أوروبا تتحرك لفك الارتباط الصناعي مع الصين
دخل الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من المواجهة الاقتصادية مع الصين، بعدما بدأ إعداد خطة واسعة لإعادة هيكلة سلاسل الإمداد الصناعية وتقليص الاعتماد الأوروبي على الموردين الصينيين، في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل بروكسل من النفوذ الصناعي والتجاري المتزايد لبكين.
وتستهدف الخطة الجديدة إجبار الشركات الأوروبية في عدد من القطاعات الحيوية على تنويع مصادر التوريد وعدم الاعتماد على مورد واحد أو دولة واحدة في شراء المكونات والمواد الأساسية، وذلك ضمن استراتيجية أوسع لحماية القاعدة الصناعية الأوروبية وتقليل مخاطر ما تصفه بروكسل بـ«تسليح التجارة».
ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين توتراً متزايداً، مدفوعاً بالخلافات المتعلقة بالإغراق الصناعي والدعم الحكومي الصيني والقيود المفروضة على صادرات التقنيات والمعادن النادرة.
كما يعكس التوجه الأوروبي تحوّلاً عميقاً في فلسفة التجارة الدولية، حيث لم تعد الكفاءة والتكلفة المنخفضة هما المعيار الوحيد في بناء سلاسل التوريد، بل أصبحت اعتبارات الأمن الاقتصادي والسيادة الصناعية والاعتماد الاستراتيجي جزءاً أساسياً من السياسات الاقتصادية الغربية.
قواعد جديدة
وفقاً للمقترحات الأولية التي يجري العمل عليها داخل المفوضية الأوروبية، ستفرض القواعد الجديدة حدوداً قصوى لما يمكن للشركات الأوروبية شراؤه من مورد واحد.
وتشير التقديرات إلى أن السقف المقترح قد يتراوح بين 30 و40 % من إجمالي المكونات أو المواد الأساسية المطلوبة، بينما ستُلزم الشركات بالحصول على بقية احتياجاتها من ثلاثة موردين مختلفين على الأقل، على ألا يكونوا جميعاً من الدولة نفسها.
ويعني ذلك عملياً أن الشركات الأوروبية ستواجه للمرة الأولى قواعد تنظيمية مباشرة تحدد طريقة بناء سلاسل التوريد الخاصة بها، وهو تحول كبير مقارنة بالنموذج التقليدي القائم على حرية السوق والكفاءة الاقتصادية.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن الهدف الأساسي من هذه الإجراءات يتمثل في منع تكرار الأزمات التي شهدتها الصناعات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، عندما أدى الاعتماد المفرط على الصين إلى اضطرابات واسعة في الإنتاج وسلاسل الإمداد.
كما تسعى بروكسل إلى تقليل قدرة أي دولة على استخدام هيمنتها الصناعية كورقة ضغط سياسية أو اقتصادية ضد أوروبا.
خوف أوروبي متصاعد
التحرك الأوروبي الجديد لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تراكم سلسلة من الأزمات التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد الأوروبية واعتمادها الكبير على الصين.
فخلال السنوات الماضية، واجهت الصناعات الأوروبية صدمات متتالية بدأت بجائحة كورونا، ثم أزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى القيود الصينية الأخيرة على تصدير المعادن الأرضية النادرة والمكونات التكنولوجية الحساسة.
وتسببت تلك القيود العام الماضي في توقف بعض خطوط إنتاج السيارات الأوروبية بسبب نقص المغناطيسات الأرضية النادرة ومكونات أخرى أساسية تدخل في الصناعات المتقدمة.
وأثار ذلك صدمة داخل بروكسل والعواصم الأوروبية، بعدما أدركت الحكومات أن الصين تمتلك نفوذاً واسعاً على سلاسل التوريد العالمية يمكن استخدامه كورقة جيوسياسية واقتصادية.
تسليح التجارة
أحد المفاهيم الأساسية التي تقف خلف التحركات الأوروبية الحالية هو ما يسمى “تسليح التجارة”.
ويشير هذا المفهوم إلى استخدام الدول لقوتها التجارية والصناعية كسلاح سياسي أو اقتصادي لتحقيق أهداف استراتيجية.
وفي حالة الصين، ترى بروكسل أن بكين بدأت تستخدم تفوقها الصناعي وتحكمها في بعض المواد الخام والمكونات الحيوية كورقة ضغط على الدول الغربية.
الرسوم العقابية
إلى جانب قواعد تنويع الموردين، يعمل الاتحاد الأوروبي أيضاً على إعداد حزمة جديدة من الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية ضد الواردات الصينية.
وبحسب مسؤولين أوروبيين، يعتزم مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفكوفيتش فرض رسوم عقابية على الكيماويات والآلات الصناعية الصينية للحد من تدفق الواردات الرخيصة التي تسببت بأضرار كبيرة للمصنعين الأوروبيين.
ويأتي ذلك ضمن مساعٍ أوسع لمعالجة العجز التجاري الضخم مع الصين، والذي يقدر حالياً بنحو مليار يورو يومياً.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن استمرار هذا الوضع يهدد مستقبل الصناعة الأوروبية، خصوصاً في القطاعات التقليدية التي تواجه منافسة شرسة من المنتجات الصينية منخفضة التكلفة.
