العملات الرقمية أمام اختبار الكم
دخلت صناعة العملات الرقمية مرحلة جديدة من القلق التكنولوجي، مع تسارع التطورات في مجال الحوسبة الكمومية وارتفاع المخاوف من قدرة هذه التكنولوجيا مستقبلاً على اختراق أنظمة التشفير التي تقوم عليها العملات الرقمية وسلاسل الكتل حول العالم.
وبعد سنوات طويلة اعتُبر خلالها التهديد الكمومي مجرد احتمال بعيد، بدأت كبرى شركات العملات الرقمية ومطورو البلوك تشين التحرك بصورة متسارعة لتأمين البنية التحتية الرقمية ضد ما يعرف بعصر «ما بعد الكم»، وسط توقعات متزايدة بأن تصبح الحواسيب الكمومية العملية واقعاً خلال أقل من خمس سنوات.
ويثير هذا التحول مخاوف عميقة داخل قطاع الأصول الرقمية، لأن نجاح الحواسيب الكمومية في كسر التشفير الحالي قد يهدد سلامة المحافظ الرقمية والمعاملات وسلاسل الكتل، بل وقد يسمح بسرقة العملات المشفرة بصورة يصعب تتبعها أو استردادها.
تهديد متصاعد
ازدادت المخاوف داخل صناعة العملات الرقمية مع تسارع الاستثمارات العالمية في قطاع الحوسبة الكمومية، خصوصاً بعد الدعم الأميركي الكبير لهذا المجال.
وأعلنت الحكومة الأميركية أخيراً استحواذها على حصص بقيمة ملياري دولار في شركات متخصصة بالحوسبة الكمومية، في خطوة تعكس حجم الرهان الاستراتيجي على هذه التكنولوجيا التي يُعتقد أنها ستعيد تشكيل الاقتصاد الرقمي العالمي.
ويأتي ذلك في وقت بدأت فيه شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل غوغل ومايكروسوفت وعدد من الشركات الناشئة، تسريع أبحاث تطوير الحواسيب الكمومية القادرة على تنفيذ عمليات حسابية تتجاوز قدرات الحواسيب التقليدية بمراحل هائلة.
ويرى خبراء أن التطورات الأخيرة قلّصت الجدول الزمني المتوقع للوصول إلى حواسيب كمومية فعالة، بعدما كان يُعتقد سابقاً أن الأمر يحتاج إلى عقود طويلة.
وبات كثير من العاملين في قطاع العملات الرقمية ينظرون إلى التهديد باعتباره خطراً حقيقياً يتطلب استعداداً فورياً، وليس مجرد سيناريو نظري بعيد المدى.
كيف تعمل؟
تعتمد الحواسيب التقليدية الحالية على «البتات الثنائية» التي تتخذ قيمة صفر أو واحد فقط، بينما تستخدم الحواسيب الكمومية «الكيوبتات»، القادرة على تمثيل حالات متعددة في الوقت نفسه.
وتمنح هذه الخاصية الحواسيب الكمومية قدرة هائلة على إجراء عمليات حسابية معقدة بسرعات ضخمة للغاية، خصوصاً في مسائل تحليل الأرقام الكبيرة وكسر أنظمة التشفير. ويُعد التشفير القائم على تحليل الأعداد الأولية الكبيرة أساس حماية معظم الأنظمة الرقمية الحالية، بما فيها العملات المشفرة والأنظمة المصرفية والاتصالات العسكرية.
لكن إذا نجحت الحواسيب الكمومية في الوصول إلى مستوى متقدم من الاستقرار والدقة، فقد تصبح قادرة نظرياً على فك هذه الشيفرات خلال وقت قصير نسبياً، وهو ما يهدد البنية الأمنية للإنترنت المالي الحديث بالكامل.
خطر المحافظ
يُنظر إلى المحافظ الرقمية باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية أمام التهديد الكمومي، نظراً لطبيعة عملها القائمة على المفاتيح المشفرة.
وتحتوي كل محفظة رقمية على مفتاح عام يمثل عنوان استقبال العملات، إضافة إلى مفتاح خاص سري يتيح لصاحبه التحكم الكامل بالأصول الرقمية الموجودة داخل المحفظة.
ويكمن الخطر في أن الحواسيب الكمومية قد تتمكن مستقبلاً من استخراج المفاتيح الخاصة انطلاقاً من المفاتيح العامة، وهو ما يعني إمكانية السيطرة على المحافظ وسرقة العملات.
وتزداد حساسية هذا السيناريو بسبب طبيعة العملات الرقمية نفسها، إذ إن التحويلات على سلاسل الكتل غالباً تكون غير قابلة للإلغاء أو الاسترداد، ما يجعل أي اختراق واسع النطاق كارثياً على السوق بأكمله.
