المركزي الأوروبي أمام اختبار التضخم
تدخل منطقة اليورو مرحلة نقدية شديدة الحساسية مع تصاعد الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ موقف أكثر تشدداً في مواجهة موجة تضخمية جديدة بدأت تتشكل بفعل الحرب المرتبطة بإيران واضطرابات أسواق الطاقة العالمية.
وباتت الأسواق الأوروبية تترقب اجتماع السياسة النقدية المرتقب يومي 10 و11 يونيو المقبل باعتباره أحد أهم الاجتماعات منذ سنوات، وسط توقعات متزايدة بأن يضطر البنك المركزي الأوروبي إلى إعادة النظر في مسار التيسير النقدي الذي كان مطروحاً قبل أشهر قليلة فقط.
وتزايدت المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية الأوروبية بعد ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والسلع الأساسية مجدداً، بالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن واستمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ويرى محللون أن أوروبا تواجه اليوم صدمة تضخمية جديدة تأتي في توقيت معقد، إذ لا يزال الاقتصاد الأوروبي يعاني أصلاً من تبعات موجات التضخم السابقة وضعف النمو وتراجع النشاط الصناعي والاستهلاكي.
تحول بالمواقف
بدأت لهجة مسؤولي البنك المركزي الأوروبي تميل بصورة أوضح نحو التشدد النقدي خلال الأيام الأخيرة، بعدما كانت الأسواق تتوقع قبل أشهر استمرار مسار خفض الفائدة تدريجياً خلال 2026.
وأكد مارتن كوخر، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي ورئيس البنك المركزي النمساوي، أن خيار رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع يونيو المقبل أصبح مطروحاً بقوة على طاولة النقاش.
وأشار إلى أن احتمالات اتخاذ خطوة تشديدية ستزداد في حال استمرار التوترات الحالية وعدم التوصل إلى اتفاق سلام مستدام يخفف الضغوط على أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
ويعكس هذا التصريح تحولاً مهماً داخل دوائر صنع القرار النقدي الأوروبي، خصوصاً أن عدداً من المسؤولين الذين كانوا يميلون سابقاً إلى التيسير النقدي بدأوا يبدون قلقاً متزايداً من مخاطر التضخم.
كما ترى الأسواق أن مجرد عودة الحديث عن رفع الفائدة بعد أشهر من التوقعات بخفضها يعكس حجم القلق المتصاعد داخل البنك المركزي الأوروبي.
شبح التضخم
تخشى أوروبا من أن تتحول الحرب الإيرانية إلى مصدر دائم لموجة تضخمية جديدة، خصوصاً مع استمرار اضطرابات الطاقة والشحن العالمي.
وارتفعت أسعار النفط والغاز بصورة ملحوظة منذ اندلاع الأزمة، ما انعكس سريعاً على تكاليف النقل والكهرباء والصناعة داخل الاقتصادات الأوروبية.
ويحذر صناع القرار من أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى انتقال موجة ارتفاع الأسعار من قطاع الطاقة إلى بقية مكونات الاقتصاد، بما في ذلك الغذاء والخدمات والأجور.
وأكد كوخر أن معدلات التضخم مرشحة للارتفاع بوتيرة تفوق التقديرات السابقة، مشيراً إلى أن الأسر الأوروبية لا تزال تتحمل آثار موجات الأسعار المرتفعة التي شهدتها القارة خلال الأعوام الماضية.
ويرى خبراء أن البنك المركزي الأوروبي يخشى بصورة خاصة من فقدان السيطرة على توقعات التضخم، لأن ترسخ الاعتقاد باستمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع الشركات والعمال إلى رفع الأسعار والأجور بصورة أوسع، ما يعقد مهمة احتواء التضخم لاحقاً.
معضلة الفائدة
يجـد البنك المركزي الأوروبـي نفسه أمام معادلة شـديدة التعقيـد بين مـواجهة التضخم والحفاظ على الاقتصاد من التباطؤ.
فرفع أسعار الفائدة قد يساعد على تهدئة الأسعار وكبح التضخم، لكنه في المقابل يزيد الضغوط على النمو الاقتصادي والاستثمار والائتمان.
أما الإبقاء على الفائدة دون تغيير أو خفضها، فقد يخفف الضغوط على الاقتصاد مؤقتاً، لكنه قد يسمح للتضخم بالترسخ لفترة أطول.
وأشار كوخر إلى أن البنك المركزي الأوروبي يوازن حالياً بين خياري تثبيت الفائدة أو رفعها، مؤكداً أن استمرار التوترات الجيوسياسية سيجعل النقاشات تميل أكثر نحو التشديد النقدي.
