أكثر صعوبة، إذ يستطيع المستثمر الحصول على عائد أعلى من السندات دون تحمل مستويات المخاطر المرتبطة بسوق الأسهم. ويفسر ذلك لماذا تتحول موجة بيع السندات إلى مصدر ضغط مباشر على وول ستريت؛ فهبوط أسعار السندات وارتفاع عوائدها يغيران تقييم جميع الأصول تقريباً.
مخاطر مترابطة
المشكلة التي تواجه الأسواق حالياً تتمثل في ترابط مصادر الخطر. فالحرب ترفع أسعار الطاقة، وارتفاع الطاقة قد يؤدي إلى زيادة التضخم، والتضخم يدفع المستثمرين إلى توقع سياسة نقدية أكثر تشدداً، بينما يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة عوائد السندات والضغط على تقييم الأسهم.
وتحول هذه الحلقة أي تصعيد إضافي في الشرق الأوسط إلى حدث يتجاوز قطاع النفط، إذ يمتد أثره إلى السندات والعملات والأسهم وتوقعات النمو.
وفي المقابل، فإن حدوث تهدئة عسكرية يمكن أن يخفف جانباً كبيراً من الضغوط، خصوصاً إذا أدى إلى تراجع أسعار الخام وانخفاض مخاوف التضخم.
ولذلك أصبحت تطورات الحرب ومسار سوق الطاقة عاملين رئيسيين في تحديد اتجاه وول ستريت خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب البيانات الاقتصادية وخطوات الاحتياطي الاتحادي.
الفائدة ترسم مسار الأسهم
دخلت الأسواق الأميركية الشهر الجديد وسط بيئة أكثر تعقيداً من الأسابيع السابقة، بعدما اجتمعت خسائر الأسهم مع ارتفاع عوائد الديون وتصاعد أسعار النفط، في وقت تراجعت فيه التوقعات بقرب انتهاء المواجهة في الشرق الأوسط.
ومع خسارة ناسداك أكثر من 1 %، وتراجع ستاندرد آند بورز 0.71 %، وهبوط داو جونز أكثر من 400 نقطة، أظهرت الجلسة أن المستثمرين بدأوا إعادة تسعير المخاطر المتعلقة بالتضخم والفائدة والجغرافيا السياسية بصورة أكثر وضوحاً.
وسيظل المسار المقبل مرتبطاً بمدى استمرار العمليات العسكرية وتأثيرها في تدفقات الطاقة، إلى جانب توجهات الاحتياطي الاتحادي والعوائد طويلة الأجل. فإذا بقي النفط مرتفعاً والعوائد عند مستوياتها الحالية أو واصلت الصعود، فقد تتعرض وول ستريت لمزيد من الضغط، أما تراجع التوترات فقد يمنح المستثمرين فرصة لاستعادة جزء من شهية المخاطرة.