534 مليون دولار كشفت فضيحة سيفتي-كلين
في نهاية كل ربع سنوي، لم يكن السؤال الأهم داخل شركة «سيفتي-كلين» المتخصصة في التخلص من النفايات الخطرة هو حجم الأرباح التي حققتها بالفعل، وإنما الرقم الذي كان يتعين إظهاره للمستثمرين والمحللين، لتبدأ بعدها عملية البحث عن تعديلات وحيل محاسبية تسمح بإيصال النتائج المعلنة إلى المستوى المستهدف.
بدأت الأزمة بعدما اصطدمت التوقعات المتفائلة للإدارة بالواقع التشغيلي للشركة، لتتسع تدريجياً الفجوة بين الأرباح الحقيقية والنتائج التي وعدت بها وول ستريت، بينما تحولت الدفاتر المحاسبية من وسيلة لتسجيل الأداء إلى أداة لإخفاء تلك الفجوة.
وتعود جذور القضية إلى أبريل 1998، عندما استحوذت شركة «لايدلو للخدمات البيئية» الكندية على «سيفتي-كلين»، وأصبحت تمتلك نحو 44 % من الشركة المندمجة التي احتفظت باسم الشركة الأميركية.
وكانت التوقعات بعد الصفقة ضخمة، إذ قدرت الإدارة إمكانية تحقيق وفورات سنوية تتراوح بين 100 و165 مليون دولار، بل وتعهدت للمحللين بتحقيق مستوى قريب من الحد الأعلى خلال السنة المالية 1999.
لكن وفورات الاندماج لم تتحقق بالصورة المنتظرة، فيما تراجع النشاط وظهرت أزمة حادة في التدفقات النقدية، لتجد الإدارة نفسها أمام وعود يصعب الوفاء بها من خلال الأداء الفعلي.
أرباح مصطنعة
بحسب التحقيقات، قاد المدير المالي السابق بول همفريز خطة لتضخيم الإيرادات والأرباح بين عامي 1998 و2000، باستخدام سلسلة من التعديلات المحاسبية غير المناسبة التي كانت تنفذ بصورة ربع سنوية.
وكانت الآلية تبدأ بتحديد الأرباح التي ترغب الإدارة في إعلانها، ثم البحث عن الوسائل المحاسبية اللازمة لسد الفجوة بين الرقم المستهدف والنتيجة الحقيقية.
وشملت الأساليب تسجيل إيرادات قبل تحققها فعلياً، ومن أبرز الأمثلة احتساب مليون دولار لكل من عقارين معروضين للبيع، رغم عدم توقيع عقود البيع أو استلام أي مدفوعات.
كما جرى تأجيل تسجيل بعض النفقات التشغيلية لإبقائها خارج الفترة المالية التي كان يفترض ظهورها فيها، بما يؤدي إلى خفض المصروفات المعلنة ورفع الأرباح.
وامتد التلاعب إلى تخفيض احتياطيات ومخصصات مرتبطة بمعالجة التلوث البيئي، وتحويل أثر هذه التخفيضات إلى تحسين مصطنع للنتائج.
كما سجل نحو 38 مليون دولار نقداً بصورة احتيالية مرتبطة بمعاملات مشتقات مالية مضاربية، لتبتعد البيانات المالية بصورة متزايدة عن الوضع الاقتصادي الحقيقي للشركة.
فجوة ضخمة
تكشف أرقام السنة المالية 1999 مدى تأثير هذه التعديلات على الأرباح المعلنة. ففي الربع الأول، ارتفعت الأرباح من 90.9 مليون دولار قبل التعديلات إلى 127.5 مليون دولار بعدها، بزيادة بلغت 40.3 %.
وتكرر السيناريو تقريباً في الربع الثاني، إذ تحولت أرباح بقيمة 76.7 مليون دولار إلى 107.6 مليون دولار، بزيادة 40.3 %.
