وول ستريت تتراجع والأسواق تترقب عمالقة التجزئة وإنفيديا
تراجعت المؤشرات الرئيسية في وول ستريت، الاثنين، مع اتجاه المستثمرين إلى الحذر قبل صدور نتائج عدد من أكبر شركات التجزئة الأميركية، بحثاً عن مؤشرات جديدة على قوة إنفاق المستهلكين، بينما أضاف ارتفاع أسعار النفط وتعثر المساعي للتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران مزيداً من الضغوط على معنويات الأسواق.
ووفقاً للبيانات الأولية، هبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بواقع 39.55 نقطة، أو 0.51 %، ليغلق عند 7746.21 نقطة، فيما تراجع مؤشر «ناسداك» المجمع 76.87 نقطة، أو 0.31 %، إلى 26652.29 نقطة.
كما انخفض مؤشر «داو جونز الصناعي» 263.21 نقطة، أو 0.49 %، مسجلاً 53469.20 نقطة، لتغلق المؤشرات الثلاثة في المنطقة الحمراء في جلسة غلب عليها الحذر بدلاً من عمليات بيع واسعة النطاق.
وتعكس التحركات حالة انتظار في السوق، إذ تتزامن مجموعة من نتائج الشركات الكبرى مع استمرار التطورات الجيوسياسية التي تدعم أسعار الطاقة، ما يضع المستثمرين أمام اختبار مزدوج يتعلق بأداء الاقتصاد الأميركي من جهة ومستقبل التضخم والفائدة من جهة أخرى.
اختبار المستهلك
تتجه الأنظار بصورة خاصة إلى شركات التجزئة، إذ يبحث المستثمرون في نتائجها عن مؤشرات مباشرة على قدرة المستهلك الأميركي على مواصلة الإنفاق في ظل الضغوط الناتجة عن الأسعار وتكاليف الاقتراض وعدم اليقين الاقتصادي.
وتكتسب نتائج التجزئة أهمية أكبر من مجرد أداء الشركات نفسها، نظراً إلى الوزن الكبير للاستهلاك في الاقتصاد الأميركي. ولذلك ينظر المستثمرون إلى المبيعات والهوامش وتوقعات الإدارات باعتبارها مؤشرات مبكرة على اتجاه الطلب خلال الفترة المقبلة.
ويحاول المستثمرون معرفة ما إذا كانت الأسر الأميركية قد بدأت في تقليص الإنفاق الاختياري أو التحول إلى منتجات أرخص، وما إذا كانت الشركات قادرة على تمرير ارتفاع تكاليفها إلى المستهلكين من دون التأثير بصورة كبيرة في حجم المبيعات.
هوم ديبوت
ومن المقرر أن تعلن «هوم ديبوت» نتائجها الفصلية الثلاثاء، لتصبح واحدة من أولى شركات التجزئة الكبرى التي تقدم للمستثمرين صورة جديدة عن سلوك المستهلكين.
وتحظى الشركة بأهمية خاصة لأنها ترتبط بسوق الإسكان والإنفاق على تحسين المنازل، وهما قطاعان يتأثران بصورة واضحة بمستويات أسعار الفائدة وتكاليف التمويل وثقة المستهلك.
وقد تمنح نتائجها المستثمرين مؤشرات بشأن استعداد الأسر للإنفاق على عمليات التجديد والمشروعات المنزلية الكبيرة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض التي يمكن أن تدفع المستهلكين إلى تأجيل بعض المشتريات.
ترقب وول مارت
أما الاختبار الأوسع للاستهلاك الأميركي، فيأتي الخميس عندما تعلن «وول مارت»، أكبر شركات التجزئة في البلاد، نتائجها الفصلية. وتمتلك الشركة قاعدة واسعة من العملاء تجعل نتائجها مؤشراً مهماً على أوضاع الأسر الأميركية بمستويات دخل مختلفة. وسيبحث المستثمرون في النتائج عن مدى استمرار الطلب على السلع الأساسية، إلى جانب اتجاه الإنفاق على المنتجات غير الضرورية، وهي من المؤشرات التي تساعد في تحديد مدى شعور المستهلك بالضغوط المالية.
وتزداد أهمية «وول مارت» في فترات عدم اليقين الاقتصادي، لأن سلوك عملائها يمكن أن يكشف التحولات في أنماط الإنفاق، بما في ذلك انتقال المستهلكين من علامات تجارية مرتفعة السعر إلى خيارات أرخص أو زيادة التركيز على السلع الأساسية.
