الأسهم الأميركية تواصل الصعود رغم ضبابية الشرق الأوسط
أنهت الأسهم الأميركية تعاملات الأسبوع على ارتفاعات جديدة، مع استمرار موجة التفاؤل التي تسيطر على «وول ستريت» بدعم من مؤشرات إيجابية حول تقدم المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، إضافة إلى نتائج أعمال قوية للشركات الأميركية عززت الثقة بقدرة الاقتصاد الأميركي على مواصلة النمو رغم التحديات الجيوسياسية والتضخمية.
وسجل مؤشر «داو جونز» الصناعي مستوى قياسياً جديداً خلال الجلسة، بينما واصل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تحقيق المكاسب للأسبوع الثامن على التوالي، في أطول سلسلة ارتفاعات منذ نهاية عام 2023، ما يعكس استمرار شهية المستثمرين تجاه الأسهم الأميركية رغم حالة الضبابية التي تحيط بالاقتصاد العالمي.
ووفق البيانات الأولية، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عند الإغلاق بنحو 0.36 % ليصل إلى 7473.56 نقطة، بينما صعد مؤشر «ناسداك» المجمع بنسبة 0.20 % إلى 26346.27 نقطة، فيما ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 0.59 % إلى 50580.56 نقطة.
ويأتي هذا الأداء القوي في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية مزيجاً معقداً من التحديات، تشمل ارتفاع أسعار النفط، والمخاوف التضخمية، والتوترات الجيوسياسية، واحتمالات تغير مسار السياسة النقدية الأميركية خلال الأشهر المقبلة.
رهانات التهدئة
العامل الأبرز الذي دعم الأسواق خلال جلسة الجمعة كان تجدد التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق يخفف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وينهي الحرب التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة منذ أشهر.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن هناك «بعض التقدم» في المحادثات مع إيران، مع إقراره في الوقت ذاته بأن الطريق لا يزال يتطلب المزيد من العمل. وفي المقابل، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الخلافات بين الجانبين لا تزال كبيرة، ما يعكس استمرار التعقيدات السياسية المحيطة بالمفاوضات.
ورغم غياب أي اتفاق نهائي حتى الآن، فإن الأسواق الأميركية تعاملت بإيجابية مع مجرد وجود تقدم دبلوماسي، باعتبار أن أي انفراج محتمل قد يخفف الضغوط على أسعار النفط والطاقة ويقلل المخاطر الجيوسياسية التي تهدد النمو العالمي.
ويرى محللون أن المستثمرين في «وول ستريت» باتوا أكثر ميلاً للمراهنة على سيناريو التهدئة بدلاً من التصعيد، خصوصاً بعد أسابيع من التقلبات الحادة التي دفعت كثيراً من الصناديق إلى تبني مراكز دفاعية.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أوشن بارك أسيت مانجمنت»، جيمس سانت أوبين، إن الحرب كانت من أبرز العوائق أمام سوق الأسهم الأميركية، مضيفاً أن العناوين الإيجابية المتعلقة بالمحادثات قدمت دعماً إضافياً ولو بشكل هامشي للأسواق.
نتائج الشركات
إلى جانب التطورات السياسية، لعب موسم نتائج الأعمال دوراً محورياً في دعم موجة الصعود الحالية في «وول ستريت». فقد جاءت نتائج العديد من الشركات الأميركية الكبرى أفضل من التوقعات، ما عزز القناعة بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال يحتفظ بقدر كبير من القوة والمرونة رغم ارتفاع الفائدة وتكاليف الطاقة.
ويرى المستثمرون أن استمرار الشركات في تحقيق أرباح قوية يعكس قدرة الاقتصاد الأميركي على تحمل الضغوط الحالية، سواء المرتبطة بالتضخم أو التوترات الجيوسياسية أو تباطؤ بعض القطاعات الاقتصادية.
وأشار سانت أوبين إلى أن البيانات الاقتصادية الأميركية، باستثناء بعض المؤشرات الشاذة، لا تزال قوية جداً، وهو ما ساعد في ترسيخ الصورة الإيجابية داخل الأسواق المالية.
كما أن تحسن أرباح الشركات منح المستثمرين ثقة أكبر بأن التباطؤ الاقتصادي المحتمل قد يكون أقل حدة مما كانت تخشاه الأسواق في السابق.
التكنولوجيا تقود
قطاع التكنولوجيا واصل لعب دور القاطرة الرئيسية للأسواق الأميركية، مع استمرار الزخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي والإنفاق الضخم على البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات.
