تخطي إلى المحتوى الرئيسي

برنت‭ ‬فوق‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬مجددا‭.. ‬والمخاوف‭ ‬على‭ ‬الإمدادات‭ ‬مستمرة

برنت‭ ‬فوق‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬مجددا‭.. ‬والمخاوف‭ ‬على‭ ‬الإمدادات‭ ‬مستمرة

شهدت أسواق النفط العالمية حالة من التذبذب الحاد خلال الساعات الماضية، بعدما عادت الأسعار إلى الارتفاع بشكل طفيف عقب موجة هبوط قوية أثارتها رهانات متزايدة على إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، قد يقود إلى إعادة فتح مضيق هرمز وعودة تدفقات النفط الخليجية بصورة طبيعية تدريجياً.
ورغم هذا الارتفاع المحدود، فإن الصورة العامة في السوق لا تزال شديدة التعقيد، إذ تواجه تجارة الطاقة العالمية اضطرابات فعلية في الإمدادات والشحن والمخزونات، في وقت يواصل فيه المستثمرون والمتداولون مراقبة كل تصريح سياسي أو تحرك عسكري باعتباره عاملاً قادراً على تغيير اتجاه الأسعار خلال ساعات قليلة فقط.
وصعد سعر مزيج «برنت» مقترباً من مستوى 106 دولارات للبرميل، بعدما كان قد فقد أكثر من 5.6 % في جلسة الأربعاء، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط ليتجاوز 99 دولاراً للبرميل، في محاولة من السوق لاستعادة جزء من خسائرها بعد موجة البيع الأخيرة.
وجاء التحسن النسبي في الأسعار عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها إن واشنطن باتت في «المراحل النهائية» من المفاوضات مع إيران، وهو ما أعاد إلى الأسواق احتمال التوصل إلى تفاهم سياسي قد يسمح بعودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
لكن هذه التوقعات السياسية لم تكن كافية لإزالة حالة القلق من السوق، إذ يرى عدد كبير من المحللين أن أي اتفاق محتمل لن ينعكس فوراً على الإمدادات الفعلية، خصوصاً في ظل تعطل حركة الشحن ووجود ملايين البراميل العالقة في الخليج العربي نتيجة اضطرابات الملاحة والتوترات العسكرية التي تصاعدت منذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير الماضي.
وتظهر بيانات التداول أن الأسعار لا تزال أعلى بأكثر من 40% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع الحرب، ما يعكس استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية في السوق، حتى مع التراجع الأخير الذي شهدته الأسعار خلال جلسات الأسبوع الحالي.

رهانات سياسية

تعامل المستثمرون خلال الأيام الأخيرة مع سوق النفط باعتبارها سوقاً سياسية بامتياز، إذ أصبحت التصريحات القادمة من واشنطن أو طهران أو العواصم الإقليمية المحرك الرئيسي للأسعار، أكثر من العوامل التقليدية المتعلقة بالعرض والطلب.
وتسببت الأخبار المتضاربة حول مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية في خلق حالة من الارتباك بين المتداولين، فبينما تشير بعض التصريحات إلى قرب التوصل إلى اتفاق، تواصل إيران إرسال رسائل تصعيدية وتحذيرات من الرد العسكري في حال تعرضها لهجوم جديد من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ويعتقد كثير من المتعاملين أن السوق تسعر بالفعل احتمال حدوث تهدئة مفاجئة، بما يشمل إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف تدفقات النفط بشكل أوسع، وهو ما يفسر موجة التراجع الكبيرة التي شهدتها الأسعار الأربعاء قبل أن تعاود الارتفاع بشكل محدود.
غير أن هذا التفاؤل يبقى هشاً للغاية، لأن أي تعثر في المفاوضات أو عودة التصعيد العسكري قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً بصورة عنيفة، خصوصاً في ظل هشاشة الإمدادات العالمية الحالية.
ويرى محللون أن الأسواق باتت تتفاعل بسرعة كبيرة مع الأخبار السياسية بسبب حساسية الوضع الحالي، إذ إن أي تطور صغير في ملف هرمز يمكن أن يؤثر على تدفقات ملايين البراميل يومياً، وهو ما يجعل السوق في حالة تقلب دائم.

فوضى فعلي

ورغم التراجع النسبي في الأسعار، يؤكد خبراء الطاقة أن الأسواق الفعلية لا تزال تعاني اضطرابات كبيرة، وأن الوضع اللوجستي للإمدادات لم يعد طبيعياً حتى الآن.
وقال استراتيجي الطاقة العالمي لدى «رابوبنك» جو ديلاورا إن الأسواق الفعلية «لا تزال في حالة فوضى»، موضحاً أن مجرد التوصل إلى اتفاق سياسي لا يعني عودة الإمدادات إلى طبيعتها بصورة مباشرة.
وأضاف أن النفط الخارج من الخليج العربي يحتاج إلى فترات طويلة للوصول إلى وجهاته النهائية، إذ قد تستغرق الرحلات البحرية نحو 55 يوماً، وهو ما يعني أن الأسواق ستظل تعاني نقصاً في الإمدادات والمخزونات حتى بعد انتهاء أي مواجهة عسكرية أو توقيع أي اتفاق سياسي.
ويشير هذا الواقع إلى أن تأثير الحرب الحالية تجاوز مجرد ارتفاع الأسعار، ليصل إلى تعطيل حقيقي في سلاسل التوريد العالمية، سواء من حيث النقل البحري أو عمليات التخزين أو إعادة توزيع الشحنات النفطية بين الأسواق المختلفة.
كما دفعت هذه الظروف العديد من المشترين الآسيويين والأوروبيين إلى البحث عن مصادر بديلة للإمدادات، بما في ذلك زيادة الاعتماد على النفط الأميركي لتعويض النقص الناتج عن اضطراب صادرات الشرق الأوسط.

