الديون العالمية تهدد استدامة المالية العامة
لم يعد ضبط أوضاع المالية العامة يمثل أولوية لدى كثير من الحكومات كما كان في السابق، إذ تتجه الاقتصادات الكبرى بصورة متزايدة إلى تمويل الأزمات والبرامج الاقتصادية عبر الاقتراض، حتى مع ارتفاع مستويات الدين وتزايد تكلفة خدمة هذه الديون. ويثير هذا التحول تساؤلات متزايدة حول قدرة الدول على الحفاظ على استدامة أوضاعها المالية في السنوات المقبلة، خصوصاً مع تراكم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية والديموغرافية.
وتكشف السياسات المالية التي اتبعتها الحكومات خلال السنوات الأخيرة عن تغير واضح في طريقة التعامل مع الأزمات، إذ أصبح اللجوء إلى الإنفاق العام والاقتراض الخيار الأول، بينما تراجع الاهتمام بخفض العجز أو إعادة بناء الهوامش المالية التي كانت تعد سابقاً خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات الاقتصادية.
وجاءت أزمة الطاقة الأخيرة لتجسد هذا التحول بصورة واضحة، بعدما سارعت الحكومات إلى إطلاق مئات برامج الدعم لحماية الأسر والشركات من الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والكهرباء، متجاهلة إلى حد كبير التحذيرات المتكررة من المؤسسات الدولية بشأن ضرورة أن تكون هذه الإجراءات مؤقتة وموجهة للفئات الأكثر احتياجاً.
دعم واسع
كان صندوق النقد الدولي قد أوصى منذ بداية أزمة الطاقة بأن تركز الحكومات على تقديم دعم سريع ومحدد زمنياً وموجه للأسر منخفضة الدخل والشركات الأكثر تضرراً، بهدف الحد من الأعباء المالية وعدم تشويه آليات السوق أو تشجيع الاستهلاك المفرط للطاقة.
لكن الواقع جاء مختلفاً إلى حد بعيد، إذ جرى تطبيق نحو 900 برنامج دعم في 170 دولة حتى منتصف يونيو، وفق بيانات صندوق النقد، إلا أن معظم هذه البرامج اتسم بالشمولية، ولم يرتبط بجدول زمني واضح لإنهائه، كما اعتمد بدرجة كبيرة على دعم أسعار الطاقة مباشرة بدلاً من تقديم مساعدات نقدية للفئات المستحقة.
وأدى هذا النهج إلى تخفيف الضغوط قصيرة الأجل على المستهلكين، لكنه في المقابل قلل الحوافز لترشيد استهلاك الطاقة، كما خلق التزامات مالية يصعب على الحكومات التخلص منها مستقبلاً دون تحمل كلفة سياسية واجتماعية مرتفعة.
الاقتراض يتوسع
لم يعد الاعتماد على الاقتراض يقتصر على مواجهة الأزمات الطارئة، بل أصبح جزءاً من السياسة الاقتصادية في عدد كبير من الدول.
فالولايات المتحدة اعتادت منذ تسعينيات القرن الماضي على تسجيل مستويات مرتفعة من العجز المالي، بينما واجهت فرنسا صعوبات متكررة في الالتزام بقواعد الانضباط المالي الأوروبية.
وفي ألمانيا، التي كانت تعد لعقود نموذجاً للانضباط المالي، قررت الحكومة الحالية توسيع الاقتراض لتمويل تحديث البنية التحتية وزيادة الإنفاق الدفاعي، في تحول يعكس تغير الأولويات الاقتصادية والسياسية.
أما اليابان، صاحبة أحد أعلى مستويات الدين العام في العالم، فقد أعلنت حزمة جديدة تشمل خفض الضرائب وتحفيز الاستثمار العام والخاص، في حين أبدت الحكومة البريطانية استعدادها للاستفادة من المرونة المتاحة في قواعد الموازنة لزيادة الاقتراض وتمويل أولوياتها الاقتصادية.
ويشير هذا المشهد إلى أن الاقتراض لم يعد استثناءً تفرضه الظروف، بل أصبح أداة دائمة لإدارة الاقتصاد، حتى في الفترات التي لا تشهد أزمات مالية حادة.
تنسيق غائب
ورغم اتساع موجة الإنفاق الحكومي، فإن اللافت هو غياب أي تنسيق دولي بشأن مستقبل السياسات المالية.
