10.8 مليارات دولار زيادة بحيازة الكويت من السندات الأمريكية
رفعت دولة الكويت حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية إلى مستوى قياسي جديد بنهاية يونيو 2026، مسجلة زيادة سنوية بلغت 10.77 مليار دولار، في مؤشر على استمرار توجهها نحو تعزيز استثماراتها في أدوات الدين السيادية الأمريكية، بالتزامن مع تحركات واسعة تشهدها أسواق السندات العالمية وارتفاع العوائد طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة.
وأظهرت البيانات الشهرية الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية أن حيازة الكويت من سندات الخزانة بلغت 68.82 مليار دولار في نهاية يونيو 2026، مقابل 58.05 مليار دولار في نهاية يونيو 2025، لترتفع بنسبة 18.55 % على أساس سنوي.
وتأتي هذه الزيادة في وقت تشهد فيه أسواق الدين العالمية إعادة تقييم واسعة لمخاطر التضخم والديون الحكومية وتكاليف الاقتراض، مع ارتفاع عوائد السندات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والمملكة المتحدة، وسط استمرار المخاوف المرتبطة بالأسعار والطاقة والإنفاق الحكومي.
ولم تقتصر الزيادة في استثمارات الكويت على أساس سنوي، إذ سجلت الحيازة ارتفاعاً شهرياً أيضاً، بعدما زادت بنحو 2.01 مليار دولار، أو ما يعـادل 3.01 %، مقارنة بمستواها في مايو 2026 البالغ 66.81 مليار دولار.
وبذلك تكون الكويت قد رفعت حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية خلال النصف الأول من 2026 بنحو 2.77 مليار دولار، وبنسبة نمو بلغت 4.19 %، مقارنة بمستوى 66.05 مليار دولار المسجل في نهاية 2025.
وتكشف هذه الأرقام عن استمرار الاتجاه الصاعد لحيازة الكويت من أدوات الدين الأمريكية، خصوصاً أن الزيادة السنوية جاءت بأكثر من 10 مليارات دولار، ما يعكس ارتفاعاً ملموساً في حجم الاستثمارات الكويتية بهذا السوق.
تركيز على السندات طويلة الأجل
استحوذت السندات الأمريكية طويلة الأجل على الجانب الأكبر من استثمارات الكويت، إذ بلغت قيمة حيازتها منها نحو 66.66 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مقابل نحو 2.16 مليار دولار للسندات قصيرة الأجل.
ويعني ذلك أن الجزء الأكبر من استثمارات الكويت يتركز في أدوات الدين ذات الآجال الأطول، في وقت تشهد فيه هذه الشريحة تحديداً تحركات قوية في العوائد نتيجة تغير توقعات المستثمرين بشأن التضخم وأسعار الفائدة والاحتياجات التمويلية للحكومة الأمريكية.
وتُعد سندات الخزانة الأمريكية من أبرز أدوات الدين السيادية عالمياً، وتعتمد عليها الحكومة الأمريكية في تمويل احتياجاتها، فيما يحصل المستثمرون على قيمة السندات عند حلول آجال استحقاقها وفقاً لمدة كل إصدار.
وتوفر البيانات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية صورة عن استثمارات الدول في أذون وسندات الخزانة، لكنها لا تشمل الاستثمارات الحكومية أو الخاصة الأخرى داخل الولايات المتحدة.
الكويت تعزز حضورها بين المستثمرين
وتأتي الزيادة الكويتية في حيازة السندات الأمريكية بالتزامن مع اختلاف واضح في توجهات كبار المستثمرين الدوليين، خصوصاً في ظل ارتفاع العوائد على الإصدارات طويلة الأجل.
وعلى مستوى الدول العربية، حافظت السعودية على موقعها كأكبر مستثمر عربي في سندات الخزانة الأمريكية، بحيازة بلغت 142.5 مليار دولار، لتحتل المركز السابع عشر عالمياً.