وارتفع معظم أسهم شركات أشباه الموصلات خلال الجلسة، ليسجل مؤشر «فيلادلفيا» للرقائق الإلكترونية مكاسب قوية بدعم من صعود سهم «كوالكوم»، رغم تراجع سهم «إنفيديا» الذي كان من أبرز المحركات الرئيسية للسوق خلال الأشهر الماضية.
ويعكس الأداء الإيجابي لقطاع الرقائق استمرار التفاؤل العالمي بشأن الطلب على المعالجات والبنية الحاسوبية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي باتت تمثل أحد أكبر محركات النمو في الاقتصاد العالمي.
كما يرى محللون أن شركات التكنولوجيا الأميركية لا تزال تستفيد من التدفقات الاستثمارية الضخمة نحو القطاعات المرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، حتى مع ارتفاع التقييمات السوقية لهذه الشركات إلى مستويات تاريخية مرتفعة.
طفرة الحواسيب
أسهم شركات تصنيع أجهزة الكمبيوتر الأميركية كانت أيضاً من أبرز المستفيدين خلال الجلسة، بعدما أعلنت مجموعة «لينوفو» الصينية نتائج قوية تضمنت قفزة بنسبة 27% في الإيرادات الفصلية، متجاوزة توقعات الأسواق بشكل واضح.
وأعادت هذه النتائج التفاؤل بشأن الطلب العالمي على الحواسيب والخوادم والمعدات التكنولوجية، خصوصاً مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي في الشركات والمؤسسات حول العالم. وسجل سهم «ديل تكنولوجيز» أعلى مستوياته على الإطلاق، بينما ارتفعت أسهم شركة «إتش بي» بشكل ملحوظ، في مؤشر على عودة الاهتمام بقطاع الحواسيب بعد سنوات من التباطؤ النسبي.
ويرى مستثمرون أن موجة الإنفاق الحالية على البنية التكنولوجية قد تمتد لسنوات، ما يمنح شركات الحواسيب والخوادم والرقائق فرص نمو استثنائية خلال المرحلة المقبلة.
البرمجيات والسحابة
قطاع البرمجيات السحابية كان أيضاً ضمن الرابحين، بعدما ارتفعت أسهم شركة «ووركداي» عقب إعلان نتائج مالية تجاوزت التوقعات على مستوى الإيرادات والأرباح للربع الأول.
ويعكس الأداء القوي لشركات البرمجيات استمرار الطلب على الحلول الرقمية وإدارة الموارد البشرية والخدمات السحابية، حتى في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع التكاليف والفائدة.
كما أن الشركات الأميركية تواصل زيادة استثماراتها في الأتمتة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، وهو ما يدعم شركات البرمجيات المتخصصة في هذه المجالات.
ويرى محللون أن قطاع التكنولوجيا الأميركي أصبح أقل اعتماداً على دورة اقتصادية تقليدية مقارنة بالماضي، نظراً لتحوله إلى عنصر أساسي في جميع القطاعات الاقتصادية تقريباً.
تفاؤل حذر
ورغم موجة الصعود القوية، لا يزال التفاؤل في «وول ستريت» محاطاً بقدر كبير من الحذر، إذ يدرك المستثمرون أن البيئة الاقتصادية الحالية لا تزال شديدة الحساسية لأي تطورات سياسية أو نقدية أو جيوسياسية.
فالأسواق تراهن حالياً على عدة سيناريوهات إيجابية في وقت واحد، تشمل تهدئة التوترات في الشرق الأوسط، واستمرار قوة الاقتصاد الأميركي، ونجاح الشركات في الحفاظ على أرباحها، واستمرار طفرة الذكاء الاصطناعي.
لكن أي خلل في أحد هذه المسارات قد يغير اتجاهات السوق بسرعة، خصوصاً في ظل ارتفاع التقييمات السوقية للعديد من الأسهم الأميركية إلى مستويات قياسية.
ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستظل محكومة بدرجة عالية من التذبذب، مع استمرار المستثمرين في مراقبة تطورات السياسة النقدية الأميركية، وأسعار النفط، والمفاوضات الجيوسياسية، ونتائج الشركات الكبرى.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو «وول ستريت» وكأنها تراهن على أن الاقتصاد الأميركي لا يزال يمتلك القدرة على تجاوز الأزمات، حتى في واحدة من أكثر الفترات العالمية حساسية وتشابكاً منذ سنوات طويلة.