الذهب يفقد بريقه… النفط والتضخم يعيدان تشكيل رهانات الأسواق
عاد الذهب إلى التراجع في الأسواق العالمية بعدما أعادت التطورات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إشعال أسعار النفط ورفع المخاوف من موجة تضخمية جديدة قد تدفع البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وبينما اعتادت الأسواق اعتبار الذهب ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات، فإن المشهد الحالي يبدو أكثر تعقيداً، إذ إن ارتفاع النفط والتضخم باتا يشكلان ضغطاً مباشراً على المعدن الأصفر بدلاً من دعمه.
وتراجعت أسعار الذهب في المعاملات الفورية بنحو 0.7 % لتصل إلى 4537.54 دولاراً للأونصة، في حين ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب بشكل طفيف إلى 4538.50 دولاراً، في تحرك يعكس حالة التردد التي تسيطر على المستثمرين بشأن مستقبل السياسة النقدية العالمية.
وجاءت هذه التحركات بعد تنفيذ الولايات المتحدة هجمات جديدة في جنوب إيران استهدفت زوارق ومواقع صاروخية قالت واشنطن إنها كانت تشكل تهديداً مباشراً للملاحة والقوات الأميركية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف بشأن أمن الطاقة العالمي.
النفط يضغط
ارتفاع أسعار النفط كان المحرك الأساسي لتحركات الأسواق خلال الساعات الأخيرة، بعدما قفز خام برنت بنحو 2 % مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران. ويخشى المستثمرون من أن تؤدي أي اضطرابات إضافية في الخليج إلى تعطيل الإمدادات العالمية ورفع تكاليف الطاقة والنقل والصناعة.
هذه التطورات تعيد إلى الأذهان موجات التضخم التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية، حين تسبب ارتفاع أسعار الطاقة في زيادة تكاليف المعيشة والإنتاج بشكل واسع، ما دفع البنوك المركزية إلى تنفيذ أكبر دورة رفع للفائدة منذ عقود.
ويرى محللون أن الأسواق بدأت تدرك أن أي اتفاق سياسي محتمل بين الولايات المتحدة وإيران لن يكون كافياً لإعادة الأمور إلى طبيعتها بسرعة، خصوصاً في ظل الأضرار التي لحقت ببعض منشآت الطاقة والمخاطر الأمنية المستمرة في المنطقة.
رهانات الفائدة
أحد أبرز الأسباب التي ضغطت على الذهب يتمثل في تغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة الأميركية. فقبل أسابيع، كانت الأسواق تراهن على إمكانية بدء دورة خفض للفائدة خلال العام الجاري مع تباطؤ التضخم والنمو الاقتصادي، لكن عودة التوترات النفطية أعادت هذه التوقعات إلى نقطة الصفر تقريباً.
وقال محللون إن الأسواق باتت تتوقع احتمالات مرتفعة جداً لبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، خصوصاً إذا استمرت أسعار النفط بالصعود أو تعرضت الإمدادات العالمية لمزيد من الاضطراب.
وهذا التحول انعكس سريعاً على حركة الدولار الأميركي وعوائد السندات، حيث شهدت الأسواق ارتفاعاً في الطلب على الأصول ذات العائد، ما زاد الضغوط على الذهب والمعادن النفيسة الأخرى.
مفاوضات متعثرة
ورغم استمرار المحادثات السياسية بين واشنطن وطهران، فإن الأسواق تبدو أقل تفاؤلاً بشأن قرب التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب المستمرة منذ ثلاثة أشهر. فقد زار كبير المفاوضين الإيرانيين ووزير الخارجية الدوحة لإجراء محادثات مع رئيس الوزراء القطري بشأن اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة، لكن التصعيد العسكري الأخير قلل من احتمالات حدوث انفراجة سريعة.
ويرى المستثمرون أن استمرار العمليات العسكرية، حتى لو كانت محدودة، يعني أن المخاطر الجيوسياسية ستبقى مرتفعة خلال الفترة المقبلة، وهو ما يبقي الأسواق في حالة توتر دائم.
كما أن التجارب السابقة أظهرت أن المفاوضات بين واشنطن وطهران غالباً ما تواجه عقبات مفاجئة في اللحظات الأخيرة، ما يجعل المستثمرين أكثر حذراً في بناء رهانات طويلة الأجل على أي تسوية سياسية.