ويرى مراقبون أن الأسواق أصبحت تنظر إلى اجتماع يونيو باعتباره نقطة تحول قد تعيد رسم السياسة النقدية الأوروبية خلال النصف الثاني من العام.
اقتصاد متباطئ
تأتي هذه التحديات في وقت يواجه فيه اقتصاد منطقة اليورو علامات تباطؤ متزايدة.
وأظهرت بيانات الربع الأول من العام الحالي نمواً أضعف من المتوقع، فيما بدأت مؤشرات الثقة الاقتصادية والطلب الاستهلاكي تتراجع تدريجياً.
كما ظهرت إشارات إلى انكماش نشاط القطاع الخاص في بعض الاقتصادات الأوروبية الرئيسية، وسط استمرار ضعف التصنيع وتراجع الطلب الخارجي.
ويثير هذا الوضع مخاوف من دخول الاقتصاد الأوروبي في مرحلة «ركود تضخمي»، وهي الحالة التي يجتمـع فيها ضعف النمـو مع استمـرار ارتفـاع الأسعار.
وتُعد هذه السيناريوهات من أصعب التحديات التي تواجه البنوك المركزية، لأنها تقلص فعالية أدوات السياسة النقدية التقليدية.
صدمة الطاقة
لا تزال أوروبا من أكثر المناطق الاقتصادية حساسية تجاه اضطرابات الطاقة العالمية، نظراً لاعتمادها الكبير على الواردات الخارجية من النفط والغاز.
ومع استمرار الحرب المرتبطة بإيران وارتفاع المخاطر في مضيق هرمز، تزايدت المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة مجدداً خلال الأشهر المقبلة.
ويرى محللون أن أي اضطراب إضافي في إمدادات النفط والغاز قد يدفع التضخم الأوروبي إلى مستويات أعلى بكثير من المستهدفات الرسمية للبنك المركزي الأوروبي.
كما تخشى الحكومات الأوروبية من أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى زيادة الضغوط الاجتماعية والسياسية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
الأسواق تترقب
بدأت الأسواق المالية بالفعل إعادة تسعير توقعاتها لمسار أسعار الفائدة الأوروبية خلال الفترة المقبلة.
وارتفعت رهانات المستثمرين على احتمال بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، فيما تراجعت التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى خفض تدريجي للفائدة خلال النصف الثاني من العام.
كما شهدت عوائد السندات الأوروبية ارتفاعات ملحوظة مع تصاعد المخاوف التضخمية، في حين تعرضت بعض أسواق الأسهم لضغوط نتيجة القلق من تشديد السياسة النقدية.
ويرى محللون أن أي إشارات قوية من البنك المركزي الأوروبي نحو رفع الفائدة قد تزيد تقلبات الأس`واق خلال الأسابيع المقبلة.
توقعات يونيو
تكتسب التوقعات الاقتصادية الجديدة التي سيصدرها البنك المركزي الأوروبي خلال اجتماع يونيو أهمية استثنائية هذه المرة.
فالمؤشرات الحالية توحي بأن تقديرات التضخم سترتفع مقارنة بتوقعات مارس السابقة، في ضوء التطورات الجيوسياسية الأخيرة وارتفاع أسعار الطاقة.
وأشار كوخر إلى أن تقييم المرحلة المقبلة سيعتمد بصورة كبيرة على هذه التوقعات الجديدة، باعتبارها الأساس الذي سيحدد مسار السياسة النقدية الأوروبية.
كما يتوقع أن تركز الأسواق بشكل كبير على أي تعديلات في توقعات النمو والتضخم وأسعار الطاقة داخل منطقة اليورو.
ويرى خبراء أن لهجة البنك المركزي الأوروبي خلال هذا الاجتماع ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأسواق الأوروبية حتى نهاية العام.
انقسام أوروبي
تكشف التطورات الحالية أيضاً عن تباين داخل أوروبا بشأن كيفية التعامل مع الأزمة الاقتصادية الجديدة.
فبينما تميل بعض الدول، خصوصاً في شمال أوروبا، إلى دعم سياسة نقدية أكثر تشدداً لكبح التضخم سريعاً، تخشى اقتصادات أخرى من أن يؤدي رفع الفائدة إلى تعميق حالة التباطؤ الاقتصادي.
كما تواجه الحكومات الأوروبية ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض والعجز المالي، ما يجعل أي تشديد إضافي للفائدة أكثر حساسية سياسياً واقتصادياً.
ويزيد هذا الانقسام من تعقيد مهمة البنك المركزي الأوروبي، الذي يحاول تحقيق توازن بين أوضاع اقتصادية متباينة داخل منطقة اليورو.