أزمة الوقود تعيد رسم خريطة الطاقة
دخلت أزمة الطاقة العالمية مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما لم يعد التحدي مقتصراً على توافر النفط الخام أو مستوى أسعاره، بل امتد إلى قدرة المصافي على تحويله إلى وقود، وإمكان نقله وتأمينه وتوزيعه بين الأسواق. وتكشف التطورات الأخيرة أن الديزل أصبح في قلب الضغوط الجديدة، مع ارتفاع هوامش تكريره إلى مستويات قياسية وتزامن ذلك مع اضطرابات جيوسياسية وهجمات على منشآت الطاقة واختناقات في طرق الملاحة، وهو ما دفع عدداً متزايداً من الحكومات إلى اتخاذ تدابير استثنائية لحماية الإمدادات المحلية.
وتبدو الولايات المتحدة في صدارة الصورة؛ إذ تجاوزت هوامش تكرير الديزل للمرة الأولى 100 دولار للبرميل، بينما اقترب سعر الديزل نفسه من 190 دولاراً، رغم أن أسعار النفط الخام بقيت دون القمم المسجلة في مارس. وفي أوروبا، صعد هامش تكسير الديزل في مركز أمستردام-روتردام-أنتويرب إلى 88.45 دولاراً للبرميل في 19 أغسطس، مقارنة بـ71.71 دولاراً في يوليو و44.75 دولاراً في يونيو، ما يعكس تسارع الضغوط داخل قطاع التكرير بوتيرة تفوق حركة الخام نفسه.
تحركات حكومية
دفعت تلك القفزة السلطات الأميركية إلى السماح بطرح الخلطات الشتوية من الوقود اعتباراً من الأول من سبتمبر، أي قبل الموعد المعتاد بنحو أسبوعين، بعد تخفيف وكالة حماية البيئة متطلبات البنزين الصيفي. ويسمح القرار باستخدام بنزين ممزوج بنسبة 10 % من الإيثانول، بما يمنح المصافي مرونة أكبر في توظيف مكونات أكثر تطايراً ورفع المعروض خلال فترة الطلب المرتفع، في محاولة لاحتواء تكلفة الوقود والحد من انتقال الأزمة إلى المستهلكين.
أما روسيا، فانتقلت إلى إجراءات أكثر مباشرة، شملت استيراد الوقود وتخفيف معايير الجودة للسماح ببيع ديزل من فئات Euro 2 وEuro 3 وEuro 4، بالتزامن مع فرض قيود على كميات الشراء في بعض المحطات. وحددت غازبروم نفت المبيعات عند 60 لتراً من البنزين في منطقة موسكو، بينما وضعت تاتنفت سقفاً عند 50 لتراً للبنزين و60 لتراً للديزل لكل مركبة، مع استمرار حظر صادرات الوقود لحماية السوق المحلية بعد سلسلة هجمات أوكرانية استهدفت المصافي ومنشآت التخزين.
إمدادات مضغوطة
ولا تختلف الضغوط كثيراً في أوكرانيا التي خففت إجراءات التخليص الجمركي لواردات الديزل لتسريع وصول الشحنات، في وقت يؤدي انخفاض منسوب نهر الدانوب إلى إبطاء حركة نقل الوقود، بينما يبقى الإنتاج المحلي محدوداً والبنية التحتية عرضة للهجمات الروسية.
وفي إيران، امتدت تداعيات الحرب إلى جانب الإنتاج، إذ أدى انخفاض إنتاج المكثفات من حقل بارس الجنوبي بنحو 230 ألف برميل يومياً إلى تقليص أحد المصادر الأساسية التي تعتمد عليها المصافي لإنتاج البنزين، في حين يرتبط الحقل بنحو 60 % من إنتاج البنزين الإيراني.
ويكشف امتداد الأزمة إلى آسيا مدى إعادة تشكيل تدفقات المنتجات النفطية. فقد استقبلت فيتنام أول شحنة مباشرة من الديزل من مصفاة ريلاينس الهندية منذ ثماني سنوات، بعدما ألغت رسوم استيراد الوقود في مارس لتوسيع قاعدة مورديها وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية. وعلى الجانب الآخر، خفضت الصين معالجة النفط الخام 15.8 % على أساس سنوي في يوليو إلى نحو 12.5 مليون برميل يومياً، قبل أن تبدأ تخفيف القيود المفروضة على صادرات المنتجات النفطية.
طلب أوروبي
وتنعكس الأسعار المرتفعة كذلك على مستويات الاستهلاك. ففي فرنسا، انخفضت تسليمات وقود السـيارات 4.1 % خلال يوليو للشهر الرابع توالياً، بينما تراجعت تسليمات الديزل 7.4 %، في مؤشر على أن الضغوط السعرية بدأت تدفع المستهلكين والشركات إلى خفض الطلب.
وزاد الوضع تعقيداً انخفاض مستوى نهر الراين في ألمانيا إلى أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات عام 1880، ما عرقل الملاحة وساهم في ظهور مشكلات إمداد في شرق فرنسا، لتصبح أزمة الوقود مرتبطة ليس فقط بالإنتاج والتكرير، وإنما أيضاً بقدرة شبكات النقل التقليدية على إيصال المنتجات إلى الأسواق.
