وول ستريت تنتفض بعد 3 جلسات
أنهت بورصة وول ستريت تعاملات الأربعاء على ارتفاع، مسجلة انتعاشاً جزئياً بعد سلسلة خسائر استمرت ثلاث جلسات متتالية، مع عودة المستثمرين للبحث عن فرص شراء في الأسهم والقطاعات التي تعرضت لضغوط بيعية قوية خلال موجة تجنب المخاطر الأخيرة.
وشملت المكاسب مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسية الثلاثة، في إشارة إلى تحسن نسبي في شهية المخاطرة بعد أيام اتسمت بالضغوط، بينما اتجه المستثمرون إلى اقتناص الأسهم التي أصبحت تقييماتها أكثر جاذبية بعد التراجعات السابقة.
وأظهـرت بيانات أولية أن مؤشـر «ستاندرد آند بورز 500» ارتفع 35.35 نقطة، بما يعادل 0.46 %، لينهي الجلسة عند 7666.82 نقطة، فيما صعد مؤشر «ناسداك» المجمع 120.07 نقطة، أو 0.46 %، مسجلاً 26219.85 نقطة.
كما ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 299.37 نقطة، بنسبة 0.56 %، ليصل إلى 53066.25 نقطة، في جلسة شهدت عودة اللون الأخضر إلى المؤشرات الرئيسية بعد موجة التراجع التي سيطرت على السوق خلال الأيام السابقة.
شهية الشراء
جاء التعافي في وقت بدأ فيه المستثمرون إعادة تقييم مستويات الأسعار التي وصلت إليها بعض الأسهم بعد عمليات البيع الأخيرة، بحثاً عن فرص قد تكون ظهرت نتيجة المبالغة في التخلص من بعض الأصول.
وتشير طبيعة المكاسب إلى أن جلسة الأربعاء لم تكن مجرد عودة جماعية إلى أسهم التكنولوجيا الكبرى التي قادت السوق لفترات طويلة، بل شهدت تحركات أوسع بين القطاعات المختلفة، وهو ما يعكس محاولة المستثمرين إعادة توزيع محافظهم بعد التقلبات الأخيرة.
وبرز مؤشر «راسل 2000»، الذي يضم أسهم الشركات الأميركية الصغيرة، بعدما تفوق في أدائه على مؤشرات الشركات ذات القيمة السوقية الكبيرة.
ويكتسب تفوق الشركات الصغيرة أهمية خاصة بالنسبة إلى المستثمرين، لأنه قد يعكس اتساع نطاق الشراء خارج دائرة الأسهم العملاقة التي استحوذت على جانب كبير من مكاسب السوق خلال الفترة الماضية، رغم أن جلسة واحدة لا تكفي لتأكيد تحول مستدام في اتجاه السوق.
قطاعات رابحة
وعلى مستوى القطاعات، تصدرت شركات الطيران وتعدين الذهب والفضة والبنوك الإقليمية قائمة الأفضل أداء، ما أظهر تنوعاً واضحاً في مصادر المكاسب داخل السوق الأميركية.
ويعكس صعود هذه المجموعات انتقال جزء من السيولة إلى قطاعات تعرض بعضها لضغوط سابقة، في الوقت الذي يبحث فيه المستثمرون عن فرص خارج الأسهم التي سجلت ارتفاعات قوية بالفعل.
وكان أداء البنوك الإقليمية لافتاً بصورة خاصة، نظراً إلى الحساسية الكبيرة التي يبديها هذا القطاع تجاه أسعار الفائدة وظروف الائتمان وتوقعات الاقتصاد الأميركي.
كما استفادت شركات تعدين الذهب والفضة من اهتمام المستثمرين بقطاع المعادن، بينما سجلت شركات الطيران أداء قوياً رغم استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بأسعار الطاقة والتطورات الجيوسياسية.
ويظهر هذا التباين أن المستثمرين لا يتعاملون مع السوق باعتبارها كتلة واحدة، وإنما يعيدون تقييم القطاعات وفقاً لتأثير التطورات الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية في توقعات الأرباح المستقبلية.
ضغط البرمجيات
في المقابل، جاء أداء قطاع البرمجيات والخدمات دون متوسط السوق خلال الجلسة، مع استمرار المخاوف من أن يصبح القطاع من أبرز المتضررين المحتملين من الاضطرابات التي يحدثها التوسع المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن طفرة الذكاء الاصطناعي كانت من أهم المحركات التي دعمت أسواق الأسهم الأميركية، فإن تأثيرها لم يعد إيجابياً بصورة متساوية على جميع شركات التكنولوجيا.