موعد إنفيديا
وبعد نتائج شركات التجزئة، تنتظر الأسواق حدثاً آخر شديد الأهمية الأسبوع المقبل، عندما تعلن «إنفيديا»، الرائدة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي والشركة الأعلى قيمة في العالم، نتائجها الفصلية.
وأصبحت نتائج «إنفيديا» من أبرز الأحداث التي تحرك وول ستريت، في ظل الدور الكبير الذي تلعبه الشركة في طفرة الذكاء الاصطناعي والوزن الضخم الذي باتت تتمتع به أسهم التكنولوجيا في المؤشرات الرئيسية. وسيركز المستثمرون على الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي والإنفاق من شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات، إضافة إلى توقعات الإدارة للفصول المقبلة، بحثاً عن أدلة على استمرار الزخم القوي للقطاع.
وتكتسب النتائج أهمية مضاعفة بعدما ارتفعت تقييمات شركات التكنولوجيا بصورة كبيرة بفعل الرهانات على الذكاء الاصطناعي، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي مؤشرات على تباطؤ النمو أو تراجع الإنفاق.
وفي المقابل، يمكن لنتائج تفوق التوقعات أن تعيد الزخم إلى أسهم التكنولوجيا وتوفر دعماً لمؤشري «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500».
نفط مرتفع
إلى جانب نتائج الشركات، واجه المستثمرون ضغوطاً من ارتفاع أسعار النفط مع عدم ظهور بوادر على اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق ينهي التوترات القائمة.
ويمثل ارتفاع النفط عاملاً مهماً للأسهم الأميركية لأنه يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، كما قد ينتقل إلى أسعار الوقود التي يدفعها المستهلك، وبالتالي يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
وتؤثر أسعار الطاقة المرتفعة بصورة متفاوتة في القطاعات، إذ تستفيد شركات النفط والغاز عادة من ارتفاع الخام، بينما تواجه شركات الطيران والنقل والصناعة والقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة تكاليف تشغيل أعلى.
ويزداد القلق عندما يأتي ارتفاع النفط في وقت تترقب فيه الأسواق اتجاه السياسة النقدية، لأن استمرار ضغوط الطاقة يمكن أن يعقد مسار التضخم ويؤثر في توقعات المستثمرين بشأن قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وبذلك أصبح النفط متغيراً رئيسياً إلى جانب نتائج الشركات والبيانات الاقتصادية، خصوصاً مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن الصراع في الشرق الأوسط.
مخاطر جيوسياسية
يضيف عدم إحراز تقدم بين الولايات المتحدة وإيران طبقة أخرى من عدم اليقين أمام الأسواق، بعدما كانت التوقعات بإمكانية الوصول إلى اتفاق قد ساعدت سابقاً في تخفيف المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة.
ومع غياب إشارات إلى اقتراب الطرفين من تسوية، ارتفعت أسعار الخام مجدداً، وأصبح المستثمرون أكثر حذراً تجاه احتمالات استمرار التوتر وتأثيره في حركة إمدادات النفط العالمية.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على قطاع الطاقة، إذ إن أي تصعيد جديد يمكن أن ينعكس على التضخم وعوائد السندات وتوقعات أسعار الفائدة، ومن ثم على تقييمات الأسهم الأميركية.
كما أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية عادة ما يدفع بعض المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر، خصوصاً عندما تتزامن هذه التطورات مع أحداث مهمة للشركات أو الاقتصاد.
الأسواق أمام اختبارات حاسمة جديدة
يعكس تراجع مؤشرات وول ستريت الثلاثة حالة حذر أكثر من كونه تحولاً حاداً في شهية المستثمرين، إذ تنتظر الأسواق سلسلة من النتائج التي قد تحدد اتجاه الأسهم خلال الفترة المقبلة. وستقدم «هوم ديبوت» و«وول مارت» اختباراً لقوة المستهلك الأميركي، قبل أن تتحول الأنظار إلى «إنفيديا» وقطاع الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يضيف ارتفاع النفط وتعثر الاتفاق بين واشنطن وطهران عاملاً خارجياً يزيد صعوبة المشهد، بسبب تأثير الطاقة المحتمل في التضخم والفائدة وأرباح الشركات. وبين قوة الإنفاق الأميركي واستمرار طفرة التكنولوجيا ومخاطر الشرق الأوسط، تبدو وول ستريت أمام أيام حاسمة يمكن أن تعيد رسم توقعات المستثمرين لبقية العام.