مخاطر الملاحة
وفي الوقت الذي تضغط فيه المصافي على جانب العرض، تتفاقم المخاطر أيضاً في خطوط الشحن. فقد أعلنت خمسة من أكبر أندية الحماية والتعويض البحري في العالم تعليق جزء من تغطية مخاطر الحرب للسفن وناقلات النفط العابرة لمضيق باب المندب، بعد هجوم دامٍ على سفينة الشحن Tihamah قبالة سواحل المخا في اليمن.
وتشمل الشركات London P&I وSkuld وSwedish Club وNorthStandard وShipowners' Club، التي أوضحت أن بعض التغطيات المتعلقة بالحرب في البحر الأحمر وخليج عدن وأجزاء من المحيط الهندي ستنتهي خلال أيام.
ولا يعني تعليق التغطية بالضرورة توقف الملاحة، لكنه يرفع كلفتها ويزيد احتمالات حدوث تعطلات مؤقتة، لأن أندية التأمين ستحتاج إلى التفاوض على ترتيبات إعادة تأمين جديدة غالباً بأسعار أعلى. وبالنسبة لأسواق الوقود، فإن أي زيادة في تكلفة عبور أحد أهم الممرات البحرية تعني إضافة علاوة جديدة إلى أسعار الشحن، بما قد يعمق الفجوة بين تكلفة الخام عند المنبع وسعر المنتجات المكررة عند المستهلك النهائي.
تكرير منكمش
وعلى المدى الأطول، تبدو أوروبا أمام مشكلة هيكلية أشد خطورة. فبيانات «إس أند بي غلوبال» تشير إلى احتمال انكماش طاقة التكرير الأوروبية بنحو 20 % خلال العقد المقبل إلى ما يزيد قليلاً على 9 ملايين برميل يومياً بحلول 2035، بعدما كانت تقارب 14 مليون برميل يومياً مطلع القرن.
وفي الولايات المتحدة، يتوقع تراجع الطاقة التكريرية بنحو 7 % إلى 16.7 مليون برميل يومياً خلال الفترة نفسها، في حين تواصل المصافي في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا توسعها.
ورغم أن المصافي الأوروبية والأميركية تعمل هذا العام قرب طاقتها القصوى مستفيدة من ارتفاع الهوامش ونقص الوقود، فإن ذلك لا يلغي الاتجاه طويل الأجل. فالمنشآت الغربية تواجه منافسة من مصافٍ أحدث وأكثر كفاءة في الصين والهند والشرق الأوسط وأفريقيا، فضلاً عن تراجع الطلب المتوقع مع انتشار السيارات الكهربائية والهجينة.
وفي فرنسا وألمانيا، قفزت مبيعات هذه المركبات خلال النصف الأول من العام 63 % و48 % على التوالي، فيما أغلقت أوروبا نحو 500 ألف برميل يومياً من قدراتها التكريرية خلال العام الماضي وحده.
عودة الناقلات
وفي سوق النفط الروسي، ترسم الأسعار المنخفضة مساراً مختلفاً. فقد ارتفعت حصة الناقلات المرتبطة بدول مجموعة السبع وحلفائها في نقل صادرات الخام الروسي إلى 36.2% في يوليو، وهو أعلى مستوى في عام كامل، مقارنة بـ34.4 % في يونيو. ونقلت هذه الناقلات حصتها من صادرات روسية بلغت 4.3 ملايين برميل يومياً، لتسجل الزيادة الشهرية الرابعة على التوالي.
ويعود العامل الحاسم إلى هبوط خام الأورال؛ إذ تراجع متوسط سعره في ميناء بريمورسك من 60.30 دولاراً للبرميل في يونيو إلى 52.93 دولاراً في يوليو، بل هبط إلى أقل من 40 دولاراً في مطلع الشهر. وهذا التراجع جعل مزيداً من الشحنات مؤهلة للعمل ضمن سقوف الأسعار الغربية، وأعاد جزءاً من النشاط إلى الناقلات والتأمين الغربيين.
واستفادت شركات الشحن اليونانية بوضوح، لترفع الكميات المنقولة إلى 26.4 مليون برميل، وهو أعلى مستوى شهري في قرابة ثلاث سنوات، ما يؤكد أن انخفاض سعر الخام الروسي أصبح عاملاً مؤثراً في تغيير الجدوى الاقتصادية لاستخدام خدمات الشحن الغربية.
لكن «الأسطول الخفي» لم يفقد دوره بعد؛ إذ نقلت السفن غير المرتبطة بمجموعة السبع 73.5 مليون برميل في يوليو، رغم تزايد الأعباء التشغيلية والرقابية عليها. ورصدت المنظمة البحرية الدولية 115 حالة إزالة أو ادعاء غير صحيح لتسجيل الأعلام، شملت 105 ناقلات نفط وغاز ومواد كيميائية، فيما طالت العقوبات الغربية 108 منها.