النفط يفقد مكاسبه بعد تحول مفاجئ في موقف واشنطن
شهدت أسواق النفط العالمية واحدة من أكثر الجلسات تقلباً خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تراجعت الأسعار بصورة ملحوظة عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق ضربة عسكرية كانت موجهة ضد إيران، في خطوة أعادت بعض الهدوء المؤقت إلى الأسواق التي تعيش منذ أسابيع على وقع مخاوف الحرب وتعطل الإمدادات وتهديد الملاحة في مضيق هرمز.
ورغم أن التراجع السعري بدا واضحاً خلال تعاملات الثلاثاء، فإن غالبية المؤسسات المالية الكبرى والمحللين يرون أن هذا الانخفاض لا يعكس نهاية الأزمة، بل يمثل هدنة مؤقتة في سوق تعاني أساساً من نقص حاد في المعروض العالمي وتراجع سريع في المخزونات التجارية وارتفاع كبير في المخاطر الجيوسياسية.
وتحاول الأسواق حالياً إعادة تقييم المشهد النفطي العالمي بين احتمالين متناقضين؛ الأول يتمثل في نجاح المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران بما يخفف الضغوط على الإمدادات، والثاني يتمثل في عودة المواجهة العسكرية أو استمرار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وهو السيناريو الذي قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة خلال الأسابيع المقبلة.
تهدئة أميركية
جاء التحول الأبرز في الأسواق بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق هجوم كان مقرراً على إيران، مبرراً الخطوة بوجود «فرصة جيدة جداً» للتوصل إلى اتفاق يمنع طهران من امتلاك سلاح نووي.
هذا الإعلان شكل مفاجأة نسبية للأسواق التي كانت تتوقع تصعيداً عسكرياً مباشراً، خصوصاً بعد التوترات المتسارعة خلال الأيام الماضية، الأمر الذي انعكس فوراً على أسعار الخام التي فقدت جزءاً من مكاسبها القوية المسجلة في الجلسة السابقة.
وانخفض خام برنت تسليم يوليو بنحو 1.88 دولار أو ما يعادل 1.68% ليصل إلى 110.2 دولارات للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 103.2 دولارات للبرميل.
وكان الخامان القياسيان قد بلغا في الجلسات السابقة أعلى مستوياتهما منذ مطلع مايو، مدفوعين بمخاوف واسعة من انقطاع الإمدادات نتيجة الحرب والتوترات في الخليج.
لكن الأسواق تعاملت مع تصريحات ترامب باعتبارها إشارة إلى احتمال تراجع خطر المواجهة المباشرة، ولو مؤقتاً، ما أدى إلى عمليات بيع سريعة لجني الأرباح بعد الارتفاعات الحادة الأخيرة.
هرمز في الواجهة
رغم تراجع الأسعار، فإن مضيق هرمز بقي العامل الأكثر حساسية في تسعير النفط العالمي.
فالممر البحري الذي كان يعبر من خلاله نحو خمس إمدادات النفط العالمية قبل الحرب، يشهد حالياً اضطرابات غير مسبوقة في حركة الشحن، وسط تقارير عن إغلاق شبه كامل للمضيق وارتفاع كبير في تكاليف التأمين والشحن البحري.
وتخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار التوتر إلى تعطيل طويل الأمد لصادرات الخليج، وهو ما قد يخلق أزمة طاقة عالمية تتجاوز في حدتها الأزمات السابقة.
كما أن الأسواق تراقب عن كثب حركة ناقلات النفط في المنطقة، باعتبارها مؤشراً مباشراً على مستوى المخاطر الحقيقية.
وأشار محلل الأسواق في «كيه سي إم تريد» تيم ووترر إلى أن تصريحات ترامب خففت بعض الضغط الفوري، لكنها لم تلغ المخاطر الأساسية، موضحاً أن الأسواق تنتظر معرفة ما إذا كانت واشنطن تتجه فعلاً نحو التهدئة أم أن ما حدث مجرد توقف تكتيكي قصير قبل العودة إلى التصعيد.
وأضاف أن رد الفعل الإيراني وطبيعة حركة الناقلات عبر مضيق هرمز سيكونان العاملين الحاسمين في تحديد اتجاه أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة.
النفط الروسي
في تطور آخر ساهم في تهدئة الأسواق نسبياً، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية تمديد الإعفاء من العقوبات الذي يسمح بشراء النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً إضافية.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن القرار يهدف إلى مساعدة الدول المعرضة لخطر نقص الطاقة، في إشارة إلى القلق المتزايد من حدوث أزمة إمدادات عالمية.
ويحمل القرار دلالات مهمة، إذ يعكس إدراك واشنطن أن تشديد القيود على النفط الروسي في هذا التوقيت قد يؤدي إلى ارتفاعات أكبر في الأسعار، خاصة مع تعطل الإمدادات المرتبطة بإيران والخليج.
كما أن الإعفاء الأميركي يساهم في الحفاظ على تدفق جزء من النفط الروسي إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي يقلل نسبياً من حدة العجز الحالي.
وتشير تقديرات الأسواق إلى أن النفط الروسي ما زال يلعب دوراً محورياً في توازن العرض والطلب العالميين، خصوصاً بالنسبة للأسواق الآسيوية وبعض الاقتصادات الناشئة.