وجاءت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية عربياً والتاسعة عشرة عالمياً، بحيازة بلغت 114.8 مليار دولار.
أما على المستوى العالمي، فقد حافظت اليابان على صدارة أكبر حائزي سندات الخزانة الأمريكية، بحيازة بلغت نحو 1.12 تريليون دولار، تلتها المملكة المتحدة بحيازة قدرها 939.9 مليار دولار، ثم الصين بنحو 633.4 مليار دولار.
وبشكل عام، بلغ إجمالي استثمارات الدول الأجنبية في سندات الخزانة الأمريكية نحو 9.30 تريليون دولار بنهاية يونيو 2026، مقارنة مع 9.09 تريليون دولار في الفترة المقابلة من العام السابق، بزيادة سنوية بلغت 2.31 %.
وعلى أساس شهري، انخفض إجمالي الحيازات الأجنبية بنحو 0.75 %، في ظل التغيرات التي شهدتها الأسواق العالمية وتباين توجهات المستثمرين تجاه آجال الدين السيادي الأمريكي.
عوائد أمريكية عند مستويات مرتفعة
في المقابل، شهدت سوق السندات الأمريكية ضغوطاً قوية دفعت عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة، مع تجاوز العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عاماً مستـوى 5.311 %، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2007.
وتأتي هذه الارتفاعات في ظل مجموعة من العوامل، من بينها تراجع حيازات بعض كبار المستثمرين الأجانب، إلى جانب تصاعد المخاوف بشأن تراكم الديون الحكومية الأمريكية وارتفاع تكاليف الاقتراض على المدى الطويل.
كما ساهمت التطورات الجيوسياسية المتسارعة في زيادة حالة عدم اليقين بالأسواق، خصوصاً مع انعكاساتها على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم.
وتشير تقديرات بعض الاستراتيجيين في الأسواق إلى إمكانية ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات تتراوح بين 5.60 % و5.70 %، إذا استمرت الضغوط الحالية على سوق الدين.
وتأتي هذه التطورات رغم صدور مؤشرات اقتصادية أمريكية أظهرت تباطؤاً في مبيعات التجزئة وسوق العمل، وهي عوامل عادة ما تدفع المستثمرين إلى توقع توجه أكثر هدوءاً في السياسة النقدية.
لكن سوق السندات تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً مرتبطة بإعادة تقييم تكاليف الاقتراض ومخاطر المالية العامة، وهو ما يزيد حساسية السندات طويلة الأجل تجاه أي تغير في توقعات التضخم أو أسعار الفائدة.
ضغوط متزايدة على الدين الأمريكي
وتزايدت عمليات البيع في السندات الحكومية طويلة الأجل مع ارتفاع المخاوف من حجم المعروض من الدين، إلى جانب استمرار الحاجة إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المستثمرين.
وسجل أحدث مزاد للسندات الأمريكية لأجل 30 عاماً أعلى عائد منذ عام 2001، وهو ما يعكس ارتفاع العلاوة التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بأدوات دين تمتد آجالها لعقود.
وتزداد أهمية هذه التطورات بالنسبة إلى السوق العالمية، نظراً إلى الدور المحوري الذي تؤديه سندات الخزانة الأمريكية في تسعير الأصول المالية المختلفة، حيث تؤثر تحركات عوائدها في قرارات الاستثمار وأسعار الاقتراض وتقييمات الأصول.
كما أن ارتفاع العوائد طويلة الأجل لا يرتبط فقط بالسياسة النقدية، وإنما يتأثر أيضاً بحجم الإصدارات الحكومية وتوقعات النمو والتضخم والطلب العالمي على أدوات الدين.
التضخم يضغط على توقعات الفائدة
وتشكل توقعات التضخم عاملاً إضافياً في حركة عوائد السندات، خصوصاً مع المخاوف من استمرار ضغوط الأسعار نتيجة تحركات الطاقة والسلع الأساسية.
