تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يختبر‭ ‬الصين‭… ‬الآلات‭ ‬تزاحم‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬العمل

الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يختبر‭ ‬الصين‭... ‬الآلات‭ ‬تزاحم‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬العمل

لم‭ ‬تعد‭ ‬المنافسة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬المصانع‭ ‬أو‭ ‬سرعة‭ ‬القطارات‭ ‬أو‭ ‬عدد‭ ‬ناطحات‭ ‬السحاب،‭ ‬بل‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وحساسية‭ ‬ترتبط‭ ‬بمستقبل‭ ‬الوظائف‭ ‬البشرية‭ ‬نفسها‭. ‬فمع‭ ‬التوسع‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والمركبات‭ ‬الذاتية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬بدأت‭ ‬الصين‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تحاول‭ ‬فيها‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الهيمنة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬
وفي‭ ‬مدينة‭ ‬تشينغداو‭ ‬الساحلية،‭ ‬تبدو‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬واضحة‭ ‬يومياً،‭ ‬حيث‭ ‬تتحرك‭ ‬مئات‭ ‬المركبات‭ ‬الصغيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬القيادة‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬والمطاعم‭ ‬والمستودعات‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬بشري‭. ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الصينية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تسابق‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬حضورها‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬النقل‭ ‬الذكي‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭.‬
وتقود‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬نيوليكس‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬عبر‭ ‬تشغيل‭ ‬نحو‭ ‬1200‭ ‬شاحنة‭ ‬توصيل‭ ‬غير‭ ‬مأهولة‭ ‬في‭ ‬تشينغداو‭ ‬وحدها،‭ ‬مع‭ ‬خطط‭ ‬لرفع‭ ‬العدد‭ ‬إلى‭ ‬4000‭ ‬مركبة‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تتوسع‭ ‬مشاريع‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬الذاتية‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬الخاصة‭ ‬بتوصيل‭ ‬الطلبات،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬السرعة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬يتغلغل‭ ‬بها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭. ‬وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬السوق‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬امتلكت‭ ‬بنهاية‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬نحو‭ ‬33‭ ‬ألف‭ ‬مركبة‭ ‬توصيل‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى‭ ‬تعمل‭ ‬دون‭ ‬سائق،‭ ‬بينما‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬عدد‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬الذاتية‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬ألف‭ ‬مركبة‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2026‭.‬

النقل‭ ‬التشاركي‭ ‬
وتذهب‭ ‬تقديرات‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬عالمية‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬بنك‭ ‬‮«‬غولدمان‭ ‬ساكس‮»‬‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬700‭ ‬ألف‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬روبوتية‭ ‬قد‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الصينية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬المقبلة،‭ ‬بما‭ ‬يمثل‭ ‬نحو‭ ‬12‭ % ‬من‭ ‬خدمات‭ ‬النقل‭ ‬التشاركي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬أما‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬ميتوان‮»‬‭ ‬العملاقة،‭ ‬فتتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتولى‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬مستقبلاً‭ ‬نحو‭ ‬10‭ % ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬توصيل‭ ‬الطعام‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬وهي‭ ‬سوق‭ ‬تجاوزت‭ ‬60‭ ‬مليار‭ ‬طلب‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬فقط‭.‬
لكن‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬التقني‭ ‬المتسارع،‭ ‬تتصاعد‭ ‬مخاوف‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬متزايدة‭. ‬فكل‭ ‬مركبة‭ ‬ذاتية‭ ‬القيادة‭ ‬تعني‭ ‬عملياً‭ ‬احتمال‭ ‬فقدان‭ ‬عامل‭ ‬أو‭ ‬سائق‭ ‬بشري‭ ‬لجزء‭ ‬من‭ ‬دخله‭ ‬أو‭ ‬لوظيفته‭ ‬بالكامل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬مواصلة‭ ‬السباق‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬دون‭ ‬التسبب‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬بطالة‭ ‬واسعة‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي؟
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬بدأت‭ ‬بكين‭ ‬تتعامل‭ ‬بحذر‭ ‬مع‭ ‬ملف‭ ‬الأتمتة‭. ‬فقد‭ ‬تضمنت‭ ‬الخطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصينية‭ ‬للخمس‭ ‬سنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬تحذيرات‭ ‬صريحة‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬البطالة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬فيما‭ ‬طالبت‭ ‬هيئة‭ ‬رقابية‭ ‬مختصة‭ ‬بالأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬مطوري‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بعدم‭ ‬استخدام‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بهدف‭ ‬استبدال‭ ‬العمالة‭ ‬البشرية‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭. ‬ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬التشريعات‭ ‬الصينية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وتعكس‭ ‬حجم‭ ‬القلق‭ ‬الرسمي‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬الجديدة‭.‬

