تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طباعة‭ ‬النقود‭.. ‬الحل‭ ‬السهل‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أخطر‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية

طباعة‭ ‬النقود‭.. ‬الحل‭ ‬السهل‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أخطر‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية

عاد‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬النقود‭ ‬والدين‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬الاهتمام‭ ‬بما‭ ‬يعرف‭ ‬بالنظرية‭ ‬النقدية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وهي‭ ‬مدرسة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أثارت‭ ‬انقساماً‭ ‬واسعاً‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬وصناع‭ ‬القرار‭. ‬وتقوم‭ ‬الفكرة‭ ‬الأساسية‭ ‬للنظرية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬سيادتها‭ ‬النقدية‭ ‬وتصدر‭ ‬عملتها‭ ‬الخاصة‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الأسر‭ ‬أو‭ ‬الشركات،‭ ‬إذ‭ ‬تستطيع‭ ‬خلق‭ ‬الأموال‭ ‬اللازمة‭ ‬لتمويل‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬دعت‭ ‬الحاجة‭.‬
واكتسبت‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬زخماً‭ ‬متزايداً‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬وارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬حيث‭ ‬رأى‭ ‬مؤيدوها‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬التقليدي‭ ‬على‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭ ‬والديون‭ ‬يحرم‭ ‬الاقتصادات‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬مهمة‭ ‬لتحفيز‭ ‬النمو‭ ‬وخلق‭ ‬الوظائف‭ ‬وتحسين‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭. ‬ووفق‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬فإن‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬العملة‭ ‬تمنحها‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬لتمويل‭ ‬المشاريع‭ ‬والاستثمارات‭ ‬العامة‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬الضرائب‭ ‬أو‭ ‬الاقتراض‭.‬

جدل‭ ‬التمويل

يرى‭ ‬المدافعون‭ ‬عن‭ ‬النظرية‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنفد‭ ‬منها‭ ‬الأموال‭ ‬طالما‭ ‬أنها‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مقيداً‭ ‬بحجم‭ ‬الإيرادات‭ ‬الضريبية‭ ‬أو‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭. ‬كما‭ ‬يذهب‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬يمكن‭ ‬سداده‭ ‬ببساطة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إصدار‭ ‬نقود‭ ‬جديدة‭ ‬تكفي‭ ‬لتغطية‭ ‬الالتزامات‭ ‬المستحقة‭.‬
ويستند‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الموارد‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وليس‭ ‬المال‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬حدود‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عمالة‭ ‬غير‭ ‬مستغلة‭ ‬أو‭ ‬طاقات‭ ‬إنتاجية‭ ‬معطلة،‭ ‬فإن‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬الممول‭ ‬بالنقود‭ ‬الجديدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنشط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬دون‭ ‬التسبب‭ ‬بموجات‭ ‬تضخمية‭ ‬كبيرة‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬يواجه‭ ‬انتقادات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬اقتصاديين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الأموال‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬غياب‭ ‬التكاليف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بذلك‭. ‬فالسؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بإمكانية‭ ‬طباعة‭ ‬النقود،‭ ‬بل‭ ‬بالآثار‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬التوسع‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬إصدارها‭.‬

التضخم‭ ‬والثقة

يعتبر‭ ‬التضخم‭ ‬محور‭ ‬الخلاف‭ ‬الرئيسي‭ ‬بين‭ ‬مؤيدي‭ ‬النظرية‭ ‬ومعارضيها‭. ‬فبينما‭ ‬يؤكد‭ ‬أنصارها‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يتجاوز‭ ‬الطلب‭ ‬الكلي‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬المتاحة‭ ‬للاقتصاد،‭ ‬يرى‭ ‬المنتقدون‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬تتفاعل‭ ‬أيضاً‭ ‬مع‭ ‬التوقعات‭ ‬المستقبلية‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬الأوضاع‭ ‬الحالية‭.‬
فمجرد‭ ‬اعتقاد‭ ‬المستثمرين‭ ‬والشركات‭ ‬والأفراد‭ ‬بأن‭ ‬الحكومات‭ ‬ستلجأ‭ ‬إلى‭ ‬طباعة‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬النقود‭ ‬قد‭ ‬يدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭ ‬والأجور‭ ‬مسبقاً‭ ‬تحسباً‭ ‬لانخفاض‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للعملة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استبدال‭ ‬السندات‭ ‬الحكومية‭ ‬بالنقود‭ ‬المطبوعة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الثقة‭ ‬بالعملة‭ ‬المحلية‭ ‬وارتفاع‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬مسدداً‭ ‬على‭ ‬الورق‭.‬
وتظهر‭ ‬هنا‭ ‬أهمية‭ ‬الثقة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬الأصول‭ ‬غير‭ ‬الملموسة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة‭. ‬فاستقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬اقتناع‭ ‬الأسواق‭ ‬بأن‭ ‬السلطات‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬ستلتزم‭ ‬بسياسات‭ ‬منضبطة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

دور‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية

يحتل‭ ‬موضوع‭ ‬استقلالية‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬موقعاً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭. ‬ففي‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التقليدية‭ ‬تتولى‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬إدارة‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬بشكل‭ ‬مستقل‭ ‬نسبياً‭ ‬عن‭ ‬الحكومات،‭ ‬بهدف‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬نحو‭ ‬التوسع‭ ‬المفرط‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬أو‭ ‬التمويل‭ ‬النقدي‭ ‬للعجز‭.‬
ويحذر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬هذه‭ ‬الاستقلالية‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬استخدام‭ ‬طباعة‭ ‬النقود‭ ‬كوسيلة‭ ‬سهلة‭ ‬لتمويل‭ ‬الوعود‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬معالجة‭ ‬العجوزات‭ ‬المالية‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬وتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬بالاقتصاد‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬يبقى‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬النظرية‭ ‬النقدية‭ ‬الحديثة‭ ‬مفتوحاً‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يراها‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬السياسة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ومن‭ ‬يعتبرها‭ ‬وصفة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬قد‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬محل‭ ‬اتفاق‭ ‬واسع‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬خلق‭ ‬النقود‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬حقيقة‭ ‬أساسية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬إنفاق‭ ‬إضافي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتحمل‭ ‬تكلفته‭ ‬الاقتصادات‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التضخم‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬أو‭ ‬انخفاض‭ ‬الثقة‭ ‬بالعملة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

رجوع لأعلى