لكن الفجوة اتسعت بصورة استثنائية في الربع الثالث، عندما قفز الرقم المعلن من أرباح فعلية قدرها 47.9 مليون دولار إلى 123.4 مليون دولار بعد التعديلات، ما يعني تضخيم الأرباح بنسبة 157.6 %.
وفي الربع الرابع، بلغت الأرباح قبل التعديلات 57.3 مليون دولار، لكنها ظهرت في النتائج عند 110.4 مليون دولار، أي أعلى بنسبة 92.7 %.
وهكذا أصبحت الأرباح المعلنة في بعض الفصول أكثر من ضعف المستوى الذي كان يمكن تسجيله دون هذه التعديلات.
وفي الوقت نفسه، كانت الشركة تخبر المستثمرين بتحقيق أهدافها الطموحة ووفورات كبيرة في التكاليف، بينما كانت مشكلاتها التشغيلية والمالية تتفاقم خلف الأرقام المنشورة.
سقوط القناع
وصلت اللعبة إلى نهايتها في مارس 2000، عندما تلقى مجلس إدارة «سيفتي-كلين» معلومات بشأن مخالفات محاسبية محتملة، ما دفع الشركة إلى فتح تحقيق داخلي وإيقاف الرئيس التنفيذي كينيث وينجر والمدير المالي بول همفريز عن العمل.
وتفاقمت الأزمة عندما سحبت «برايس ووترهاوس كوبرز» تقاريرها التدقيقية المتعلقة بالبيانات المالية للأعوام 1997 و1998 و1999.
وعندما أعيدت صياغة الحسابات، ظهرت الفجوة الهائلة بين الصورة التي قدمتها الشركة والواقع المالي، إذ خُفض صافي الدخل خلال السنوات الثلاث بمقدار 534 مليون دولار.
وفي العام نفسه، تقدمت «سيفتي-كلين» بطلب للحماية من الإفلاس، بعدما تجاوزت ديونها للمقرضين الرئيسيين 1.6 مليار دولار، فيما أظهرت نتائج السنة المالية 2000 خسارة صافية ضخمة بلغت 833 مليون دولار.
وبعد نحو ثلاث سنوات ونصف، خرجت الشركة من إجراءات الحماية من الإفلاس كشركة خاصة، عقب إعادة هيكلة عملياتها ووضعها المالي.
أما همفريز، الذي اعتبرته السلطات العقل المدبر للمخطط، فأقر بتهم شملت الاحتيال في الأوراق المالية وتقديم بيانات كاذبة وتزوير الدفاتر والسجلات والاحتيال المصرفي، وصدر بحقه عام 2007 حكم بالسجن لمدة خمس سنوات وعشرة أشهر.
الأرقام لا تخفي الحقيقة
بدأت قضية «سيفتي-كلين» بسؤال بدا بسيطاً: كم يجب أن تبلغ الأرباح؟ لكنها تحولت إلى واحدة من الحالات التي توضح كيف يمكن لضغوط تحقيق المستهدفات أن تدفع الإدارة من محاولة تحسين الأداء إلى محاولة تحسين الأرقام نفسها.
عندما عجز النشاط الحقيقي عن تحقيق الوعود، تولت التعديلات المحاسبية مهمة سد الفجوة، حتى وصلت نسبة تضخيم الأرباح في أحد الفصول إلى 157.6 %.
لكن تأجيل الاعتراف بالمشكلة لم يلغها، بل جعل نتائجها النهائية أكثر قسوة؛ إذ انتهت إعادة صياغة الحسابات بخفض صافي الدخل 534 مليون دولار، ثم خسارة سنوية بلغت 833 مليوناً وديون تجاوزت 1.6 مليار دولار وإفلاس الشركة.
وهكذا تحول النجاح الذي ظهر لسنوات على الورق إلى دليل على حجم الأزمة التي كانت الدفاتر تخفيها، مؤكداً أن الأرباح المصطنعة قد تؤجل ظهور الخسائر، لكنها لا تستطيع إلغاء الواقع الاقتصادي الذي أنتجها.