عقبات‭ ‬عملية
ورغم‭ ‬الحماس‭ ‬الكبير،‭ ‬فإن‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬للمركبات‭ ‬الذاتية‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يواجه‭ ‬عقبات‭ ‬عملية‭ ‬وتشغيلية‭. ‬ففي‭ ‬تشينغداو،‭ ‬تسبب‭ ‬انتشار‭ ‬شاحنات‭ ‬التوصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬اختناقات‭ ‬مرورية‭ ‬دفعت‭ ‬السلطات‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬ساعات‭ ‬عملها‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭. ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬مدينة‭ ‬ووهان،‭ ‬التي‭ ‬تستضيف‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬تجارب‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬حوادث‭ ‬تعطلت‭ ‬خلالها‭ ‬عشرات‭ ‬السيارات‭ ‬الروبوتية‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬شلل‭ ‬مروري‭ ‬واستدعاء‭ ‬فرق‭ ‬إنقاذ‭ ‬لمساعدة‭ ‬الركاب‭ ‬العالقين‭. ‬وبعد‭ ‬تلك‭ ‬الحوادث‭ ‬علّقت‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬إصدار‭ ‬تراخيص‭ ‬جديدة‭ ‬لسيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬الذاتية‭ ‬مؤقتاً‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ترى‭ ‬السلطات‭ ‬الصينية‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬الأتمتة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬حلاً‭ ‬عملياً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬تهديداً‭ ‬اجتماعياً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬نقص‭ ‬العمالة‭ ‬أو‭ ‬انخفاض‭ ‬الإقبال‭ ‬عليها‭. ‬فشركة‭ ‬‮«‬نيوليكس‮»‬‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬خدمات‭ ‬التوصيل‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬مثل‭ ‬نقل‭ ‬اللحوم‭ ‬والمواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬وهي‭ ‬وظائف‭ ‬يؤديها‭ ‬غالباً‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬باستخدام‭ ‬مركبات‭ ‬ثلاثية‭ ‬العجلات‭ ‬معروفة‭ ‬بخطورتها‭ ‬وكثرة‭ ‬حوادثها،‭ ‬بينما‭ ‬يعزف‭ ‬الشباب‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬فيها‭ ‬بسبب‭ ‬تدني‭ ‬الأجور‭ ‬وصعوبة‭ ‬العمل‭ ‬البدني‭.‬
لكن‭ ‬الصورة‭ ‬تختلف‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬قطاعي‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬وتوصيل‭ ‬الطلبات‭ ‬للمستهلكين،‭ ‬حيث‭ ‬يعمل‭ ‬نحو‭ ‬22‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ملايين‭ ‬سائقي‭ ‬سيارات‭ ‬الأجرة‭ ‬التقليدية‭. ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬بين‭ ‬الشباب،‭ ‬تخشى‭ ‬السلطات‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬التوسع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬الأتمتة‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬سائقي‭ ‬التوصيل‭ ‬والنقل‭ ‬أثبتوا‭ ‬قدرة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬الاحتجاج‭ ‬والتنظيم‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬
ولاحتواء‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف،‭ ‬بدأت‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تقديم‭ ‬برامج‭ ‬تدريبية‭ ‬جديدة‭ ‬للعمال‭ ‬المتضررين‭. ‬فقد‭ ‬أطلقت‭ ‬‮«‬ميتوان‮»‬‭ ‬برامج‭ ‬لتدريب‭ ‬سائقي‭ ‬التوصيل‭ ‬على‭ ‬تشغيل‭ ‬وإدارة‭ ‬خدمات‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬تحميل‭ ‬الطلبات‭ ‬ومراقبة‭ ‬الرحلات‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬التحكم‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الوظائف‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محدوداً‭ ‬مقارنة‭ ‬بملايين‭ ‬السائقين،‭ ‬فإن‭ ‬الشركات‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬ستتوسع‭ ‬تدريجياً‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬
وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬تبدو‭ ‬الصين‭ ‬وكأنها‭ ‬تخوض‭ ‬تجربة‭ ‬عالمية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬لاختبار‭ ‬حدود‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والآلة‭. ‬فبينما‭ ‬تسعى‭ ‬بكين‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬موقعها‭ ‬كقوة‭ ‬عظمى‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تدرك‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬لن‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬الروبوتات‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬شعور‭ ‬ملايين‭ ‬البشر‭ ‬بأنهم‭ ‬أصبحوا‭ ‬خارج‭ ‬المعادلة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجديدة‭.‬

رجوع لأعلى