المعادن تتراجع
التراجع لم يقتصر على الذهب فقط، بل شمل معظم المعادن النفيسة الأخرى، في إشارة إلى تحول عام في مزاج المستثمرين تجاه هذه الأصول. فقد انخفضت الفضة في المعاملات الفورية بنحو 1.8 % إلى 76.66 دولاراً للأونصة، فيما خسر البلاتين 0.9 % وتراجع البلاديوم 1.1 %.
هذا الأداء يعكس انتقال جزء من السيولة نحو أصول أخرى مرتبطة بالطاقة أو الدولار، بدلاً من المعادن النفيسة التي تتعرض لضغوط بسبب ارتفاع الفائدة والعوائد.
كما أن تباطؤ النشاط الصناعي العالمي في بعض الاقتصادات الكبرى يزيد الضغوط على المعادن المستخدمة في الصناعة مثل الفضة والبلاتين والبلاديوم، ما يضيف عاملاً آخر وراء التراجعات الحالية.
التضخم يعود
المخاوف الأساسية في الأسواق تدور حالياً حول عودة التضخم العالمي إلى الارتفاع بعد أشهر من التراجع التدريجي. فارتفاع أسعار النفط يعني زيادة تكاليف النقل والطاقة والإنتاج، وهو ما ينعكس لاحقاً على أسعار السلع والخدمات حول العالم.
وهذا السيناريو يثير قلق المستثمرين لأن البنوك المركزية كانت تأمل في بدء مرحلة أكثر مرونة في السياسة النقدية خلال النصف الثاني من العام، لكن أي صدمة نفطية جديدة قد تجبرها على الإبقاء على التشديد لفترة أطول.
ويرى اقتصاديون أن العالم لا يزال هشاً أمام صدمات الطاقة، خصوصاً في ظل تباطؤ النمو العالمي وارتفاع مستويات الدين الحكومي والخاص في العديد من الاقتصادات الكبرى.
الدولار يستفيد
في المقابل، استفاد الدولار الأميركي من التطورات الحالية باعتباره ملاذاً آمناً وعملة رئيسية للطاقة العالمية. وعادة ما يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة الضغوط على الذهب، لأن المعدن يصبح أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى.
كما أن ارتفاع عوائد السندات الأميركية جذب جزءاً من السيولة بعيداً عن الذهب، إذ يفضل بعض المستثمرين الأصول التي توفر عائداً ثابتاً في بيئة تتسم بارتفاع الفائدة وعدم اليقين.
هذا التوازن بين المخـاطــر الجيوسياسية والعوامل النقدية يفسر الأداء المتذبذب للذهب خلال الفترة الحالية، حيث يجد المعدن نفسه عالقاً بين قوة الطلب على الملاذات الآمنة وضغوط الفائدة المرتفعة.
أسواق قلقة
تعيش الأسواق العالمية حالياً حالة من القلق العميق بسبب تداخل العوامل الجيوسياسية مع المخاطر الاقتصادية والنقدية. فالتوتر في الخليج لا يهدد فقط أسعار الطاقة، بل يمتد تأثيره إلى التضخم وأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي العالمي.
كما أن المستثمرين يخشون من اتساع نطاق التوترات إذا فشلت المفاوضات السياسيــة أو تعرضت الملاحة البحرية لمزيد من الاضطرابات، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
وفي الوقت نفسه، فإن أي اختراق سياسي مفاجئ قد يؤدي إلى تراجع سريع في أسعار النفط وتحسن معنويات الأسواق، لكن المستثمرين لا يزالون يرون أن هذا السيناريو يحتاج إلى وقت وضمانات أمنية واضحة.
مرحلة حساسة
المشهد الحالي يؤكد أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة شديدة الحساسية تجاه التطورات الجيوسياسية، خصوصاً في الشرق الأوسط الذي يبقى القلب النابض لسوق الطاقة العالمية. فكل تحرك عسكري أو تصريح سياسي بات ينعكس فوراً على النفط والذهب والدولار والأسهم والسندات.
وفي ظل استمرار الغموض بشأن مستقبل المفاوضات الأميركية الإيرانية، تبدو الأسواق مضطرة للتعايش مع مستويات مرتفعة من التقلبات وعدم اليقين خلال الفترة المقبلة.
وبين ارتفاع النفط وضغوط التضخم وتغير توقعات الفائدة، يجد الذهب نفسه أمام معادلة صعبة قد تبقيه تحت الضغط حتى تتضح صورة المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بصورة أكبر.