ضغوط المخزون

في الوقت نفسه، تكشف بيانات المخزونات العالمية عن حجم الضغوط التي تواجه سوق الطاقة حالياً، إذ يجري السحب من الاحتياطيات بوتيرة مرتفعة لتعويض النقص في الإمدادات.
وأظهرت بيانات أميركية انخفاض مخزونات الخام بنحو 7.9 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي، وهو تراجع كبير يعكس استمرار قوة الطلب على النفط الأميركي في الأسواق الخارجية.
كما جاءت الصادرات الأميركية أقل من مستوياتها القياسية الأخيرة، بعدما عمد المشترون الدوليون إلى تخزين كميات إضافية من الخام الأميركي تحسباً لاستمرار اضطرابات الشرق الأوسط.
وأشار بنك «غولدمان ساكس» إلى أن مخزونات النفط الخام والمنتجات النفطية العالمية تشهد حالياً أحد أسرع معدلات السحب المسجلة منذ سنوات، في ظل استمرار الحرب وتعطل جزء من تدفقات الطاقة العالمية.

سيناريوهات الأسعار

ورغم تراجع الأسعار مؤخراً، لا تزال المؤسسات المالية وشركات الاستشارات تتحدث عن احتمالات ارتفاعات جديدة إذا استمرت التوترات أو تعثرت المفاوضات السياسية.
وحذرت بعض التقديرات من أن أسعار النفط قد تصل إلى مستويات قياسية قد تقترب من 200 دولار للبرميل في أسوأ السيناريوهات، خاصة إذا تعرضت الملاحة في مضيق هرمز لتعطل واسع وطويل الأمد.
وفي المقابل، فإن أي اتفاق شامل بين واشنطن وطهران قد يدفع الأسعار إلى الهبوط السريع، خصوصاً إذا أدى إلى عودة الصادرات الإيرانية بشكل طبيعي وفتح ممرات الشحن بصورة كاملة.
لكن حتى في هذا السيناريو الإيجابي، يرجح كثير من المحللين أن تبقى الأسعار أعلى من مستويات ما قبل الحرب لفترة طويلة، بسبب استمرار تأثيرات الأزمة على سلاسل الإمداد العالمية والمخزونات والشحن البحري.

تحول استراتيجي

الأزمة الحالية دفعت العديد من الدول والشركات إلى إعادة تقييم استراتيجيات أمن الطاقة، مع تزايد المخاوف من الاعتماد المفرط على مسارات شحن محددة مثل مضيق هرمز.
وتسارع دول الخليج منذ سنوات إلى تطوير خطوط أنابيب بديلة وموانئ جديدة تقلل الاعتماد على المضيق، لكن الحرب الحالية أعادت تسليط الضوء على الحاجة إلى تسريع هذه المشاريع.
وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي لشركة «بترول أبوظبي الوطنية» سلطان الجابر إن تدفقات نفط الشرق الأوسط لن تعود بالكامل قبل منتصف 2027 حتى إذا انتهى الصراع فوراً، مؤكداً أن إغلاق مضيق هرمز شكل «أشد اضطراب في الإمدادات على الإطلاق».
كما أشار إلى أن الإمارات تواصل العمل على مشاريع بنية تحتية جديدة لزيادة مرونة صادراتها النفطية، بما في ذلك خطوط الأنابيب البديلة التي تسمح بتجاوز بعض نقاط الاختناق البحرية.

سوق مترقبة

في المحصلة، تبدو سوق النفط العالمية عالقة حالياً بين عاملين متناقضين، الأول يتمثل في التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي بين واشنطن وطهران، والثاني يتمثل في الواقع الفعلي المضطرب للإمدادات وحركة التجارة العالمية.
ورغم أن الأسعار استعادت جزءاً من خسائرها الأخيرة، فإن حالة القلق لا تزال تسيطر على المتعاملين، خصوصاً مع استمرار الغموض بشأن مستقبل المفاوضات والوضع الأمني في الخليج العربي.
ويترقب المستثمرون خلال الأيام المقبلة أي مؤشرات جديدة من واشنطن أو طهران أو حركة الملاحة في مضيق هرمز، باعتبارها عوامل ستحدد الاتجاه المقبل للأسعار، سواء نحو مزيد من التراجع أو العودة إلى موجة صعود جديدة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى سوق النفط أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي تصريح سياسي أو حادث أمني أو تعطل جديد في الإمدادات أن يعيد رسم خريطة الأسعار العالمية خلال ساعات قليلة فقط.

رجوع لأعلى