تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وول‭ ‬ستريت‭ ‬تغزو‭ ‬القمم‭ ‬التاريخية

وول‭ ‬ستريت‭ ‬تغزو‭ ‬القمم‭ ‬التاريخية

شهدت أسواق المال الأمريكية تحولاً دراماتيكياً في الروح المعنوية للمستثمرين، حيث نجحت مؤشرات الأسهم الرئيسية في تجاوز ضغوط الأزمات الجيوسياسية لتعانق مستويات تاريخية غير مسبوقة بنهاية تداولات الأربعاء وامتداداً للتعاملات الآجلة الخميس، ولم تكن هذه القفزة مجرد حركة تصحيحية، بل كانت استجابة مباشرة لجرعة مكثفة من التفاؤل ضخها البيت الأبيض في عروق الأسواق، مما أعاد شهية المخاطرة إلى مستويات لم تشهدها وول ستريت منذ اندلاع التوترات العسكرية الحادة في ممرات الطاقة الدولية مطلع العام الجاري.
أغلق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» (S&P 500) ومؤشر «ناسداك» المركب عند مستويات قياسية جديدة، حيث ارتفع الأول بنسبة 0.80 % ليغلق فوق حاجز الـ 7,000 نقطة للمرة الأولى في تاريخه، بينما قاد قطاع التكنولوجيا الصعود بقفزة بلغت 1.59 % لمؤشر ناسداك، محققاً مكاسبه الحادية عشرة على التوالي، وفي المقابل، خالف مؤشر «داو جونز الصناعي» الاتجاه العام بتراجع طفيف قدره 0.15 %، متأثراً بضغوط في قطاعات الطاقة والدفاع التي شهدت عمليات جني أرباح مع تزايد احتمالات خفض التصعيد العسكري.

«كلمة السر» التي أعادت الهدوء لقاعات التداول

جاءت هذه المكاسب القوية مدفوعة بشكل أساسي بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي بثت الطمأنينة في نفوس المستثمرين القلقين من اتساع رقعة الصراع. وفي مقابلة بثت الأربعاء، أكد ترامب أن الحرب مع إيران «قريبة جداً من نهايتها»، مشيراً إلى أن طهران «ترغب بشدة» في إبرام اتفاق دبلوماسي شامل لتجنب المزيد من الدمار الاقتصادي والعسكري.
هذه الكلمات كانت بمثابة نقطة تحول جوهرية؛ فبعد أسابيع من الترقب والحذر وارتفاع تكاليف التأمين على الشحن، بدأ المستثمرون في تسعير «سيناريو السلام». ويرى المحللون أن قدرة الإدارة الأمريكية على إرسال إشارات تهدئة قوية، بالتزامن مع الحديث عن جولة مفاوضات جديدة قد تستضيفها باكستان، هي المحرك الرئيسي الذي سمح للمؤشرات بكسر حاجز المقاومة النفسي والتحليق نحو القمم، متجاهلة التهديدات السابقة بفرض حصار بحري شامل.
الزخم الصعودي يرفض التوقف

لم يكتفِ «ثيران» الأسواق بالمكاسب المحققة في جلسة الأربعاء، بل امتد الزخم إلى العقود الآجلة ليوم الخميس، وبحسب بيانات «CNBC»، صعدت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بنسبة 0.19 %، بينمـا ارتفعت عـقـود ناسـداك 100 بنسبـة 0.41 %، وأضافت عقود داو جونز نحو 46 نقطة في التعاملات المبكرة التي سبقت جرس الافتتاح.
هذا الاستمرار في الصعود يشير إلى أن المستثمرين لا ينظرون إلى مكاسب الأمس كطفرة عابرة ناتجة عن تغريدة أو تصريح، بل كبداية لمرحلة جديدة من الصعود المستدام المبني على فرضية «الاستقرار الجيوسياسي القادم». ومع ترقب الأسواق لخطوات ملموسة على أرض الواقع لإنهاء الصراع في «مضيق هرمز»، تظل العقود الآجلة تعكس حالة من التفاؤل، وسط قناعة بأن الأسوأ قد ولى فيما يخص أسعار الطاقة وتأثيرها على هوامش ربحية الشركات.
ناسداك يغرد خارج السرب

يعد أداء مؤشر ناسداك هو الأبرز في هذه الموجة؛ فالمكاسب الحادية عشرة على التوالي تعكس تحولاً عميقاً في استراتيجيات المحافظ الاستثمارية. فبينما كانت شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) تخشى من تعطل سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن الجوي والبحري، جاءت أنباء خفض التصعيد لتزيل غيمة سوداء كانت تظلل آفاق الأرباح الربع سنوية.
لقد استفادت شركات أشباه الموصلات والبرمجيات بشكل كبير من انخفاض العوائد على السندات، الذي ترافق مع تفاؤل السلام، مما جعل تقييمات الشركات الكبرى مثل «أبل» و«إنفيديا» و«مايكروسوفت» تبدو أكثر جاذبية. ويؤكد مراقبون أن ناسداك بات يقود «رالي السلام» الحالي، حيث ينظر المستثمرون إلى قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتباره الملاذ الأكثر نمواً في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة مع توقعات بانخفاض تكاليف المدخلات الصناعية.

