وول ستريت عند أعلى قمة بدعم الذكاء الاصطناعي
سجلت الأسهم الأميركية محطة تاريخية جديدة، بعدما أغلق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 فوق مستوى 7800 نقطة للمرة الأولى في تاريخه، في جلسة عكست قدرة سوق الأسهم على مواصلة الصعود رغم الضغوط التي يفرضها ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وتكاليف الطاقة ومخاوف التضخم وأسعار الفائدة.
وأغلق المؤشر عند 7818.93 نقطة مرتفعاً نحو 0.58 %، ليسجل أول إغلاق قياسي له منذ أغسطس، فيما صعد مؤشر ناسداك المركب بنحو 0.45% إلى مستوى قياسي جديد، وارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 0.49 % إلى 51,521.28 نقطة. وفي المقابل، تراجـع مؤشـر راسل 2000 بنحـو 0.6 %، بما يعكس استمرار تفوق الشركات الكبرى، ولا سيما شركات التكنولوجيا، على شريحة واسعة من الأسهم الأصغر.
ويأتي هذا الصعود في وقت تبدو فيه العلاقة بين أسواق الأسهم والسندات أكثر تعقيداً من المعتاد؛ إذ تمكنت الأسهم من تسجيل مستويات قياسية، رغم وصول عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات في الجلسة السابقة إلى مستويات لم تشهدها منذ عام 2002، قبل أن تتراجع بشكل طفيف خلال تعاملات الثلاثاء.
أرباح الشركات في صدارة المشهد
ورغم أن حركة الأسواق خلال الأسابيع الماضية ارتبطت بدرجة كبيرة بمسار أسعار الفائدة، وعوائد السندات، والتوترات الجيوسياسية، فإن أحد المحركات الأساسية للصعود يتمثل في تحسن توقعات أرباح الشركات الأميركية.
ويستعد المستثمرون لانطلاق موسم إعلان نتائج الربع الثالث، وسط توقعات بأن تحقق شركات مؤشر «إس آند بي 500» نمواً قوياً في الأرباح مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتشير التقديرات الواردة في النص إلى توقع نمو أرباح شركات المؤشر بنحو 25 % على أساس سنوي خلال الربع الثالث، وهو معدل مرتفع بما يكفي لتوفير دعم أساسي للأسهم، خصوصاً إذا تمكنت الشركات من تجاوز توقعات المحللين، كما حدث في العديد من المواسم السابقة.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية أكبر لأن ارتفاع الأرباح يعني أن صعود الأسهم لا يعتمد بالكامل على توسع مضاعفات التقييم، بل يستند أيضاً إلى تحسن فعلي في قدرة الشركات على تحقيق الإيرادات والأرباح.
وترى استراتيجية «غولدمان ساكس» أن بيانات النمو الاقتصادي الأخيرة ظلت قوية، في حين حافظت مراجعات توقعات أرباح شركات «إس آند بي 500» على اتجاه إيجابي، الأمر الذي يدعم إمكانية تجاوز الشركات لتقديرات الأرباح خلال الربع الثالث.
الذكاء الاصطناعي.. المحرك الأبرز للسوق
يبقى قطاع الذكاء الاصطناعي أحد أهم العوامل التي تفسر استمرار شهية المستثمرين تجاه الأسهم الأميركية.
فشركات الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت تمثل محوراً رئيسياً في دورة الإنفاق الرأسمالي الجديدة، في ظل توقعات باستمرار توسع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.
وفي مقدمة المستفيدين تأتي إنفيديا، التي اقتربت قيمتها السوقية من حاجز 6 تريليونات دولار، بعدما ارتفع سهمها خلال الجلسة بنحو 1.2 %، لتواصل الشركة ترسيخ مكانتها باعتبارها أحد أهم محركات موجة الذكاء الاصطناعي في أسواق الأسهم.
ولا يقتصر التفاؤل على إنفيديا؛ إذ جاءت تصريحات الرئيسة التنفيذية لشركة AMD، ليزا سو، لتؤكد قوة الطلب المتوقع على رقائق الذكاء الاصطناعي.
وقالت سو إن الشركة تخطط لزيادة إمدادات الرقائق بشكل كبير في 2027، في ظل توقعات بارتفاع الطلب على وحدات معالجة الرسومات والمعالجات المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما أشارت إلى أن الشركة تخطط لسنوات مقبلة لتأمين طاقات إنتاجية متقدمة وإمدادات الذاكرة اللازمة لتلبية الطلب.
وتعكس هذه التطورات أن موجة الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد قصة مرتبطة بتقييمات شركات التكنولوجيا، وإنما تحولت إلى دورة استثمار رأسمالي واسعة تشمل أشباه الموصلات ومراكز البيانات والطاقة والشبكات والتبريد والبنية التحتية الرقمية.
عوائد السندات.. ضغط مرتفع لم يمنع الأسهم من الصعود
أحد أكثر التطورات إثارة للاهتمام في السوق يتمثل في قدرة الأسهم على تحقيق مستويات قياسية رغم ارتفاع عوائد السندات الأميركية.