فالمستثمرون يميزون بصورة متزايدة بين الشركات التي يمكن أن تستفيد مباشرة من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، سواء عبر الرقائق أو البنية التحتية ومراكز البيانات، وبين الشركات التي قد تواجه نماذج أعمالها التقليدية ضغوطاً بسبب قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على استبدال بعض الخدمات والمنتجات البرمجية.
ويفسر ذلك جزئياً ضعف أداء أسهم البرمجيات والخدمات مقارنة بقطاعات أخرى، في ظل إعادة تقييم المستثمرين للفائزين والخاسرين من التحول التكنولوجي المتسارع.
رهان الرقائق
وعلى الجانب الآخر من قطاع التكنولوجيا، ارتفع مؤشر فيلادلفيا لأسهم أشباه الموصلات، بالتزامن مع ترقب المستثمرين إعلان شركة «برودكوم» المصنعة للرقائق نتائج أعمالها للربع الثاني بعد إغلاق السوق.
وتحظى نتائج شركات أشباه الموصلات بأهمية متزايدة في وول ستريت، نظراً إلى الدور المحوري الذي تلعبه الرقائق في طفرة الذكاء الاصطناعي وحجم الاستثمارات التي تتدفق إلى مراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة.
وكان مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات أحد المحركات الرئيسية لمكاسب سوق الأسهم الأميركية خلال جزء كبير من العام الجاري، مستفيداً من الرهانات على استمرار الطلب المرتفع المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
لكن الصورة تغيرت بصورة ملحوظة منذ أواخر يونيو، إذ فقد المؤشر ما يقرب من ربع قيمته، ما يعكس حجم التصحيح الذي تعرضت له أسهم الرقائق بعد ارتفاعاتها السابقة.
ويجعل هذا التراجع نتائج الشركات الكبرى في القطاع أكثر حساسية بالنسبة إلى السوق، إذ يبحث المستثمرون عن أدلة تؤكد أن النمو في الطلب والأرباح لا يزال قادراً على تبرير مستويات الإنفاق والتقييمات المرتفعة.
أرباح قياسية
وقالت لورين كاسيدي، المديرة التنفيذية للاستثمار في صندوق «فاوندرز 100 إي.تي.إف» في دالاس، إن الحرب استمرت لفترة أطول مما كان يأمله المستثمرون، لكنها توقعت أن تهدأ أسعار الطاقة بمجرد انتهاء الصراع، وهو ما سيخفف بدوره من الضغوط التضخمية.
وتأتي هذه الرؤية في وقت أصبحت فيه أسعار الطاقة والتطورات الجيوسياسية أحد أهم مصادر القلق بالنسبة إلى الأسواق، نظراً إلى قدرة ارتفاع النفط على إعادة الضغوط التضخمية وتعقيد مسار أسعار الفائدة الأميركية.
لكن كاسيدي أشارت في الوقت نفسه إلى عامل إيجابي قوي يدعم الأسهم، يتمثل في موسم الأرباح الأخير، الذي وصفته بأنه قياسي، مع وجود مؤشرات أساسية قوية مدفوعة بالتبني المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويضع ذلك المستثمرين أمام قوتين متعارضتين: الأولى جيوسياسية تضغط على شهية المخاطرة وترفع مخاطر التضخم، والثانية مرتبطة بأرباح الشركات والاستثمارات التكنولوجية وتدعم التقييمات والأسهم.
توازن حساس
ويكشف أداء جلسة الأربعاء أن المستثمرين لا يزالون مستعدين للعودة إلى السوق عند ظهور فرص شراء بعد التراجعات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء موجة التقلب.
فالمؤشرات الأميركية استعادت جزءاً من خسائرها بعد ثلاث جلسات سلبية، بينما لا تزال قطاعات رئيسية تواجه أسئلة تتعلق بالتقييمات ومستقبل الأرباح وتأثير الذكاء الاصطناعي.
ويبرز قطاع أشباه الموصلات مثالاً واضحاً على ذلك، إذ كان أحد أهم محركات المكاسب خلال العام قبل أن يفقد نحو ربع قيمته منذ أواخر يونيو، ما يكشف السرعة التي يمكن أن تتغير بها شهية المستثمرين عندما تصبح التقييمات المرتفعة موضع اختبار.
وفي المقابل، يشير تفوق الأسهم الصغيرة وصعود قطاعات مثل الطيران والبنوك الإقليمية والتعدين إلى وجود محاولات لتوسيع نطاق المكاسب بعيداً عن مجموعة محدودة من الشركات التكنولوجية العملاقة.