تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وارش‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭… ‬رئاسة‭ ‬جديدة‭ ‬وسط‭ ‬أخطر‭ ‬اختبار‭ ‬اقتصادي

وارش‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭... ‬رئاسة‭ ‬جديدة‭ ‬وسط‭ ‬أخطر‭ ‬اختبار‭ ‬اقتصادي

دخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬مرحلة‭ ‬مفصلية‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬أداء‭ ‬كيفن‭ ‬وارش‭ ‬اليمين‭ ‬رئيساً‭ ‬لمجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الاتحادي‭ ‬‮«‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الأميركي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد‭ ‬تواجه‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مزيجاً‭ ‬نادراً‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والجيوسياسية‭. ‬فبين‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬الأميركية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وتصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية،‭ ‬وتراجع‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلكين،‭ ‬والتغيرات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬يجد‭ ‬وارش‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أصعب‭ ‬المهمات‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬أي‭ ‬رئيس‭ ‬للاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬منذ‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭.‬
وجاء‭ ‬تعيين‭ ‬وارش‭ ‬بعد‭ ‬منافسة‭ ‬استمرت‭ ‬أشهراً‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬البارزة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬دعمه‭ ‬القوي‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬انتقاداته‭ ‬المتكررة‭ ‬لنهج‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬منحاه‭ ‬الأفضلية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المنصب‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬
وأدى‭ ‬وارش‭ ‬اليمين‭ ‬داخل‭ ‬القاعة‭ ‬الشرقية‭ ‬للبيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بحضور‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬الأميركيين‭ ‬والشخصيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬عكس‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بمرحلة‭ ‬انتقال‭ ‬السلطة‭ ‬داخل‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الأميركي‭. ‬وظهر‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬رموز‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية،‭ ‬بينهم‭ ‬وزير‭ ‬الخزانة‭ ‬سكوت‭ ‬بيسنت،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬شخصيات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬بارزة‭ ‬تربطه‭ ‬بها‭ ‬علاقات‭ ‬قديمة‭.‬

لحظة‭ ‬حساسة
توقيت‭ ‬وصول‭ ‬وارش‭ ‬إلى‭ ‬رئاسة‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬يحمل‭ ‬أبعاداً‭ ‬استثنائية،‭ ‬إذ‭ ‬يتزامن‭ ‬مع‭ ‬اضطرابات‭ ‬اقتصادية‭ ‬عالمية‭ ‬عميقة‭ ‬تقودها‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬المتفاقمة‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وأسهم‭ ‬تجاوز‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬مستوى‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬الأسواق‭ ‬تأمل‭ ‬بانتهاء‭ ‬دورة‭ ‬التضخم‭ ‬المرتفع‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬لسنوات‭.‬
ويواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬حالياً‭ ‬موجة‭ ‬ارتفاعات‭ ‬واسعة‭ ‬تشمل‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬والطاقة‭ ‬والخدمات‭ ‬والمرافق‭ ‬والسلع‭ ‬المستوردة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تداعيات‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬تعقيد‭ ‬مهمة‭ ‬صناع‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭.‬
وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬اقتصاديين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬عند‭ ‬مستوياتها‭ ‬المرتفعة‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬التضخم‭ ‬الأميركي‭ ‬إلى‭ ‬البقاء‭ ‬فوق‭ ‬مستهدف‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬المتوقع،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يجبر‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬خططه‭ ‬الخاصة‭ ‬بأسعار‭ ‬الفائدة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يدرك‭ ‬وارش‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬خاطئ‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬ولايته‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وثقة‭ ‬المستثمرين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬البيئة‭ ‬السياسية‭ ‬الحساسة‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

