المعدن الأصفر يغلق قرب 4600 دولار رغم خسارته الشهرية
أنهى الذهب تعاملات الأسبوع على ارتفاع ملحوظ، محافظاً على جزء كبير من المكاسب التي حققها خلال الأشهر الماضية، في وقت تواصل فيه الأسواق العالمية إعادة تقييم المشهد الجيوسياسي والاقتصادي الذي يسيطر على حركة الأصول الاستثمارية. ورغم أن المعدن النفيس سجل خسارة شهرية بلغت نحو 1.5 %، فإنه تمكن من تحقيق مكاسب أسبوعية قاربت 1 %، ما يعكس استمرار وجود طلب قوي على الذهب حتى مع تراجع بعض عوامل التوتر التي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الأخيرة.
وجاءت تحركات الذهب الأخيرة بالتزامن مع تطورات سياسية مهمة في الشرق الأوسط، بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن ملامح اتفاق محتمل مع إيران يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز والتعامل مع ملف اليورانيوم المخصب. وقد دفعت هذه التصريحات المستثمرين إلى إعادة النظر في تقييم المخاطر الجيوسياسية التي كانت تمثل أحد أهم محركات أسعار الذهب خلال الفترة الماضية.
وخلال جلسة الجمعة لامست عقود الذهب مستوى 4627 دولاراً للأوقية لفترة وجيزة قبل أن تتراجع قليلاً وتغلق قرب 4593 دولاراً، وهو مستوى لا يزال من بين أعلى المستويات التاريخية التي سجلها المعدن النفيس، ما يعكس استمرار الثقة في الذهب كأداة للتحوط وحفظ القيمة.
الذهب في مواجهة متغيرات السوق
شهدت الأشهر الأخيرة تقلبات استثنائية في أسواق الذهب العالمية نتيجة تداخل مجموعة كبيرة من العوامل الاقتصادية والسياسية. فمن جهة، ساهمت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوروبا في تعزيز الطلب على الملاذات الآمنة، ومن جهة أخرى أثرت توقعات أسعار الفائدة والتضخم في تحديد اتجاهات المستثمرين.
ويتميز الذهب بكونه أحد أكثر الأصول حساسية للتحولات الاقتصادية العالمية، إذ يرتفع عادة خلال فترات عدم اليقين السياسي أو المالي، بينما يتعرض لضغوط عندما تتحسن شهية المخاطرة وتتجه الأموال نحو الأسهم والأصول ذات العوائد المرتفعة.
ومع ظهور مؤشرات على احتمال تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط، بدأت الأسواق في تقليص جزء من علاوة المخاطر التي دعمت أسعار الذهب خلال الأشهر الماضية. ومع ذلك، لم يكن التراجع حاداً، وهو ما يشير إلى أن المستثمرين لا يزالون يرون في الذهب أداة ضرورية للتحوط في بيئة عالمية مليئة بالتقلبات.
كما أن استمرار الضبابية بشأن الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية يمنح المعدن النفيس دعماً إضافياً حتى في ظل تراجع بعض المخاطر الجيوسياسية.
تأثير الملف الإيراني
لـعـبـت الـتـطــورات الـمرتبطـة بــالعـلاقــات الأميركية الإيرانية دوراً محورياً في حركة الأسواق خلال الأيام الأخيرة. فبعد أشهر من التوترات العسكرية والاضطرابات التي أثرت على أسواق الطاقة والنقل البحري، بدأت تظهر مؤشرات على إمكانية التوصل إلى ترتيبات سياسية جديدة.
وقد فُسرت تصريحات ترامب بشأن الاتفاق المحتمل باعتبارها خطوة نحو خفض التوترات الإقليمية، وهو ما دفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم الدفاعية في الذهب والانتقال جزئياً إلى الأصول الأعلى مخاطرة.
لكن الأسواق تدرك في الوقت ذاته أن الطريق نحو تنفيذ أي اتفاق بشكل كامل قد لا يكون سهلاً، وأن احتمالات التعثر أو الخلافات السياسية لا تزال قائمة. ولذلك بقي الطلب على الذهب عند مستويات قوية نسبياً مقارنة بما كان عليه قبل اندلاع الأزمة.
ويرى محللون أن الذهب يتحرك حالياً بين قوتين متعارضتين؛ الأولى تتمثل في تراجع المخاطر الجيوسياسية، والثانية تتمثل في استمرار الحاجة إلى التحوط من التقلبات الاقتصادية العالمية.
