كيف حوّل ماسايوشي سون سوفت بنك إلى إمبراطورية ؟
بعد أكثر من أربعة عقود على تأسيسها، أصبحت «سوفت بنك» الشركة الأعلى قيمة في اليابان، مستفيدة من رهانات ضخمة على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات التي أعادت رسم خريطة الاقتصاد العالمي.
من رقاقة إلكترونية إلى إمبراطورية استثمارية
في إحدى أمسيات سبتمبر عام 1981، كان الشاب الياباني ماسايوشي سون يتصفح إحدى المجلات العلمية عندما استوقفت انتباهه صورة رقاقة إلكترونية. لم يرَ فيها مجرد مكوّن صغير داخل جهاز حاسوب، بل اعتبرها إشارة مبكرة إلى مستقبل مختلف سيقوده التطور التقني. في ذلك الوقت، اقتنع سون بأن العالم يقف على أعتاب ثورة تكنولوجية ستغير شكل الاقتصاد والحياة اليومية، فأسس أول شركة متخصصة في نشر برمجيات الحواسيب في اليابان. ومن تلك البداية المتواضعة، انطلقت رحلة تحولت خلالها «سوفت بنك» إلى واحدة من أكبر المجموعات الاستثمارية والتكنولوجية في العالم، قبل أن تتوج مسيرتها أخيراً باعتلاء قمة الشركات اليابانية من حيث القيمة السوقية.
رهانات جريئة صنعت الثروة
تميز ماسايوشي سون منذ البداية بقدرته على استشراف الاتجاهات التكنولوجية قبل أن تتحول إلى ظواهر عالمية. ففي تسعينيات القرن الماضي راهن على انتشار الإنترنت عندما كان لا يزال في بداياته، ثم استثمر في قطاع الهواتف الذكية مع انطلاق الثورة الرقمية الجديدة، قبل أن يوجه بوصلته في السنوات الأخيرة نحو الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرك الاقتصادي الأكبر للعقود المقبلة.
هذا النهج القائم على الاستثمار المبكر في التقنيات الناشئة جعل «سوفت بنك» مختلفة عن كثير من الشركات اليابانية التقليدية التي اعتمدت على الأنشطة الصناعية أو التصنيعية. وبدلاً من التركيز على إنتاج السلع، بنت المجموعة نموذجها على اقتناص الفرص المستقبلية والاستثمار في الشركات القادرة على قيادة التحولات التقنية العالمية. ورغم أن هذه الاستراتيجية عرضتها أحياناً لموجات من التقلبات والخسائر، فإنها منحتها في المقابل فرصاً هائلة لتحقيق مكاسب استثنائية مع نضوج تلك القطاعات.
أصول ضخمة
تعكس الميزانية العمومية للمجموعة حجم الإمبراطورية التي بناها سون خلال العقود الماضية. فقد بلغت قيمة أصول «سوفت بنك» نحو 60.7 تريليون ين ياباني، أي ما يعادل حوالي 380 مليار دولار، بنهاية مارس الماضي. وتتوزع هذه الأصول على مجموعة واسعة من القطاعات تشمل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والاتصالات والتكنولوجيا المالية والطاقة.
ويعد صندوقا «رؤية 1» و«رؤية 2» من أبرز أدوات المجموعة الاستثمارية، حيث ضخت من خلالهما أكثر من 184 مليار دولار في شركات التكنولوجيا حول العالم. وقد استفادت هذه الاستثمارات من موجات النمو المتلاحقة في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، ما عزز مكانة «سوفت بنك» كواحدة من أكبر المستثمرين في القطاع التقني عالمياً.
كما تمتلك المجموعة حصصاً استراتيجية في عدد من الشركات العالمية الكبرى، وفي مقدمتها شركة «آرم» البريطانية المتخصصة في تصميم الرقائق الإلكترونية، والتي تمثل اليوم أكبر أصولها المدرجة، إذ تتجاوز قيمة حصة «سوفت بنك» فيها 19 تريليون ين. كذلك تحتفظ المجموعة باستثمارات في شركات بارزة أخرى مثل «تي موبايل» و«علي بابا»، ما يوفر لها تنوعاً واسعاً في مصادر القيمة والنمو.
الذكاء الاصطناعي
في السنوات الأخيرة، أصبح الذكاء الاصطناعي محور الرهانات الكبرى للمجموعة اليابانية. ويعتبر استثمارها في شركة «أوبن إيه آي» المطورة لتطبيق «شات جي بي تي» أبرز هذه الرهانات وأكثرها أهمية. وحتى نهاية مارس الماضي، بلغت الاستثمارات التراكمية لـ«سوفت بنك» في الشركة الأمريكية نحو 34.6 مليار دولار، بينما ارتفعت القيمة العادلة لتلك الحصة إلى ما يقارب 79.6 مليار دولار، ما يعكس حجم المكاسب المحققة حتى الآن.
ولم تكتفِ المجموعة بهذا المستوى من الاستثمار، إذ أعلنت التزامها بضخ 30 مليار دولار إضافية خلال العام الجاري، ما سيرفع إجمالي استثماراتها في «أوبن إيه آي» إلى نحو 64.6 مليار دولار. ومن شأن هذه الخطوة أن تمنح «سوفت بنك» حصة تقترب من 13% في الشركة التي ينظر إليها باعتبارها إحدى أبرز القوى المحركة للثورة الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقد ساهم هذا التوجه في تعزيز ثقة المستثمرين بأسهم المجموعة، خصوصاً مع تصاعد التوقعات بأن الذكاء الاصطناعي سيصبح المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي والإنتاجية خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي انعكس مباشرة على تقييم الشركة في الأسواق المالية.
صدارة تاريخية
بلغت رحلة «سوفت بنك» ذروتها عندما تمكنت من إنهاء هيمنة «تويوتا» على عرش الشركات اليابانية من حيث القيمة السوقية. فقد ارتفعت قيمة المجموعة إلى نحو 48 تريليون ين، ما يعادل 301 مليار دولار، لتتجاوز شركة صناعة السيارات العملاقة التي بلغت قيمتها السوقية نحو 46 تريليون ين.
ولا يقتصر معنى هذا التحول على تفوق شركة على أخرى، بل يعكس تغيراً أعمق في طبيعة الاقتصاد الياباني وأسواق المال العالمية. فبعد عقود من هيمنة الشركات الصناعية وشركات السيارات على المشهد الاقتصادي، بدأت الكفة تميل نحو الشركات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه شركات السيارات ضغوطاً متزايدة نتيجة تباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع تكاليف الطاقة والتوترات الجيوسياسية، بينما تستفيد شركات التكنولوجيا من موجة تفاؤل قوية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتسارعة.
وفي النهاية، يقدم صعود «سوفت بنك» نموذجاً واضحاً لكيفية تغير معايير التقييم في الأسواق الحديثة، حيث أصبحت القيمة السوقية تبنى بصورة متزايدة على القدرة على استشراف المستقبل وامتلاك موقع مؤثر في القطاعات الناشئة، أكثر من اعتمادها على الإنجازات التاريخية أو الأرباح الحالية وحدها. فكما رأى ماسايوشي سون في رقاقة إلكترونية صغيرة قبل أكثر من أربعين عاماً ملامح عالم جديد، يبدو أن الأسواق اليوم تكافئ الشركات التي تمتلك الرؤية ذاتها تجاه المستقبل.