عجز تاريخي
ورغم محاولات التهدئة السياسية والإفراج عن الاحتياطيات، فإن المؤسسات المالية الكبرى تؤكد أن سوق النفط تواجه أزمة حقيقية في المعروض.
وحذر بنك أوف أميركا من أن الأسعار قد تبقى مرتفعة لفترة طويلة، متوقعاً أن يبلغ متوسط خام برنت نحو 90 دولاراً للبرميل حتى نهاية العام الحالي.
وأوضح البنك أن السيناريو الحالي يشير إلى احتمال ارتفاع الأسعار تدريجياً إلى مستويات تتراوح بين 120 و130 دولاراً للبرميل بحلول نهاية يونيو أو بداية يوليو إذا استمرت الأزمة دون حل.
وأشار إلى أن السوق العالمية تعاني حالياً من عجز ضخم في الإمدادات يتراوح بين 14 و15 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يعتبر من بين الأعلى تاريخياً.
ويعني ذلك أن العالم يستهلك نفطاً أكثر بكثير مما يتم ضخه فعلياً، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف سريع للمخزونات التجارية والاحتياطيات الاستراتيجية.
وأكد البنك أن عودة الأسعار إلى مستويات 60 و70 دولاراً للبرميل تبدو شبه مستحيلة في الوقت الراهن، ما لم يحدث تحول جذري في المشهد الجيوسياسي أو زيادة ضخمة في الإنتاج العالمي.
كما حذر من أن السيناريو الأسوأ يتمثل في توسع العمليات العسكرية لتشمل البنية التحتية النفطية، وهو ما قد يسبب اضطرابات طويلة الأمد في الإمدادات العالمية.
السحب الأميركي
وفي محاولة للحد من ارتفاع الأسعار، لجأت الولايات المتحدة إلى السحب المكثف من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي.
وأظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية سحب 9.9 ملايين برميل خلال أسبوع واحد فقط، في أكبر سحب أسبوعي مسجل، ما خفض إجمالي المخزونات إلى نحو 374 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ يوليو 2024.
وتأتي الخطوة ضمن خطة أميركية للإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي خلال السنوات المقبلة، بالتنسيق مع دول «الوكالة الدولية للطاقة».
كما تشارك 32 دولة في خطة جماعية لإطلاق نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات بهدف تهدئة الأسواق وتخفيف الضغوط الناتجة عن الحرب مع إيران وتعطل الملاحة في هرمز.
لكن رغم هذه التحركات، يشكك عدد من المحللين في قدرة الاحتياطيات الاستراتيجية وحدها على معالجة الأزمة.
فالاحتياطي الاستراتيجي مصمم أساساً للتعامل مع صدمات مؤقتة، وليس لتعويض نقص مستدام وكبير في الإمدادات العالمية.
كما أن استمرار السحب بوتيرة مرتفعة قد يحد من قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أي أزمات مستقبلية أكثر تعقيداً.
استنزاف المخزونات
القلق الأكبر حالياً لا يتعلق فقط بالأسعار، بل أيضاً بسرعة تراجع المخزونات العالمية.
فقد حذر رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول من أن المخزونات التجارية للنفط تتراجع بوتيرة سريعة للغاية، ولم يتبق منها سوى إمدادات تكفي لأسابيع قليلة.
وأضاف أن السوق تعيش حالة استنزاف غير مسبوقة نتيجة الحرب وتعطل الشحنات وارتفاع الطلب العالمي مقارنة بالمعروض المتاح.
وأفادت الوكالة الدولية للطاقة بأن المخزونات العالمية المرصودة انخفضت خلال مارس وأبريل بنحو 246 مليون برميل، وهو تراجع يوصف بأنه من بين الأسرع تاريخياً.
ضغوط التضخم
ارتفاع أسعار النفط لا يهدد أسواق الطاقة فقط، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
فالنفط يمثل عنصراً أساسياً في تكلفة النقل والصناعة والطاقة، وبالتالي فإن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة.
وتخشى البنوك المركزية من أن يؤدي ذلك إلى تعطيل خطط خفض أسعار الفائدة، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يضغط على معدلات النمو الاقتصادي العالمي، ويزيد من أعباء الدول المستوردة للنفط، خاصة الاقتصادات الناشئة.
وفي المقابل، تستفيد الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإيرادات النفطية، لكن هذه المكاسب قد تترافق مع مخاطر جيوسياسية واستثمارية متزايدة.
رهان الأسواق
تعيش الأسواق النفطية حالياً حالة ترقب شديدة، إذ يراقب المستثمرون كل تصريح سياسي وكل تحرك عسكري وكل ناقلة تمر عبر الخليج.
ويبدو واضحاً أن التهدئة الحالية ما تزال هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة.
فإذا نجحت المحادثات الأميركية الإيرانية وجرى تخفيف القيود على الصادرات النفطية، فقد تشهد الأسعار بعض التراجع التدريجي.
أما إذا فشلت المفاوضات أو توسعت العمليات العسكرية أو استمر تعطيل الملاحة في هرمز، فقد تدخل الأسواق مرحلة جديدة من الارتفاعات الحادة وربما أزمة طاقة عالمية واسعة النطاق.