او جونز والمفارقة الصناعية

في المقابل، سجل مؤشر داو جونز تراجعاً بـ 72 نقطة، وهو تراجع يحمل في طياته دلالات اقتصادية هامة. فالمؤشر الذي يضم عمالقة الصناعة التقليدية والدفاع تأثر سلباً بانخفاض احتمالات استمرار الصراع المسلح. شركات الدفاع التي حققت مكاسب ضخمة خلال فترة التوتر العسكري شهدت عمليات بيع مكثفة لجني الأرباح.
بالإضافة إلى ذلك، تراجعت أسهم شركات النفط الكبرى المدرجة في داو جونز مع هدوء «علاوة المخاطر الجيوسياسية» في أسعار الخام. هذه «المداورة القطاعية» (Sector Rotation) تعني أن السيولة بدأت تخرج من «اقتصاد الحرب» (الدفاع والطاقة) لتصب في «اقتصاد النمو» (التكنولوجيا والاستهلاك)، وهو سلوك صحي للأسواق يشير إلى توقعات بنمو اقتصادي شامل وليس نمواً مدفوعاً بالأزمات فقط.
رهان الدبلوماسية

الكلمات التي استخدمها الرئيس ترامب بوصف طهران بأنها «ترغب بشدة في اتفاق» جعلت مديري الصناديق يرفعون من احتمالات حدوث «انفراجة كبرى» قد تشمل ملفات النووي والملاحة معاً. الأسواق المالية بطبيعتها تسعر المستقبل، وما نراه اليوم من أرقام قياسية هو رهان ضخم على أن الولايات المتحدة ستنجح في تأمين ممرات الملاحة الدولية دون الحاجة لمزيد من الاستنزاف العسكري.
هذا الرهان يتجاوز مجرد إنهاء الحرب؛ فهو يشمل عودة سلاسة تدفقات النفط والغاز المسال من الخليج، مما سيؤدي حتماً إلى انخفاض معدلات التضخم العالمية. وإذا ما صدقت توقعات ترامب وتم التوصل إلى «صفقة كبرى» في القريب العاجل، فإن القمم الحالية التي سجلها S&P 500 قد تكون مجرد حجر أساس لمستويات أعلى بكثير، حيث ستتحرر الأسواق من أكبر عائق للنمو واجهته في عام 2026.

نتائج البنوك تدعم الصعود

بعيداً عن العناوين الجيوسياسية، هناك عوامل اقتصادية هيكلية تدعم هذا الصعود القياسي. نتائج الأعمال الربع سنوية التي صدرت مؤخراً عن بنوك كبرى مثل «جي بي مورغان» و«غولدمن ساكس» أظهرت مرونة مذهلة للاستهلاك المحلي الأمريكي رغم ظروف الحرب.
المستثمرون يراهنون الآن على أن إنهاء التوترات سيعطي الفيدرالي الأمريكي مساحة أكبر للمناورة بشأن أسعار الفائدة؛ فاستقرار أسعار الطاقة سيؤدي إلى كبح جماح التضخم بشكل طبيعي، مما يقلل الحاجة لسياسات نقدية متشددة قد تخنق النمو. هذا المزيج من «السلام السياسي» و«النتائج المؤسسية القوية» هو المحرك الفعلي الذي جعل S&P 500 يكسر أرقامه القياسية السابقة المسجلة في يناير الماضي.

بين مطرقة الأرقام القياسية
وسندان الحذر الجيوسياسي

في نهاية المطاف، يقف المستثمرون اليوم بين مطرقة الأرقام القياسية وسندان الحذر الجيوسياسي. لكن الغلبة حالياً هي للتفاؤل؛ فالسوق الذي صمد أمام صدمة اندلاع الحرب في فبراير الماضي، يبدو اليوم أكثر نضجاً وقدرة على اقتناص الفرص من قلب الأزمات، ومع بقاء ناسداك في صدارة المشهد بـ 11 جلسة خضراء، يظل السؤال القائم: هل ستنجح الدبلوماسية في تثبيت هذه القمم، أم أننا أمام «فخ صعودي» سينتهي بمجرد اصطدام الوعود السياسية بواقع الميدان المعقد؟ الإجابة ستكون في تفاصيل الأيام القليلة القادمة.

رجوع لأعلى