وول ستريت تستعيد الزخم.. أسهم التكنولوجيا والرقائق تقود أكبر مكاسب للأسواق الأمريكية
عادت أسهم التكنولوجيا العملاقة لتقود الأسواق الأمريكية نحو الارتفاع مجدداً، بعدما تمكنت «وول ستريت» من تعويض خسائر استمرت لثلاث جلسات متتالية، مدفوعة بانتعاش واسع في أسهم شركات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها شركة «إنفيديا» التي يترقب المستثمرون نتائجها الفصلية باعتبارها المحرك الأساسي لموجة الذكاء الاصطناعي العالمية.
وسجلت المؤشرات الأمريكية الرئيسية مكاسب تجاوزت 1 بالمئة بنهاية تعاملات الأربعاء، في تحول سريع بمزاج المستثمرين، بعدما كانت الأسواق خلال الأيام الماضية تعيش حالة قلق حادة مرتبطة بارتفاع أسعار النفط والمخاوف من عودة التضخم، إضافة إلى استمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران وما قد يترتب عليها من تداعيات اقتصادية ومالية عالمية.
وبحسب البيانات الأولية، ارتفع مؤشر «ستاندرد اند بورز 500» بأكثر من 79 نقطة ليغلق عند 7432 نقطة تقريباً، بينما قفز مؤشر «ناسداك» بنحو 398 نقطة بدعم مباشر من أسهم التكنولوجيا، في حين صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بأكثر من 647 نقطة ليستعيد مستوى 50 ألف نقطة النفسي المهم.
وجاءت هذه المكاسب بعد موجة بيع عنيفة تعرضت لها الأسواق الأمريكية منذ بداية الأسبوع، نتيجة ارتفاع المخاوف من استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، إلى جانب القلق من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على مستويات التضخم العالمية.
إنفيديا في الواجهة
تركز اهتمام المستثمرين بصورة شبه كاملة على نتائج شركة «إنفيديا»، التي أصبحت خلال العامين الماضيين الرمز الأبرز لثورة الذكاء الاصطناعي العالمية، بعدما تحولت رقائقها الإلكترونية إلى العنصر الرئيسي الذي تعتمد عليه شركات التكنولوجيا العملاقة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة ومراكز البيانات العملاقة. ويعتبر المستثمرون نتائج «إنفيديا» بمثابة اختبار حقيقي لاستمرار الزخم القوي في قطاع الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعد الارتفاعات الضخمة التي شهدتها أسهم شركات التكنولوجيا منذ بداية العام الحالي، والتي دفعت تقييمات العديد من الشركات إلى مستويات تاريخية مرتفعة.
الرقائق تقود المكاسب
شهدت أسهم شركات أشباه الموصلات موجة شراء قوية خلال جلسة الأربعاء، بعدما عاد المستثمرون للمراهنة على استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي والنمو الكبير في الطلب على الرقائق المتطورة.
واستفادت شركات تصنيع الرقائق من توقعات استمرار الإنفاق القوي من جانب شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تتسابق حالياً على بناء وتوسيع مراكز البيانات العملاقة اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
كما عززت التوقعات المرتبطة بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل قطاعات الأعمال المختلفة من تفاؤل المستثمرين تجاه مستقبل شركات الرقائق، خصوصاً مع دخول الحكومات والشركات الكبرى في سباق عالمي لتطوير البنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية.
التضخم والفائدة
رغم الارتفاع القوي للأسواق، لا تزال المخاوف المتعلقة بالتضخم وأسعار الفائدة حاضرة بقوة في أذهان المستثمرين، خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وكانت الأسواق قد تعرضت لضغوط كبيرة خلال الأيام الماضية بسبب مخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، ما قد يدفع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى العودة إلى تشديد السياسة النقدية إذا تسارعت معدلات التضخم مجدداً.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار أسعار الفائدة المرتفعة إلى تقليص شهية الاستثمار والإنفاق، وهو ما قد يضغط على النمو الاقتصادي الأمريكي خلال الفترة المقبلة.