خسارة شهرية لا تلغي الاتجاه الصاعد
رغم تسجيل الذهب خسارة شهرية بلغت نحو 1.5 % خلال مايو، فإن الصورة الأكبر لا تزال إيجابية بالنسبة للمعدن النفيس. فالأسعار لا تزال قريبة من مستوياتها التاريخية المرتفعة، كما أن التراجع الأخير جاء بعد موجة صعود قوية استمرت لفترة طويلة.
ويرى كثير من المستثمرين أن الانخفاض الشهري يمثل حركة تصحيح طبيعية بعد الارتفاعات القياسية السابقة، وليس بداية لاتجاه هابط طويل الأمد.
كما أن الأسواق المالية غالباً ما تشهد عمليات جني أرباح عند المستويات المرتفعة، خصوصاً عندما تتراجع بعض العوامل التي كانت تدعم الأسعار بشكل مباشر.
ويشير الأداء الأسبوعي الإيجابي إلى أن الطلب الأساسي على الذهب ما زال قوياً، وأن المستثمرين لا يزالون يحتفظون بجزء كبير من مراكزهم في المعدن الأصفر تحسباً لأي تطورات مفاجئة.
دور البنوك المركزية
أحد أهم العوامل التي دعمت الذهب خلال السنوات الأخيرة يتمثل في استمرار البنوك المركزية حول العالم في تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس.
ففي ظل التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتزايد الحديث عن تنويع الاحتياطيات بعيداً عن بعض الأصول التقليدية، اتجهت العديد من البنوك المركزية إلى زيادة مشترياتها من الذهب.
وقد ساهم هذا الاتجاه في توفير قاعدة طلب قوية ومستقرة للسوق، ما ساعد على دعم الأسعار حتى خلال فترات التراجع المؤقت.
كما أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأحد أهم أصول الاحتياطيات العالمية، نظراً لقدرته على الحفاظ على القيمة خلال الأزمات الاقتصادية والسياسية.
ويعتقد محللون أن استمرار مشتريات البنوك المركزية سيظل عاملاً داعماً للسوق خلال السنوات المقبلة.
الفائدة الأميركية تحدد المسار
يبقى العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الذهب خلال الفترة المقبلة هو مسار السياسة النقدية الأميركية. فأسعار الفائدة تؤثر بشكل مباشر في جاذبية الذهب مقارنة بالأصول الأخرى.
وعندما ترتفع الفائدة، تصبح السندات والأدوات المالية المدرة للدخل أكثر جاذبية، ما قد يقلل من الطلب على الذهب. أما عندما تتراجع العوائد أو تزداد التوقعات بتخفيف السياسة النقدية، فإن الذهب يستفيد عادة من هذه البيئة.
وخلال الأشهر المقبلة سيواصل المستثمرون مراقبة بيانات التضخم والنمو وسوق العمل في الولايات المتحدة بحثاً عن إشارات جديدة بشأن توجهات السياسة النقدية.
كما أن أي تغير في توقعات الفائدة قد يؤدي إلى تحركات كبيرة في أسعار الذهب، نظراً لحساسية السوق المرتفعة تجاه هذه المتغيرات.
الذهب بين الأمان والعائد
تؤكد التطورات الأخيرة أن الذهب لا يزال يحتفظ بدوره التقليدي كملاذ آمن حتى في عصر الأصول الرقمية والأسواق المتطورة. فعلى الرغم من المنافسة المتزايدة من العملات المشفرة وبعض الأدوات الاستثمارية الحديثة، يواصل المعدن الأصفر جذب المستثمرين الباحثين عن الاستقرار والتحوط.
ومع اقتراب الأسعار من مستويات تاريخية مرتفعة، تبدو السوق في مرحلة إعادة تقييم للعوامل المؤثرة في الاتجاه المقبل. فالتطورات السياسية في الشرق الأوسط، وتحركات أسعار النفط، وقرارات البنوك المركزية، وتوقعات الفائدة الأميركية، كلها عناصر ستحدد مستقبل الذهب خلال النصف الثاني من عام 2026.
وفي الوقت الحالي، تبدو الصورة متوازنة بين ضغوط التهدئة السياسية والدعم القادم من الطلب الاستثماري والاحتياطيات الرسمية. وبينما يراهن البعض على استمرار التصحيح السعري، يرى آخرون أن الذهب لا يزال يمتلك مقومات قوية تتيح له البقاء قرب مستوياته القياسية وربما تحقيق قمم جديدة إذا عادت المخاطر العالمية إلى الواجهة أو تغيرت توقعات السياسة النقدية بصورة جوهرية.