السيارة تستنزف الأمريكيين.. الوقود والصيانة يضاعفان الضغوط المعيشية
لم تعد أزمة السائق الأمريكي مرتبطة فقط بأسعار الوقود التي تتغير يومياً على لوحات محطات البنزين، بل امتدت إلى تكاليف صيانة السيارات التي بدأت تتحول تدريجياً إلى عبء مالي إضافي يضغط على ملايين الأسر في الولايات المتحدة، وسط تصاعد أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التشغيل في مختلف القطاعات المرتبطة بالسيارات.
وفي وقت كان كثير من السائقين يعتبرون تغيير الزيت أو الصيانة الدورية أمراً روتينياً يمكن تأجيله لأيام أو أسابيع دون تأثير كبير، باتت هذه الخدمات اليوم تمثل تكلفة حقيقية تثقل الميزانيات الشهرية، خاصة مع تزامنها مع ارتفاع أقساط القروض والتأمين وأسعار الوقود.
ضغوط متراكمة
تتزايد معاناة المستهلك الأمريكي مع دخول موسم السفر الصيفي الذي يبدأ عادة مع عطلة «يوم الذكرى» في الخامس والعشرين من مايو، وهي الفترة التي تشهد أعلى معدلات استخدام السيارات والرحلات البرية داخل الولايات المتحدة.
لكن هذا العام يأتي مختلفاً، إذ يجد السائق الأمريكي نفسه أمام موجة متزامنة من ارتفاع أسعار البنزين وتكاليف الصيانة والخدمات المرتبطة بالسيارات، في وقت لا تزال فيه معدلات الفائدة المرتفعة تضغط على القدرة الشرائية للأسر.
ويرى خبراء في قطاع السيارات أن تداعيات الحرب لم تعد مقتصرة على أسواق النفط فقط، بل بدأت تمتد إلى مختلف المنتجات المشتقة من الطاقة، بما في ذلك زيوت المحركات وقطع الغيار والخدمات التشغيلية، وهو ما أدى إلى زيادة مباشرة في تكاليف تشغيل السيارات.
ويقول رئيس جمعية الصيانة الوقائية للسيارات الأمريكية جيسون ليون إن السوق تجاوز مرحلة امتصاص الصدمات، موضحاً أن الشركات الكبرى الموردة بدأت بالفعل في تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلك النهائي بصورة مباشرة.
صيانة أكثر كلفة
خلال الأشهر الماضية، ارتفعت تكلفة تغيير الزيت والصيانة الروتينية بشكل واضح في معظم الولايات الأمريكية، بعدما كانت تتراوح بين 80 و100 دولار في السابق، لتصل حالياً إلى ما بين 100 و120 دولاراً، مع تسجيل مستويات أعلى في بعض المناطق.
ولا ترتبط هذه الزيادة فقط بارتفاع أسعار المواد الأساسية، بل تشمل أيضاً تكاليف العمالة والنقل والتشغيل، ما يدفع ورش الصيانة والشركات المتخصصة إلى رفع أسعار خدماتها للحفاظ على هوامش الربحية.
وتشير تقديرات قطاع السيارات إلى أن الأمريكيين أنفقوا نحو 73 مليار دولار على خدمات تغيير الزيت والإصلاحات العامة خلال عام 2024، ما يعكس حجم القطاع وتأثيره المباشر على إنفاق الأسر.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية، بدأ كثير من السائقين يؤجلون أعمال الصيانة غير الضرورية، بل وحتى بعض الخدمات الأساسية، في محاولة لتخفيف الأعباء الشهرية، رغم إدراكهم أن هذا التأجيل قد يؤدي لاحقاً إلى أعطال أكبر وأكثر كلفة.
ويؤكد مسؤولون في القطاع أن بعض ورش الإصلاح تستعد حالياً لرفع أسعار خدماتها بنسبة تتراوح بين 10% و20% خلال الفترة المقبلة، مع استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل.
الوقود يضاعف الأزمة
في المقابل، تواصل أسعار الوقود ممارسة ضغط إضافي على المستهلك الأمريكي، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتزايد المخاوف المرتبطة بحركة الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وخلال عطلة «يوم الذكرى» العام الماضي، بلغ متوسط سعر جالون البنزين نحو 3.18 دولار، إلا أن الأسعار ارتفعت حالياً إلى حوالي 4.53 دولار للجالون، وهو ما يهدد بزيادة كلفة السفر والتنقل خلال موسم الصيف.
ولا يقتصر التأثير على أصحاب السيارات الخاصة فقط، إذ ارتفعت أيضاً أسعار الديزل المستخدم في الشاحنات ووسائل النقل التجارية إلى نحو 5.65 دولار للجالون، مقارنة مع 3.53 دولار قبل عام.
ويعني ذلك أن ارتفاع تكاليف النقل سيؤدي بدوره إلى زيادة أسعار السلع والخدمات في الأسواق الأمريكية، مع انتقال جزء من الأعباء التشغيلية إلى المستهلك النهائي.
مخاوف تضخمية
يرى محللون اقتصاديون أن استمرار ارتفاع تكاليف الوقود والصيانة قد يضيف ضغوطاً جديدة على معدلات التضخم في الولايات المتحدة، خاصة إذا استمرت أسعار النفط عند مستوياتها المرتفعة الحالية.
كما أن اعتماد الأمريكيين الكبير على السيارات في التنقل اليومي يجعل أي زيادة في تكاليف التشغيل تنعكس مباشرة على الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما قد يدفع الأسر إلى تقليص نفقات أخرى لمواجهة فاتورة النقل والصيانة المتصاعدة.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو السيارة بالنسبة لكثير من الأمريكيين أقل ارتباطاً بالراحة والتنقل، وأكثر ارتباطاً بالأعباء اليومية التي تتزايد مع كل ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو خدمات الصيانة، لتتحول تدريجياً من وسيلة ضرورية للحياة إلى مصدر دائم للضغط المالي.