دعم‭ ‬ترامب
الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬منح‭ ‬وارش‭ ‬دعماً‭ ‬واضحاً‭ ‬خلال‭ ‬مراسم‭ ‬أداء‭ ‬اليمين،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬ستوفر‭ ‬له‭ ‬‮«‬الدعم‭ ‬الكامل‮»‬‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬البنك‭ ‬المركزي،‭ ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وعدم‭ ‬اعتبار‭ ‬كل‭ ‬توسع‭ ‬اقتصادي‭ ‬مصدراً‭ ‬للتضخم‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬الواسع‭ ‬يفتح‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬باب‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬استقلالية‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الرؤساء‭ ‬الأميركيين‭ ‬انتقاداً‭ ‬لرئيس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬السابق‭ ‬جيروم‭ ‬باول‭ ‬وسياسات‭ ‬البنك‭ ‬النقدية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭.‬
ويرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬وارش‭ ‬سيواجه‭ ‬اختباراً‭ ‬دقيقاً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬إثبات‭ ‬استقلالية‭ ‬قراراته‭ ‬النقدية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬استقلالية‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الأميركي‭.‬
وفي‭ ‬أول‭ ‬تصريحاته‭ ‬بعد‭ ‬أداء‭ ‬اليمين،‭ ‬أكد‭ ‬وارش‭ ‬أنه‭ ‬سيقود‭ ‬مجلساً‭ ‬‮«‬موجهاً‭ ‬نحو‭ ‬الإصلاح‮»‬،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬النجاحات‭ ‬السابقة‭ ‬وتجنب‭ ‬الأخطاء‭ ‬والأطر‭ ‬الجامدة،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬للنزاهة‭ ‬والأداء‭.‬

معضلة‭ ‬الفائدة
أكبر‭ ‬تحديات‭ ‬وارش‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭. ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬سابقاً‭ ‬باعتباره‭ ‬من‭ ‬الداعمين‭ ‬لخفض‭ ‬الفائدة‭ ‬وتحفيز‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬فرضت‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬واقعاً‭ ‬جديداً‭ ‬قد‭ ‬يدفعه‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬تشدداً‭.‬
وتزداد‭ ‬الضغوط‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬التضخم‭ ‬فوق‭ ‬المستوى‭ ‬المستهدف‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يخشى‭ ‬فيه‭ ‬المستثمرون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬أي‭ ‬تهاون‭ ‬في‭ ‬مكافحة‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬مصداقيته‭ ‬النقدية‭.‬
وقال‭ ‬وارش‭ ‬خلال‭ ‬جلسة‭ ‬تثبيت‭ ‬تعيينه‭ ‬أمام‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬إن‭ ‬‮«‬التضخم‭ ‬هو‭ ‬خيار‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الاتحادي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭. ‬وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬رؤية‭ ‬متشددة‭ ‬نسبياً‭ ‬تجاه‭ ‬التضخم،‭ ‬قد‭ ‬تمهد‭ ‬لتحولات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬المقبلة‭.‬
كما‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أول‭ ‬القرارات‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬سيواجهها‭ ‬وارش‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬سيكشف‭ ‬عن‭ ‬توقعاته‭ ‬الخاصة‭ ‬بأسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬العام،‭ ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬اتجاهات‭ ‬الأسواق‭ ‬والسندات‭ ‬والدولار‭ ‬الأميركي‭.‬
ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اختلاف‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬توقعات‭ ‬وارش‭ ‬وتوجهات‭ ‬بقية‭ ‬أعضاء‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬قد‭ ‬يزيد‭ ‬حالة‭ ‬الارتباك‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يراقبون‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬أي‭ ‬إشارات‭ ‬تتعلق‭ ‬بمستقبل‭ ‬التشديد‭ ‬النقدي‭ ‬الأميركي‭.‬

انقسام‭ ‬داخلي
بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬وارش‭ ‬إلى‭ ‬المنصب،‭ ‬برزت‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬تصاعد‭ ‬الانقسام‭ ‬داخل‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬نفسه‭ ‬بشأن‭ ‬مستقبل‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭. ‬فقد‭ ‬أجرى‭ ‬كريستوفر‭ ‬والر،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬والمرشحين‭ ‬السابقين‭ ‬لرئاسة‭ ‬البنك،‭ ‬تحولاً‭ ‬لافتاً‭ ‬في‭ ‬موقفه‭ ‬عبر‭ ‬دعمه‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬نهج‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي‭ ‬وفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬مجدداً‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬حجم‭ ‬القلق‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬التضخم‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والطاقة‭ ‬وتزايد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬داخل‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬باتوا‭ ‬يخشون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬التراخي‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬معدلات‭ ‬تضخم‭ ‬مرتفعة‭ ‬يصعب‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭ ‬لاحقاً،‭ ‬وهو‭ ‬السيناريو‭ ‬الذي‭ ‬تسعى‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬العالمية‭ ‬لتجنبه‭ ‬بأي‭ ‬ثمن‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬تيار‭ ‬آخر‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة‭ ‬بشكل‭ ‬إضافي‭ ‬قد‭ ‬يضغط‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬ويزيد‭ ‬احتمالات‭ ‬التباطؤ‭ ‬أو‭ ‬الركود،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التراجع‭ ‬الملحوظ‭ ‬بثقة‭ ‬المستهلكين‭.‬

