الذهب يترقب الفائدة وسط ضبابية الأسواق
استقرت أسعار الذهب خلال تعاملات الثلاثاء، مع استمرار حالة الترقب التي تسيطر على الأسواق العالمية، حيث يوازن المستثمرون بين عاملين رئيسيين يتمثلان في توقعات السياسة النقدية الأمريكية والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وبينما يواصل المعدن الأصفر التحرك داخل نطاق سعري ضيق، ينتظر المتعاملون إشارات أوضح بشأن مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية، بالتزامن مع متابعة التطورات المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيرها في أسواق الطاقة والتضخم.
واستقر الذهب في المعاملات الفورية عند نحو 4052.86 دولاراً للأوقية، بينما ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة بنسبة 0.5% إلى 4111.70 دولاراً، في إشارة إلى استمرار حالة التوازن بين القوى الداعمة للأسعار والعوامل التي تحد من صعودها.
ويؤكد هذا الأداء أن المستثمرين لا يزالون يفضلون الانتظار قبل اتخاذ رهانات كبيرة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة بشأن اتجاه السياسة النقدية الأمريكية أو مستقبل التوترات الجيوسياسية.
الفائدة أولاً
تبقى توقعات أسعار الفائدة العامل الأكثر تأثيراً في حركة الذهب خلال المرحلة الحالية.
ويرى محللون أن المعدن النفيس يتحرك منذ أسابيع داخل نطاق يتراوح بين 4000 و4100 دولار للأوقية، نتيجة عدم وضوح الرؤية بشأن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وجاءت تصريحات رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، لتؤكد أن البنك المركزي لا يزال يرى أن التضخم يتجه تدريجياً نحو التراجع، لكنه في الوقت نفسه مستعد لرفع أسعار الفائدة مجدداً إذا استدعت الظروف ذلك.
وتشير توقعات الأسواق حالياً إلى احتمال يبلغ نحو 63% لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر، بعدما قرر الاحتياطي الفيدرالي تثبيت الفائدة في اجتماعه الأخير وسط انقسام في وجهات النظر بين أعضائه.
ويؤثر ارتفاع أسعار الفائدة سلباً في الذهب، لأنه أصل لا يدر عائداً، ما يدفع المستثمرين إلى تفضيل السندات والأدوات المالية ذات العوائد المرتفعة.
بيانات مرتقبة
يترقب المستثمرون هذا الأسبوع مجموعة من البيانات الاقتصادية الأمريكية التي قد تحدد مسار الذهب خلال الفترة المقبلة.
وتشمل هذه البيانات تقرير الوظائف الشاغرة، وبيانات التوظيف الصادرة عن مؤسسة «إيه دي بي»، إضافة إلى تقرير الوظائف غير الزراعية، الذي يعد من أهم المؤشرات التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم قوة سوق العمل.
ويرى خبراء أن أي بيانات قوية قد تعزز احتمالات رفع أسعار الفائدة، وهو ما قد يضغط على الذهب، بينما قد تمنح البيانات الضعيفة المعدن الأصفر فرصة لاستعادة الزخم، إذا عززت التوقعات باتجاه الفيدرالي إلى الإبقاء على الفائدة دون تغيير.
ولهذا السبب، تتعامل الأسواق بحذر شديد مع المؤشرات الاقتصادية، باعتبارها قادرة على تغيير اتجاه أسعار الذهب خلال فترة قصيرة.
التوترات الجيوسياسية
إلى جانب السياسة النقدية، يواصل المشهد الجيوسياسي توفير دعم مهم للذهب باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة.
فقد زادت الإشارات المتضاربة بين واشنطن وطهران بشأن فرص التوصل إلى تسوية للحرب المستمرة منذ خمسة أشهر من حالة الضبابية في الأسواق، كما أعادت الهجمات الأخيرة على الملاحة في مضيق هرمز المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.
وأدى ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن هذه التطورات إلى تجدد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وهو ما يعقد مهمة الاحتياطي الفيدرالي ويزيد احتمالات تشديد السياسة النقدية.
ورغم أن الذهب يستفيد عادة من تصاعد المخاطر السياسية، فإن تأثير ارتفاع الفائدة المحتمل يحد من قدرته على تحقيق مكاسب كبيرة، وهو ما يفسر استمرار تحركه في نطاق محدود.
المعادن الأخرى
لم يقتصر التحسن على الذهب، إذ سجلت بقية المعادن النفيسة مكاسب ملحوظة خلال التعاملات.
فقد ارتفعت الفضة بنسبة 0.8% إلى 58.66 دولاراً للأوقية، بينما صعد البلاتين بنحو 1.6% إلى 1653.53 دولاراً، كما زاد البلاديوم بنسبة 1.2% إلى 1280.50 دولاراً.
ويعكس هذا الأداء استمرار اهتمام المستثمرين بالمعادن النفيسة كوسيلة للتحوط من التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، إلى جانب الطلب الصناعي الذي يدعم بعض هذه المعادن، خصوصاً البلاتين والبلاديوم المستخدمين في الصناعات التحويلية وصناعة السيارات.
الذهب ينتظر إشارة تحسم اتجاهه المقبل
رغم استقرار الأسعار، فإن الذهب يقف عند مفترق طرق، إذ يتوقف مساره خلال الأسابيع المقبلة على نتيجة الصراع بين عاملين رئيسيين؛ أولهما السياسة النقدية الأمريكية وما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيتجه إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً، وثانيهما التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومدى تأثيرها في أسعار الطاقة ومستويات التضخم. وفي ظل هذا التوازن الدقيق، يرجح المحللون استمرار تحركات الذهب داخل نطاق محدود إلى حين صدور بيانات اقتصادية أو تطورات سياسية قادرة على تغيير توقعات المستثمرين، لتظل الأسواق في حالة ترقب حتى تتضح الصورة بشأن مستقبل الفائدة والاقتصاد العالمي.