لكن عودة أسهم التكنولوجيا للارتفاع ساعدت في تخفيف هذه المخاوف مؤقتاً، خصوصاً مع استمرار قناعة الأسواق بأن الذكاء الاصطناعي يمثل محرك نمو طويل الأجل قادر على دعم أرباح الشركات الأمريكية الكبرى حتى في ظل بيئة نقدية مشددة نسبياً.
كما أن بعض المستثمرين بدأوا يراهنون على أن أي تباطؤ اقتصادي محتمل قد يدفع الاحتياطي الاتحادي في نهاية المطاف إلى تخفيف سياسته النقدية خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعزز جاذبية أسواق الأسهم.
الحرب والنفط
ألقت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بظلالها الثقيلة على الأسواق العالمية خلال الأيام الماضية، خصوصاً مع استمرار الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من مخاوف مرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية واحتمالات اتساع نطاق المواجهة. وأدت هذه التوترات إلى ارتفاع أسعار النفط بصورة ملحوظة، ما تسبب في زيادة المخاوف المتعلقة بالتضخم العالمي، خاصة أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
كما يخشى المستثمرون من أن يؤدي أي تصعيد عسكري إضافي في المنطقة إلى اضطرابات واسعة في أسواق النفط والشحن البحري، وهو ما قد يخلق موجة جديدة من الضغوط التضخمية العالمية في وقت لا تزال فيه الاقتصادات الكبرى تحاول السيطرة على آثار التضخم المرتفع الذي شهدته خلال الأعوام الماضية.
ورغم هذه المخاوف، تمكنت الأسواق الأمريكية من استعادة توازنها مؤقتاً بفضل قوة قطاع التكنولوجيا، لكن المحللين يؤكدون أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يبقي مستويات التذبذب مرتفعة خلال الفترة المقبلة.
مزاج المستثمرين
عكست تعاملات الأربعاء تحولاً واضحاً في مزاج المستثمرين، بعدما انتقلت الأسواق سريعاً من التركيز على المخاطر الجيوسياسية والتضخم إلى العودة نحو الرهان على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وقالت كارول شليف، كبيرة الخبراء في «بي إم أو برايفت ويلث»، إن التكنولوجيا تقود السوق مرة أخرى، إلى جانب موضوع الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن المستثمرين تخلوا مؤقتاً عن مخاوف ارتفاع أسعار الفائدة واتجهوا مجدداً نحو أسهم النمو.
ويعتقد محللون أن الأسواق أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على عدد محدود من الشركات العملاقة، وفي مقدمتها شركات الذكاء الاصطناعي والرقائق، وهو ما يزيد حساسية المؤشرات الأمريكية تجاه نتائج هذه الشركات.
كما أن استمرار التدفقات الاستثمارية الضخمة نحو قطاع التكنولوجيا يعكس قناعة متنامية لدى المستثمرين بأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد موجة مؤقتة، بل تحول اقتصادي وهيكلي طويل الأجل سيغير شكل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
لكن في المقابل، يحذر بعض الخبراء من أن الارتفاعات السريعة في تقييمات شركات التكنولوجيا قد تزيد مخاطر حدوث تصحيحات حادة مستقبلاً إذا جاءت النتائج المالية أقل من التوقعات أو تباطأ نمو الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.
رهان الذكاء الاصطناعي
أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم العامل الأكثر تأثيراً في حركة الأسواق العالمية، بعدما تحول إلى محور رئيسي لاستراتيجيات الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار العالمية.
وتشهد شركات التكنولوجيا سباقاً غير مسبوق لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة بها، وسط توقعات بأن يضيف هذا القطاع تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
كما أن الحكومات بدأت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة استراتيجية مرتبطة بالنمو الاقتصادي والأمن القومي والتفوق التكنولوجي، ما يدفعها إلى زيادة الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية والرقائق الإلكترونية.
وفي الولايات المتحدة، لعبت طفرة الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في دعم أسواق الأسهم خلال العامين الماضيين، حيث أصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة تمثل النسبة الأكبر من المكاسب التي تحققها المؤشرات الأمريكية.
ويرى خبراء أن استمرار هذا الاتجاه سيعتمد بصورة كبيرة على قدرة الشركات على تحقيق أرباح حقيقية ومستدامة من استثمارات الذكاء الاصطناعي، وليس فقط الاعتماد على التوقعات المستقبلية.