الذكاء‭ ‬الاصطناعي
إلى‭ ‬جانب‭ ‬التحديات‭ ‬التقليدية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتضخم‭ ‬والفائدة،‭ ‬يواجه‭ ‬وارش‭ ‬ملفاً‭ ‬جديداً‭ ‬ومعقداً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬فالتكنولوجيا‭ ‬الجديدة‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬بإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاجية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬والاستهلاك‭ ‬بطرق‭ ‬يصعب‭ ‬قياس‭ ‬آثارها‭ ‬بدقة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الفعلي‭.‬
ويرى‭ ‬مسؤولو‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬أن‭ ‬تأثيرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أعمق‭ ‬وأسرع‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ثورة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬سابقة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مهمة‭ ‬تقدير‭ ‬النمو‭ ‬والإنتاجية‭ ‬والتضخم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الطفرة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات‭ ‬والطاقة‭ ‬الحاسوبية‭ ‬رفعت‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الكهرباء‭ ‬والطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬بدأ‭ ‬ينعكس‭ ‬تدريجياً‭ ‬على‭ ‬تكاليف‭ ‬المرافق‭ ‬والخدمات‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭.‬
ويحذر‭ ‬اقتصاديون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الدمج‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬التقليدية‭ ‬وارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬التوسع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قد‭ ‬ينتج‭ ‬موجة‭ ‬تضخمية‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬سابقاتها‭.‬
ثقة‭ ‬المستهلك

في‭ ‬موازاة‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬أظهرت‭ ‬استطلاعات‭ ‬جامعة‭ ‬ميشيغان‭ ‬تراجع‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلكين‭ ‬الأميركيين‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬منخفضة،‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬التفاؤل‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬الجمهوريين‭ ‬والمستقلين‭ ‬خلال‭ ‬ولاية‭ ‬ترامب‭ ‬الثانية‭.‬
ويشكل‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬مؤشراً‭ ‬خطيراً‭ ‬بالنسبة‭ ‬لصناع‭ ‬القرار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬لأن‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بمستويات‭ ‬الإنفاق‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستثمارات‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬والسلع‭ ‬الأساسية‭ ‬بدأ‭ ‬يضغط‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬الأميركية،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأميركي‭.‬
وفي‭ ‬حال‭ ‬استمرت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬فقد‭ ‬تجد‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬متزايدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬وتصاعد‭ ‬حساسية‭ ‬الناخب‭ ‬الأميركي‭ ‬تجاه‭ ‬التضخم‭ ‬وتكاليف‭ ‬المعيشة‭.‬

اختبار‭ ‬عالمي
تتجاوز‭ ‬أهمية‭ ‬رئاسة‭ ‬وارش‭ ‬حدود‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬فقط،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬قرارات‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬تؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬والعملات‭ ‬وتدفقات‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬وأسعار‭ ‬السلع‭ ‬والطاقة‭.‬
فأي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية‭ ‬سينعكس‭ ‬سريعاً‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬وأسواق‭ ‬السندات‭ ‬والاقتصادات‭ ‬الناشئة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬العالمية‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تراقب‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬والحكومات‭ ‬والمستثمرون‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬سيتخذها‭ ‬الرئيس‭ ‬الجديد‭ ‬للاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭. ‬ويرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬بالطاقة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مهمة‭ ‬وارش‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬إدارة‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬أو‭ ‬ضبط‭ ‬التضخم‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬التجارية،‭ ‬والتغيرات‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬بقيادة‭ ‬وارش‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الفترات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬ستحدد‭ ‬قراراته‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬مستقبل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬اتجاه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأسره‭.‬

رجوع لأعلى