تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تهتز‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية

العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تهتز‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية

تراجعت العملات المشفرة خلال تعاملات الإثنين، في موجة هبوط جديدة قادتها البيتكوين التي انخفضت دون مستوى 81 ألف دولار، وسط تصاعد القلق العالمي نتيجة استمرار التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة المخاوف من اتساع الحرب في الشرق الأوسط وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية.
وجاءت الضغوط على الأصول الرقمية بعدما رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الرد الإيراني على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، في خطوة بددت الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق سريع يخفف حدة التوترات الجيوسياسية ويعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وتراجعت البيتكوين بنسبة 0.88% لتصل إلى 80.707 ألف دولار، بينما انخفضت الإيثريوم بنحو 1.44 % إلى 2329 دولاراً، كما تراجعت الريبل بنسبة 0.14 % إلى 1.448 دولار، في وقت شهدت فيه الأسواق العالمية حالة من الحذر الشديد واتجاه المستثمرين نحو تقليص مراكز المخاطرة.
ويعكس هذا الأداء مدى حساسية سوق العملات المشفرة للتطورات السياسية والاقتصادية العالمية، رغم الصورة التي حاولت بعض الأوساط الاستثمارية ترسيخها خلال السنوات الماضية باعتبار العملات الرقمية بديلاً مستقلًا عن النظام المالي التقليدي أو ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات.

التوترات الجيوسياسية تضغط على شهية المخاطرة

جاء تراجع العملات المشفرة بالتزامن مع ارتفاع واضح في حالة القلق داخل الأسواق العالمية، بعد تعثر محادثات السلام واستمرار التوترات في منطقة الخليج، خصوصاً مع بقاء مضيق هرمز تحت ضغوط أمنية وعسكرية متواصلة.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار الحرب إلى اضطراب أوسع في إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما قد يرفع معدلات التضخم ويزيد احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي يضغط بصورة مباشرة على الأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها العملات المشفرة.
وعادة ما تتعرض الأصول الرقمية لموجات بيع خلال فترات عدم اليقين الجيوسياسي، إذ يميل المستثمرون إلى التحول نحو السيولة النقدية أو الأصول التقليدية الأكثر استقراراً مثل الدولار والسندات الحكومية.
كما أن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن اضطرابات الشرق الأوسط يضيف عامل ضغط إضافياً على الأسواق، لأن المستثمرين يدركون أن أي قفزة في الطاقة قد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي وتشديد أطول للسياسة النقدية.

الدولار يستعيد جاذبيته

ساهم صعود الدولار الأمريكي في زيادة الضغوط على سوق العملات المشفرة، بعدما عززت التوترات السياسية والاقتصادية الطلب على العملة الأمريكية باعتبارها الملاذ الأكثر أمانًا في فترات الاضطراب العالمي.
ومع ارتفاع الدولار، تصبح الاستثمارات المضاربية مثل العملات الرقمية أقل جاذبية نسبياً، خاصة في ظل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة خلال المدى القريب.
ويرى محللون أن التحركات الأخيرة تؤكد استمرار الترابط القوي بين سوق العملات المشفرة والسيولة العالمية، إذ تعتمد الأصول الرقمية بدرجة كبيرة على تدفقات الأموال الرخيصة وتوقعات التيسير النقدي.
وفي حال استمر الفيدرالي الأمريكي في تبني سياسة نقدية مشددة بسبب ارتفاع التضخم وأسعار الطاقة، فقد تواجه العملات المشفرة ضغوطاً إضافية خلال الأشهر المقبلة.