فمجموعة العشرين، التي كانت تقود التنسيق الاقتصادي العالمي عقب الأزمة المالية في 2008، باتت عاجزة عن التوصل إلى توافق حتى بشأن المبادئ العامة لإدارة المالية العامة.
وفي اجتماع وزراء المالية الأخير، فشل أعضاء المجموعة في إصدار بيان مشترك يحدد موقفاً موحداً من موجة الاقتراض الحالية أو يضع إطاراً عاماً للتعامل مع تزايد مستويات الدين.
ويختلف هذا المشهد تماماً عما حدث في قمة تورونتو عام 2010، عندما اتفقت الاقتصادات الكبرى على ضرورة إصلاح أوضاع المالية العامة بعد الأزمة المالية العالمية، معتبرة أن الانضباط المالي يمثل شرطاً أساسياً لضمان التعافي الاقتصادي وحماية الأجيال المقبلة من أعباء الديون.
لكن هذه القناعة تراجعت تدريجياً خلال العقد الأخير، لتحل محلها سياسات أكثر ميلاً إلى التوسع المالي والاعتماد على الاقتراض.
سلوك جديد
تشير دراسات حديثة أجراها صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية إلى أن العلاقة التقليدية بين ارتفاع الدين العام واتخاذ إجراءات لتصحيح أوضاع المالية العامة لم تعد تعمل كما كانت في السابق. ففي العقود الماضية، كان ارتفاع مستويات الدين يدفع الحكومات إلى تقليص الإنفاق أو زيادة الضرائب للحفاظ على استقرار المالية العامة، أما اليوم فقد تراجع هذا السلوك بصورة ملحوظة.
وأوضح بنك التسويات الدولية أن الحكومات أصبحت تعتمد على التحفيز المالي بشكل واسع عند وقوع الأزمات لتخفيف آثارها الاقتصادية، لكنها لا تعود إلى تحقيق فوائض مالية عندما تتحسن الظروف الاقتصادية، بل تستمر في زيادة الإنفاق أو تقديم تخفيضات ضريبية جديدة، وهو ما يؤدي إلى تراكم الديون عاماً بعد آخر.
ضغوط متزايدة
إذا كانت أسعار الفائدة المنخفضة خلال العقد الماضي قد وفرت مبرراً للاستمرار في الاقتراض، فإن هذا المبرر لم يعد قائماً بعد دورة التشديد النقدي التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لا تزال الحكومات تتوسع في الإنفاق، مدفوعة بمجموعة من التحديات التي تتطلب مخصصات مالية ضخمة.
وتأتي في مقدمة هذه التحديات التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، إذ فرضت الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، ضغوطاً كبيرة على الحكومات لزيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز القدرات العسكرية، وسط توقعات باستمرار هذه الحاجة لسنوات طويلة.
وفي الوقت نفسه، يتطلب التحول نحو الاقتصاد منخفض الانبعاثات استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة والبنية التحتية، بينما تفرض التغيرات المناخية تكاليف إضافية لمواجهة الكوارث الطبيعية وتعزيز القدرة على التكيف مع آثارها. ولا تقل الضغوط الديموغرافية أهمية عن ذلك، فشيخوخة السكان في كثير من الاقتصادات المتقدمة تعني ارتفاع الإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، وهي التزامات يصعب تقليصها مع مرور الوقت.
كما أن ثورة الذكاء الاصطناعي، رغم ما تحمله من فرص لتعزيز الإنتاجية، قد تتطلب برامج واسعة لإعادة تأهيل العاملين ودعم الفئات التي قد تتأثر وظائفها بالتحول التكنولوجي، وهو ما يضيف أعباء جديدة على الموازنات العامة.
الاستدامة المالية أصبحت الاختبار الأصعب للحكومات
في ظل تزايد الديون، وارتفاع تكاليف الاقتراض، واتساع متطلبات الإنفاق على الدفاع والمناخ والرعاية الاجتماعية، تبدو المالية العامة العالمية أمام اختبار غير مسبوق. فالحكومات لم تعد تواجه أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها بحزم تحفيزية محدودة، بل تحديات هيكلية طويلة الأمد تتطلب إصلاحات مالية واقتصادية عميقة. ومع استمرار الانقسامات الدولية وصعوبة اتخاذ قرارات سياسية غير شعبية، يبقى خطر تراكم الديون قائماً، بينما يزداد التساؤل حول قدرة الحكومات على استعادة الانضباط المالي قبل أن تفرض الأسواق ذلك عليها بشروط أكثر قسوة.