وتشير قراءة الأسواق إلى أن استمرار ارتفاع التضخم أو بقاءه فوق المستويات المستهدفة قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على السياسة النقدية المشددة لفترة أطول، ما يقلص احتمالات الخفض السريع لأسعار الفائدة.
وعادة ما يؤدي ارتفاع توقعات التضخم إلى زيادة العوائد المطلوبة على السندات، إذ يسعى المستثمرون إلى الحصول على عائد يعوضهم عن تراجع القوة الشرائية للأموال خلال فترة الاستثمار.
ومن ثم، فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة أو السلع الأساسية يمكن أن يضيف طبقة جديدة من الضغوط إلى سوق الدين، خصوصاً إذا انعكس على توقعات التضخم المستقبلية.
العدوى تنتقل إلى الأسواق الأوروبية
ولم تتوقف موجة ارتفاع العوائد عند السوق الأمريكية، بل امتدت إلى أسواق الدين الأوروبية، مع تعرض السندات الحكومية لموجة بيع واسعة دفعت العوائد إلى مستويات مرتفعة.
وسجل عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات 3.22 %، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2011، في حين ارتفع عائد سندات شاتز لأجل عامين إلى 2.822 %.
وتعكس هذه التحركات إعادة تقييم المستثمرين لتوقعات التضخم والسياسة النقدية، خصوصاً مع استمرار المخاوف المتعلقة بالطاقة وتأثيراتها المحتملة على الأسعار.
كما ارتفع عائد السندات البريطانية لأجل عامين إلى 4.558 %، بينما بلغ عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات نحو 4.06 %.
وتشير هذه التحركات إلى أن الضغوط التي تواجه أسواق الدين أصبحت ذات طابع عالمي، مع تزامن ارتفاع العوائد في عدد من الاقتصادات الكبرى.
الطاقة وسلاسل الإمداد
في دائرة المخاطر
وتلعب التطورات الجيوسياسية دوراً رئيسياً في إعادة تشكيل توقعات الأسواق، خصوصاً مع انعكاس اضطرابات الملاحة والممرات المائية الحيوية على تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة.
وتؤدي هذه العوامل إلى زيادة المخاوف من صدمات جديدة في جانب العرض، الأمر الذي قد يحد من قدرة البنوك المركزية على تسريع عمليات خفض الفائدة.
وفي حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والسلع، فقد تواجه البنوك المركزية معادلة أكثر تعقيداً بين دعم النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم.
وتدفع هذه البيئة المستثمرين إلى التعامل بحذر مع السندات طويلة الأجل، التي تصبح أكثر تعرضاً للخسائر السعرية عندما ترتفع العوائد في الأسواق.
إعادة تسعير عالمية لمخاطر الدين
وتكشف التحركات المتزامنة في الولايات المتحدة وأوروبا والمملكة المتحدة واليابان عن عملية إعادة تسعير واسعة لمخاطر الدين السيادي، في ظل ارتفاع احتياجات التمويل الحكومي وتزايد مستويات الدين.
وتسعى الأسواق إلى الحصول على عوائد أعلى لتعويض المخاطر المرتبطة بارتفاع الاقتراض الحكومي والتضخم وتقلبات أسعار الفائدة.
وتزداد أهمية هذه العملية بالنسبة إلى السندات طويلة الأجل، إذ تكون أسعارها أكثر حساسية لتغير العوائد مقارنة بالإصدارات قصيرة الأجل.
وفي هذا السياق، تأتي زيادة حيازة الكويت من سندات الخزانة الأمريكية، خصوصاً السندات طويلة الأجل، في وقت تشهد فيه هذه الأدوات تحولات ملحوظة في مستويات العائد والتقييم.
وتظل حركة الحيازة الكويتية جزءاً من المشهد الأوسع لاستثمارات الدول الأجنبية في الدين الأمريكي، والتي تجاوزت 9.30 تريليون دولار بنهاية يونيو 2026.