كما أن غياب الوسطاء التقليديين في عالم العملات الرقمية يزيد صعوبة التدخل لوقف الأموال أو استرجاعها، على عكس الأنظمة المصرفية التقليدية التي تمتلك أدوات رقابية وقانونية متعددة.
غوغل تدق ناقوس الخطر
زادت المخاوف بعد نشر غوغل ورقة بحثية في أبريل الماضي تناولت المخاطر الكمومية المحتملة على العملات الرقمية والبنية التحتية المشفرة.
وأشارت الدراسة إلى أن اختراق أنظمة التشفير قد يتطلب موارد أقل بكثير مما كان يُعتقد سابقاً، ما يعني أن الوصول إلى قدرات هجومية فعالة قد يحدث أسرع من التوقعات السابقة.
كما حدد الباحثون نقاط ضعف محتملة داخل أنظمة العملات الرقمية والمحافظ وسلاسل الكتل، داعين القطاع إلى التحرك مبكراً لتطوير حلول حماية جديدة.
وأكد الباحث الرئيسي في الدراسة ريان بابوش أن الهدف يتمثل في رفع مستوى الوعي داخل مجتمع العملات الرقمية وتقديم توصيات عملية لتعزيز الأمن والاستقرار.
ويرى مراقبون أن تحذيرات غوغل ساهمت في تسريع حالة الاستنفار داخل القطاع، خصوصاً مع تصاعد التوقعات بأن الحوسبة الكمومية قد تصبح تحدياً فعلياً خلال سنوات قليلة.
سباق التحصين
دفعت هذه التطورات كبرى شركات العملات الرقمية إلى إطلاق خطط واسعة لحماية أنظمتها من التهديد الكمومي.
وتعمل شركة «ريبل إكس»، الذراع التقنية لمجموعة ريبل، على تطوير بنية تشفير جديدة تعتمد على ما يعرف بالتشفير «ما بعد الكمي»، مع إعطاء أولوية قصوى لتأمين المحافظ الرقمية.
وأكدت الشركة أنها تتوقع تحويل بنيتها التحتية بالكامل إلى أنظمة مقاومة للحوسبة الكمومية خلال العامين المقبلين.
كما بدأت شركة «سيركل»، مصدرة العملات المستقرة، إعداد سلسلة الكتل الخاصة بها لعالم ما بعد الكم، عبر تطوير محافظ وأنظمة تشفير جديدة مقاومة للهجمات الكمومية.
وفي الوقت نفسه، شكلت مؤسسة «إيثيريوم» فرقاً متخصصة لدراسة سيناريوهات ما بعد الحوسبة الكمومية ووضع خطط طويلة الأجل لتحديث الشبكة.
كذلك وضعت مجموعة «ترون» التابعة لرائد الأعمال جاستن صن خططاً تقنية تفصيلية للتعامل مع التهديدات المستقبلية.
استثمارات ضخمة
يحذر خبراء القطاع من أن عملية الانتقال إلى أنظمة تشفير مقاومة للحوسبة الكمومية ستكون معقدة ومكلفة للغاية.
ويقول محللون إن صناعة العملات الرقمية قد تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات لتحديث البنية التحتية الرقمية والمحافظ والعقود الذكية والشبكات المختلفة.
وأشار غوتام تشوغاني، كبير محللي الأصول الرقمية العالمية في «بيرنشتين»، إلى أن القطاع قد يحتاج بين ثلاث وخمس سنوات للتحضير الكامل للتهديد القادم.
وأضاف أن حجم الاستثمارات المطلوبة قد يصل إلى «مليارات أو حتى مئات المليارات من الدولارات»، نظراً لضخامة الأنظمة التي تحتاج إلى تحديث وإعادة بناء.
كما تواجه الشركات تحدياً إضافياً يتمثل في ضرورة تنفيذ هذه التحولات دون التأثير على استقرار الشبكات أو فقدان ثقة المستخدمين.
المؤسسات المالية في دائرة الخطر
لا يقتصر التهديد الكمومي على العملات الرقمية وحدها، بل يمتد أيضاً إلى المؤسسات المالية التقليدية التي توسعت خلال السنوات الأخيرة في استخدام تقنيات البلوك تشين والرموز الرقمية.
وتستثمر بنوك كبرى ومؤسسات مالية عالمية حالياً في تطوير أنظمة دفع وتسوية تعتمد على سلاسل الكتل، كما تدرس استخدام العملات الرقمية والرموز الممثلة للأصول.
لكن أي اختراق محتمل لأنظمة التشفير المستقبلية قد يهدد هذه الاستثمارات ويعرض الأنظمة المالية الرقمية الحديثة لمخاطر أمنية كبيرة.
ويرى خبراء أن الحوسبة الكمومية قد تدفع القطاع المالي بأكمله إلى إعادة بناء معايير الأمن السيبراني والتشفير خلال العقد المقبل.