البيتكوين بين
«الذهب الرقمي» والواقع

أعادت التطورات الحالية النقاش مجدداً حول قدرة البيتكوين على أداء دور «الذهب الرقمي» أو الملاذ الآمن في أوقات الأزمات.
فعلى الرغم من أن بعض المستثمرين كانوا يتوقعون أن تستفيد العملات المشفرة من تصاعد التوترات العالمية، فإن الأداء الفعلي أظهر أن البيتكوين ما تزال تُعامل في كثير من الأحيان كأصل عالي المخاطر يتأثر بحركة السيولة العالمية وشهية المستثمرين للمخاطرة.
وخلال الأزمات الكبرى، غالباً ما يتجه المستثمرون إلى الدولار والذهب والسندات الحكومية، بينما تتعرض العملات الرقمية لتقلبات حادة بسبب طبيعتها المضاربية واعتمادها الكبير على ثقة المستثمرين.
ويرى خبراء أن سوق الكريبتو لم يصل بعد إلى مرحلة النضج الكافية التي تسمح له بالتحول الكامل إلى ملاذ آمن تقليدي، خصوصاً في ظل استمرار التقلبات التنظيمية وغياب إطار عالمي موحد لتنظيم الأصول الرقمية.

النفط والتضخم يربكان الأسواق

شكلت القفزة الأخيرة في أسعار النفط عاملاً رئيسياً في الضغط على العملات المشفرة والأسواق المالية عمومًا، إذ يخشى المستثمرون من أن تؤدي اضطرابات الطاقة إلى موجة تضخم جديدة تعقد مهمة البنوك المركزية العالمية.
فمع بقاء مضيق هرمز مغلقًا إلى حد كبير واستمرار اضطراب الشحن البحري، ارتفعت أسعار الخام بصورة حادة، ما عزز التوقعات باستمرار الضغوط التضخمية لفترة أطول من المتوقع.
وتعتبر العملات المشفرة من أكثر الأصول تأثراً بتحولات السياسة النقدية، لأن ارتفاع أسعار الفائدة يقلل من شهية المستثمرين تجاه الأصول المضاربية ويزيد تكلفة التمويل والسيولة في الأسواق.
كما أن ارتفاع التضخم يخلق بيئة أكثر تعقيداً للمستثمرين، إذ يجبر البنوك المركزية على الإبقاء على الفائدة مرتفعة، وهو ما ينعكس سلباً على تقييمات الأصول عالية النمو والمخاطر.

الأسواق تترقب قمة بكين

في موازاة التطورات العسكرية، تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين هذا الأسبوع، حيث سيعقد قمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ لمناقشة مجموعة واسعة من الملفات السياسية والاقتصادية.
وتشمل أجندة اللقاء قضايا التجارة والتكنولوجيا وضوابط تصدير العناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى ملفي تايوان والحرب في الشرق الأوسط، وهي ملفات تملك تأثيراً مباشراً على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا.
ويرى المستثمرون أن نتائج القمة قد تلعب دوراً مهماً في تحديد اتجاه الأسواق خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا إذا نجحت واشنطن وبكين في تخفيف حدة التوترات التجارية والسياسية، أو إذا ظهرت مؤشرات على تعاون أكبر بشأن الأزمة الإيرانية.
لكن في المقابل، يخشى المتعاملون من أن تؤدي الخلافات بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم إلى تعميق حالة الضبابية العالمية، خصوصًا في ظل التوترات العسكرية الحالية وارتفاع الحساسية تجاه أي اضطرابات في التجارة أو الطاقة.

السيولة العالمية تبقى
العامل الحاسم

يرى محللون أن مستقبل العملات المشفرة خلال المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على اتجاه السياسة النقدية الأمريكية ومسار الاقتصاد العالمي أكثر من اعتماده على التطورات التقنية وحدها.
فإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة وواصل التضخم ضغوطه على الاقتصاد العالمي، فقد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما قد يحد من قدرة البيتكوين وبقية العملات الرقمية على استعادة موجات الصعود القوية.
أما إذا هدأت التوترات الجيوسياسية وتراجعت أسعار الطاقة وعادت التوقعات بشأن خفض الفائدة، فقد تستعيد العملات المشفرة جزءاً من زخمها، خصوصاً مع عودة السيولة إلى الأسواق العالمية.
لكن حتى ذلك الحين، تبدو الأصول الرقمية عالقة بين ضغوط الاقتصاد الكلي وتقلبات السياسة العالمية، في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً منذ ظهور سوق العملات المشفرة الحديثة.

رجوع لأعلى