الذهب يفقد بريقه مؤقتا… حقق خسائر أسبوعية جديدة
دخل الذهب مرحلة جديدة من الضغوط في الأسواق العالمية بعدما اتجه لتسجيل ثاني خسارة أسبوعية على التوالي، متأثراً بمزيج معقد من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، أبرزها ارتفاع أسعار النفط، وصعود الدولار الأميركي، وتجدد المخاوف بشأن التضخم العالمي واحتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال الأشهر المقبلة.
وتراجعت أسعار الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.9 % خلال جلسة الجمعة لتصل إلى 4502.59 دولارات للأوقية، بعدما هبط المعـدن النفيس بأكثـر من 1 % في وقت سابق من التداولات. وعلى أساس أسبوعي، سجل الذهب خسارة تقارب 0.8 %، في وقت شهدت فيه الأسواق العالمية تقلبات حادة مرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط وتعطل سلاسل الإمداد العالمية.
كما انخفضت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم يونيو بنسبة مماثلة بلغت 0.9 % لتصل إلى 4502.70 دولارات، ما يعكس استمرار الضغوط البيعية على المعدن النفيس رغم استمرار حالة القلق الجيوسياسي في الأسواق.
ويأتي هذا التراجع في وقت كان يُتوقع فيه أن يستفيد الذهب من تصاعد المخاطر العالمية، باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة التقليدية، إلا أن تحركات الدولار الأميركي وارتفاع عوائد السندات الأميركية قلبت المعادلة لصالح الأصول المدرة للعوائد.
النفط والتضخم
أحد أبرز العوامل التي ضغطت على الذهب خلال الأيام الأخيرة كان الارتفاع المتواصل في أسعار النفط العالمية، مع استمرار حالة الغموض بشأن محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار المخاوف المتعلقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويؤدي ارتفاع أسعار النفط عادة إلى زيادة المخاوف التضخمية عالمياً، نظراً لانعكاس تكاليف الطاقة على النقل والصناعة والخدمات وأسعار السلع الاستهلاكية. ومع تصاعد هذه المخاوف، بدأت الأسواق تعيد تسعير توقعاتها لمسار السياسة النقدية الأميركية.
وقالت المحللة لدى «ستون إكس»، رونا أوكونيل، إن المشاركين في الأسواق يعيشون حالة ارتباك شديدة بسبب تركيز الأنظار على مضيق هرمز وما يرتبط به من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي يعزز القلق من التضخم ويرفع احتمالات تشديد السياسة النقدية.
ويرى محللون أن الأسواق باتت تنظر إلى أسعار الطاقة باعتبارها العامل الأكثر تأثيراً حالياً على التضخم العالمي، خاصة بعد تجاوز النفط حاجز 100 دولار للبرميل في ظل استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
كما أن استمرار تعطل تدفقات النفط والشحن البحري في المنطقة يزيد المخاوف من حدوث موجة تضخمية ممتدة قد تدفع البنوك المركزية الكبرى إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول من المتوقع.
السندات الأميركية
عززت عوائد سندات الخزانة الأميركية الضغوط على الذهب بعدما ارتفعت مجدداً واقتربت من أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام. ويمثل ارتفاع العوائد تحدياً كبيراً للمعدن الأصفر، لأنه يزيد جاذبية الأصول ذات العائد الثابت مقارنة بالأصول التي لا تحقق عائداً مثل الذهب.
وشهدت الأسواق عمليات بيع واسعة في سوق السندات خلال الأيام الماضية مع تصاعد المخاوف من استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة، ما دفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات الحكومية الأميركية.
ويرى اقتصاديون أن استمرار ارتفاع العوائد قد يبقي الذهب تحت الضغط لفترة أطول، خصوصاً إذا واصل الاحتياطي الفيدرالي إرسال إشارات متشددة بشأن أسعار الفائدة.
وفي الوقت نفسه، تراقب الأسواق عن كثب أي تصريحات من مسؤولي البنك المركزي الأميركي قد تعطي إشارات حول توقيت أي رفع إضافي للفائدة خلال الفترة المقبلة.
رهانات الفيدرالي
وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي»، ارتفعت احتمالات قيام مجلس الاحتياطي الاتحادي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل بحلول ديسمبر المقبل إلى نحو 58 %.
وتعكس هذه التوقعات اقتناع جزء كبير من المستثمرين بأن الفيدرالي الأميركي قد يضطر للعودة إلى تشديد السياسة النقدية إذا استمرت الضغوط التضخمية الحالية، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط والطاقة.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة إلى إبقاء الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، وهو ما ينعكس سلباً على الذهب والمعادن النفيسة بشكل عام.
كما أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية تجاه أي بيانات اقتصادية أميركية تتعلق بالتضخم أو سوق العمل أو ثقة المستهلكين، لأن هذه المؤشرات قد تؤثر مباشرة على قرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة.
ويرى محللون أن الذهب يواجه حالياً معركة مزدوجة، فمن جهة يستفيد من القلق الجيوسياسي والتوترات العالمية، لكنه في المقابل يتعرض لضغوط قوية بسبب ارتفاع الفائدة والدولار والعوائد الأميركية.
اضطراب الأسواق
التوترات المرتبطة بمضيق هرمز لا تزال تمثل أحد أبرز مصادر القلق في الأسواق العالمية، حيث يخشى المستثمرون من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى اضطرابات واسعة في تجارة الطاقة العالمية.
ويعد المضيق أحد أهم ممرات النفط والغاز في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس الإمدادات العالمية من الطاقة، ما يجعل أي تعطيل لحركة الملاحة فيه مؤثراً بشكل مباشر على أسعار النفط والتضخم العالمي.
كما أن شركات الشحن والتأمين رفعت بالفعل تكاليف النقل البحري في المنطقة، وهو ما يزيد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية ويهدد بارتفاع إضافي في أسعار السلع.
ويرى مراقبون أن الأسواق دخلت مرحلة تتداخل فيها العوامل السياسية والعسكرية مع السياسات النقدية بشكل غير مسبوق، ما يزيد صعوبة التنبؤ باتجاهات الأصول المختلفة.
وفي ظل هذه البيئة المعقدة، يتحرك المستثمرون بسرعة بين الأصول بحثاً عن التوازن بين الأمان والعائد، وهو ما يفسر التقلبات الحادة التي تشهدها أسواق الذهب والعملات والطاقة والسندات في الوقت نفسه.
المعادن النفيسة
لم تكن الضغوط مقتصرة على الذهب وحده، إذ تعرضت بقية المعادن النفيسة أيضاً لموجة خسائر واسعة خلال الأسبوع الحالي.
فقد تراجعت الفضة بنسبة 1.9 % إلى 75.28 دولاراً للأوقية، بينما انخفض البلاتين 2.5 % إلى 1916.62 دولاراً، وهبط البلاديوم 2.1 % إلى 1349.30 دولاراً.
وتتجه المعادن الثلاثة لتسجيل خسائر أسبوعية ملحوظة مع تزايد الضغوط المرتبطة بالدولار والعوائد الأميركية والمخاوف من تشديد السياسة النقدية.
كما أن بعض المعادن الصناعية الثمينة تأثرت أيضاً بالمخاوف المتعلقة بالنمو الاقتصادي العالمي، إذ يخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والفائدة إلى تباطؤ النشاط الصناعي خلال الفترة المقبلة.
ويرى محللون أن المرحلة الحالية تمثل واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في أسواق المعادن منذ سنوات، لأن العوامل التي تدعم الأسعار والعوامل التي تضغط عليها تتحرك في الاتجاهين بشكل متزامن.