وكان العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات قد صعد في بداية أكتوبر إلى مستويات تتجـاوز 5.3 %، ووصل خلال تعاملات الاثنين إلى نحو 5.35 %، وهو أعلى مستوى منذ أبريل 2002، قبل أن يتراجع الثلاثاء بنحو محدود إلى قرابة 5.27 %.
وتشكل العوائد المرتفعة عادةً ضغطاً على الأسهم، لأنها تزيد جاذبية الأصول ذات الدخل الثابت، وترفع تكلفة الاقتراض، كما تؤثر في تقييم الشركات، خصوصاً شركات النمو والتكنولوجيا التي تعتمد قيمها السوقية بدرجة كبيرة على التدفقات النقدية المستقبلية.
لكن ما حدث في جلسة الثلاثاء يعكس تغيراً مهماً في سلوك المستثمرين؛ إذ يبدو أن السوق بات أكثر استعداداً لتحمل أسعار فائدة وعوائد سندات مرتفعة طالما أن النمو الاقتصادي والأرباح قادران على الاستمرار.
وهنا تكمن أهمية التراجع المحدود في عوائد السندات خلال الجلسة، إذ ساعد على تخفيف أحد الضغوط الرئيسية التي كانت تواجه الأسهم، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط.
الاقتصاد الأميركي لا يزال يوفر دعماً للأسهم
ورغم المخاوف المتعلقة بالتضخم وأسعار الفائدة، فإن الاقتصاد الأميركي لا يزال يقدم دعماً مهماً لسوق الأسهم.
ويتمثل ذلك في استمرار الإنفاق الاستهلاكي، وقوة استثمارات الشركات، والإنفاق الضخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب استمرار قدرة الشركات الكبرى على تحقيق نمو في الإيرادات والأرباح.
وتشير تحليلات السوق إلى أن الشركات الأميركية أثبتت حتى الآن قدرة أكبر من المتوقع على التعامل مع ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة والرسوم الجمركية، ما ساعد على تقليص المخاوف من حدوث تراجع حاد في الأرباح.
وترى أولريكه هوفمان-بورشاردي من مكتب الاستثمار الرئيسي في «يو بي إس» أن الاقتصاد الأميركي لا يزال داعماً لإيرادات الشركات وأرباحها، وأن بيئة النمو المواتية وقوة الأرباح يمكن أن تساعد في توسيع نطاق نمو الأرباح إلى ما وراء قطاع التكنولوجيا.
وهذه النقطة تحديداً مهمة للسوق، لأن استمرار الاعتماد على عدد محدود من شركات التكنولوجيا العملاقة يجعل المؤشر أكثر عرضة لأي تصحيح في أسهم الذكاء الاصطناعي.
أما إذا بدأ نمو الأرباح بالانتشار إلى قطاعات أخرى، فقد يصبح صعود السوق أكثر اتساعاً وأقل اعتماداً على مجموعة محدودة من الشركات.
اتساع الأرباح.. الاختبار المقبل للسوق
يمثل اتساع قاعدة الأرباح أحد أهم الاختبارات أمام «وول ستريت» خلال الأشهر المقبلة.
فصعود المؤشر إلى مستويات قياسية لا يعني بالضرورة أن جميع مكوناته تحقق الأداء نفسه. وقد شهدت الفترة الأخيرة تفوقاً واضحاً لأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والشركات ذات القيمة السوقية الضخمة.
لكن استمرار الصعود سيكون أكثر استدامة إذا بدأت قطاعات مثل الصناعة، والمالية، والرعاية الصحية، والطاقة، والسلع الاستهلاكية في تسجيل نمو أقوى في الأرباح.
وتشير بيانات السوق إلى أن ارتفاع المؤشرات لا يزال مدفوعاً بدرجة كبيرة بالشركات الكبرى؛ ففي الوقت الذي سجل فيه «إس آند بي 500» مستوى قياسياً، لم تكن جميع مكوناته عند مستويات قياسية مماثلة، وهو ما يسلط الضوء على مسألة ضيق نطاق الصعود.
وبالتالي، فإن موسم الأرباح المقبل سيكون مهماً ليس فقط لتحديد ما إذا كانت الشركات ستتجاوز توقعات المحللين، وإنما أيضاً لمعرفة ما إذا كان النمو ينتشر تدريجياً عبر قطاعات الاقتصاد الأميركي.
هل يستطيع السوق مواصلة الصعود؟
يرى عدد من الاستراتيجيين أن الأسهم يمكن أن تواصل الصعود إذا توافرت مجموعة من الشروط.
أول هذه الشروط هو استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، بما يسمح للشركات بالحفاظ على نمو الإيرادات.
والشرط الثاني يتمثل في بقاء نمو الأرباح قوياً، خصوصاً خلال الربع الثالث وبداية عام 2027.