أزمة الكيماويات
قطاع الكيماويات الأوروبي يعد من أكثر القطاعات المتضررة حالياً من المنافسة الصينية.
فقد كشفت تقارير أن الشكاوى المقدمة إلى المفوضية الأوروبية من شركات الكيماويات بلغت مستويات قياسية خلال الفترة الأخيرة.
ووصف أحد قادة القطاع الوضع بأنه “على وشك الانهيار”، في إشارة إلى حجم الضغوط التي تواجهها الصناعة الأوروبية.
ويرى المصنعون الأوروبيون أن الواردات الصينية الرخيصة تغرق الأسواق بصورة تهدد استمرار عدد كبير من المصانع الأوروبية.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة داخل أوروبا مقارنة بالصين يزيد من صعوبة المنافسة بالنسبة للشركات الأوروبية.
نقص الموارد البشرية
المشكلة بالنسبة لبروكسل لا تقتصر فقط على حجم التحديات، بل تشمل أيضاً محدودية الأدوات والموارد المتاحة للتعامل معها.
فقد أشار مسؤولون أوروبيون إلى أن فرق الدفاع التجاري داخل المفوضية تواجه ضغوطاً هائلة بسبب العدد الكبير من الشكاوى الصناعية.
وأوضح أحد المسؤولين أن المفوضية قد لا تمتلك الوقت أو الموارد البشرية الكافية للتحقيق في جميع قضايا الإغراق والدعم الحكومي.
وأضاف أن الإجراءات التقليدية لمكافحة الإغراق تستغرق وقتاً طويلاً قد يصل إلى عامين بسبب متطلبات التحقيق المرتبطة بقواعد منظمة التجارة العالمية.
لكن الصناعة الأوروبية، بحسب المسؤول نفسه، قد لا تملك رفاهية الانتظار كل هذه المدة.
حماية الصناعة
الاتحاد الأوروبي بدأ بالفعل خلال السنوات الأخيرة باتخاذ خطوات أكثر حزماً لحماية قطاعاته الصناعية.
ففي العام الماضي، اقترح الاتحاد رفع الرسوم الجمركية على الصلب إلى 50 % وخفض حصص التعريفة المنخفضة إلى النصف، بهدف حماية صناعة تراجعت إلى أصغر حجم لها على الإطلاق.
كما تبحث المفوضية الأوروبية حالياً إمكانية تعديل حصص الاستيراد بما يمنح الدول “الموثوقة” مزايا أكبر مقارنة بالدول الأخرى.
ويرى مسؤولون أن هذه الخطوات ستسمح بتعظيم الضغط على الصين دون الإعلان المباشر عن استهدافها وحدها.
أوروبا وتغير النموذج الاقتصادي
التحولات الحالية تعكس تغيراً عميقاً في النموذج الاقتصادي الأوروبي الذي اعتمد لعقود على العولمة والانفتاح التجاري.
فبعد سنوات طويلة من التركيز على الكفاءة وتقليل التكاليف، أصبحت أوروبا اليوم أكثر ميلاً إلى بناء سلاسل توريد “آمنة” حتى لو كانت أكثر تكلفة.
ويشبه بعض المحللين هذه التحولات بما حدث في الولايات المتحدة بعد الحرب التجارية مع الصين، حين بدأت واشنطن بتشجيع إعادة توطين الصناعات وتقليل الاعتماد على الواردات الصينية.
كما أن التوترات الجيوسياسية العالمية سرعت هذا الاتجاه، خصوصاً بعد إدراك الدول الغربية أن الاعتماد الاقتصادي قد يتحول إلى مصدر ضعف استراتيجي.
الصين تحت الضغط
بالنسبة للصين، تمثل التحركات الأوروبية تحدياً مهماً، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي يعد أحد أكبر الأسواق للصادرات الصينية.
وأي قيود جديدة على الواردات أو سلاسل الإمداد قد تؤثر بصورة مباشرة على الشركات الصينية والصادرات الصناعية.
لكن في المقابل، يرى بعض المحللين أن الصين ما تزال تمتلك مزايا يصعب تعويضها سريعاً، تشمل البنية الصناعية الضخمة والتكلفة المنخفضة والكفاءة العالية وسلاسل التوريد المتكاملة.
ولهذا السبب، فإن تقليل الاعتماد على الصين لن يكون عملية سهلة أو سريعة بالنسبة للشركات الأوروبية.
كما أن بعض القطاعات الأوروبية ما تزال تعتمد بصورة كبيرة على المكونات الصينية ولا تملك بدائل جاهزة على المدى القصير.
تحديات التنفيذ
رغم الزخم السياسي الداعم للخطة الأوروبية، فإن تنفيذها يواجه تحديات كبيرة.
فإجبار الشركات على تنويع الموردين قد يرفع التكاليف التشغيلية ويؤثر على القدرة التنافسية لبعض الصناعات الأوروبية.
كما أن إيجاد موردين بديلين بالمواصفات والكميات نفسها قد يكون صعباً في بعض القطاعات المتخصصة.
ويحذر خبراء من أن التحول السريع قد يخلق اضطرابات جديدة في سلاسل التوريد بدلاً من حل المشكلات الحالية.