كيف غيّرت الخوارزميات كرة القدم من الملعب إلى المدرجات
بغداد، القرن التاسع الميلادي، في بيت الحكمة. يجلس العالم محمد بن موسى الخوارزمي ممسكًا بقلمه، يدوّن خطوات دقيقة لحل معادلات رياضية معقدة، دون أن يدرك أن سلسلة الإجراءات التي وضعها ستُعرف لاحقًا باسم «الخوارزمية»، وستصبح حجر الأساس لعالم رقمي يدير قطاعات كاملة من الاقتصاد والعلوم، وصولًا إلى كرة القدم.
وبعد أكثر من اثني عشر قرنًا، تعمل الخوارزميات داخل مراكز بيانات حول العالم لتحدد قيمة اللاعبين، وتساعد المدربين على اختيار التشكيلات، وتدعم الحكام في اتخاذ القرارات، بل وتؤثر في كل ما يتعلق باللعبة، من الانتقالات والتدريب إلى التذاكر والبث التلفزيوني، لتتحول كرة القدم تدريجيًا إلى واحدة من أكثر الرياضات اعتمادًا على علم البيانات.
ظلّت كرة القدم لعقود طويلة تعتمد على خبرة المدربين وحدسهم في اختيار اللاعبين ووضع الخطط، بينما كان الكشافون يقيمون المواهب اعتمادًا على المشاهدة المباشرة والانطباعات الشخصية. لكن هذه المعادلة تغيّرت مع تطور تحليلات البيانات، التي أثبتت أن الأرقام قادرة على كشف مواهب قد تغيب عن العين البشرية.
وجاءت نقطة التحول مع انتشار فلسفة «ماني بول» في مطلع الألفية، قبل أن ينقلها الفيزيائي البريطاني السابق ماثيو بنهام إلى كرة القدم عبر ناديي برينتفورد الإنجليزي وميتييلاند الدنماركي. واعتمد الناديان على خوارزميات لتحليل أداء اللاعبين واكتشاف المواهب منخفضة التكلفة، لينجح برينتفورد في الصعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، بينما تبنت أندية مثل برايتون وليفربول أقسامًا متخصصة لتحليل البيانات والتنبؤ بقيمة الصفقات وتحسين الأداء الفني.
خوارزميات ترسم التكتيك
لم تعد الإحصاءات التقليدية مثل الأهداف والتمريرات الحاسمة كافية لفهم أداء اللاعبين، إذ تعتمد كرة القدم الحديثة على مؤشرات متقدمة، أبرزها الأهداف المتوقعة (xG) التي تقيس جودة الفرص واحتمالات التسجيل، والتمريرات الحاسمة المتوقعة (xA) التي تقيم جودة صناعة الفرص.
كما تستخدم الأندية بيانات مكانية متطورة لرصد تحركات اللاعبين، مثل عدد المنافسين الذين يتجاوزهم اللاعب بتمريرة واحدة، إضافة إلى الخرائط الحرارية التي تكشف مناطق نشاطه داخل الملعب.
أما الجانب البدني، فيعتمد على سترات مزودة بأجهزة GPS من شركات متخصصة، تقيس مسافات الركض، والأحمال البدنية، ومعدل ضربات القلب، فيما تلتقط كاميرات التتبع البصري مواقع اللاعبين والكرة عشرات المرات في الثانية، لتكوين نسخة رقمية دقيقة لكل تفاصيل المباراة، تمنح الأجهزة الفنية صورة شاملة عن الأداء داخل الملعب.
تغيير اقتصاد اللعبة
لم يعد تأثير الخوارزميات مقتصرًا على المستطيل الأخضر، بل امتد إلى الجوانب التجارية والإدارية للأندية، التي باتت تعمل بأسلوب يشبه شركات التكنولوجيا.
وتوفر الحوسبة السحابية وتقنيات التعلم الآلي إمكانات لتحليل المباريات واستخراج الإحصاءات، إلى جانب تشغيل أنظمة التنبؤ بالإصابات عبر تحليل الأحمال البدنية والبيانات البيوميكانيكية، ومحاكاة آلاف السيناريوهات التكتيكية قبل المباريات، بل وحتى اقتراح التبديلات وفق مؤشرات الإرهاق في الوقت الحقيقي.
كما تعتمد الأندية على الخوارزميات في التسعير الديناميكي للتذاكر، وتحليل سلوك الجماهير، وتخصيص المحتوى عبر التطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف زيادة التفاعل وتعظيم الإيرادات، لتصبح البيانات عنصرًا أساسيًا في صناعة كرة القدم الحديثة، داخل الملعب وخارجه.
التكنولوجيا تعزز العدالة
امتد دور الخوارزميات إلى التحكيم أيضًا، إذ شكلت تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) البداية، قبل أن تظهر تقنية التسلل شبه الآلية (SAOT) التي تعتمد على التتبع البصري ومستشعرات داخل الكرة لرسم حالات التسلل بسرعة ودقة أعلى.
وخلال كأس العالم 2022، استخدمت الكرة الرسمية مستشعرًا داخليًا يتتبع حركتها مئات المرات في الثانية، ما ساعد على تحديد لحظة لمس الكرة بدقة كبيرة، إلا أن التكنولوجيا لا تزال بحاجة إلى العنصر البشري في القرارات التقديرية، مثل تقييم المخالفات أو احتساب الأخطاء، لأن الخوارزمية تستطيع قياس المسافات والزوايا، لكنها لا تستطيع دائمًا تفسير النية أو السياق.
ورغم المكاسب الكبيرة التي حققتها البيانات والذكاء الاصطناعي في تطوير اللعبة، فإنها تثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل كرة القدم. فكلما أصبحت القرارات أكثر دقة، والصفقات أكثر اعتمادًا على الأرقام، والتفاعل مع الجماهير أكثر توجيهًا بالخوارزميات، يبرز سؤال جوهري: هل تبقى كرة القدم لعبة تقوم على المفاجآت والعاطفة، أم تتحول تدريجيًا إلى منتج ترفيهي مصمم هندسيًا لتحقيق أعلى درجات الكفاءة؟
وربما تكمن الإجابة في تحقيق التوازن بين الإنسان والتكنولوجيا؛ فالخوارزميات تستطيع تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع استبدال الحدس، والشغف، والمفاجآت التي جعلت كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم. ففي النهاية، قد تساعد التكنولوجيا على تحسين الأداء، لكنها لا تستطيع صناعة اللحظة التي تجعل الجماهير تؤمن بأن المستحيل يمكن أن يتحقق في تسعين دقيقة.