وول ستريت تهتز تحت ضغط التضخم
أنهت الأسواق الأمريكية تعاملات الثلاثاء على تراجعات واسعة، بعدما تصاعدت المخاوف المرتبطة بالتضخم العالمي وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، في وقت ما تزال فيه التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تضغط بقوة على معنويات المستثمرين وتزيد من القلق بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي.
وتراجعت المؤشرات الرئيسية في وول ستريت للجلسة الثالثة على التوالي، في إشارة إلى تحول واضح في مزاج المستثمرين بعد أشهر من المكاسب القوية التي دفعتها موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتوقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية.
وخسر مؤشر ستاندرد اند بورز 500 نحو 0.66 %، بينما تراجع ناسداك المجمع بنسبة 0.83 %، في حين انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 0.65 %، وسط عمليات بيع واسعة شملت قطاعات التكنولوجيا والنمو والأسهم الحساسة لأسعار الفائدة.
ويأتي هذا التراجع في وقت تشهد فيه الأسواق المالية العالمية واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ سنوات، مع تداخل الضغوط التضخمية والتوترات الجيوسياسية وتشديد السياسات النقدية في آن واحد.
صدمة العوائد
وكان العامل الأكثر تأثيراً في تحركات الأسواق هو القفزة الجديدة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية، إذ ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.69 %، وهو أعلى مستوى يسجله منذ يناير 2025.
كما واصلت العوائد طويلة الأجل ارتفاعها، في إشارة إلى أن المستثمرين باتوا يتوقعون استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، وربما عودة الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة إذا بقي التضخم عند مستويات مرتفعة.
ويمثل ارتفاع العوائد ضغطاً مباشراً على أسواق الأسهم، لأن السندات الحكومية تصبح أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بالأصول عالية المخاطر، كما ترتفع تكلفة التمويل على الشركات والأفراد.
وخلال السنوات الماضية، استفادت الأسهم الأمريكية من بيئة نقدية شديدة التيسير وفوائد منخفضة، لكن التحول الحالي في السياسات النقدية بدأ يعيد رسم خريطة التدفقات الاستثمارية العالمية.
التضخم يعود
وعادت المخاوف التضخمية بقوة إلى واجهة الأسواق مع استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة فوق 110 دولارات للبرميل، رغم التراجعات الطفيفة الأخيرة.
ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب في الخليج وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز إلى موجة جديدة من ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات عالمياً.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يزيد من الضغوط على البنوك المركزية، التي كانت تأمل سابقاً في بدء دورة خفض للفائدة خلال النصف الثاني من العام.
لكن مع عودة التضخم للارتفاع، بدأت الأسواق تعيد تسعير توقعاتها بالكامل، حيث باتت احتمالات رفع الفائدة مجدداً أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول أكثر حضوراً داخل الأسواق المالية.
ويرى اقتصاديون أن الأسواق دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها الطاقة والجغرافيا السياسية عوامل حاسمة في رسم السياسة النقدية العالمية.
إيران والأسواق
وفي الجانب الجيوسياسي، استمرت الأسواق بمتابعة تطورات العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة بعد التصريحات المتناقضة الصادرة عن الإدارة الأمريكية.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن واشنطن قد تضطر إلى مهاجمة إيران مجدداً، مشيراً إلى أنه كان قريباً من إصدار قرار بتنفيذ ضربة جديدة قبل أن يؤجل الخطوة مؤقتاً.
وفي المقابل، حاول نائب الرئيس جيه دي فانس تهدئة المخاوف، مؤكداً أن المحادثات بين واشنطن وطهران أحرزت تقدماً ملحوظاً وأن الجانبين لا يرغبان في استئناف المواجهة العسكرية.
لكن هذه التصريحات المتباينة زادت من حالة الضبابية داخل الأسواق، إذ يخشى المستثمرون من أن يؤدي أي خطأ سياسي أو عسكري إلى انفجار أوسع في المنطقة يهدد إمدادات الطاقة العالمية.
كما أن استمرار الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز يبقي الأسواق في حالة توتر دائم، نظراً للأهمية الحيوية للممر في تجارة النفط والغاز العالمية.
التكنولوجيا تحت الضغط
وتعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط ملحوظة خلال الجلسات الأخيرة، خاصة بعد موجة صعود قوية دفعتها إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية.
ويعد قطاع التكنولوجيا من أكثر القطاعات حساسية لارتفاع أسعار الفائدة، لأن تقييمات شركات النمو تعتمد بشكل كبير على توقعات الأرباح المستقبلية، التي تتأثر سلباً بارتفاع تكلفة التمويل والعوائد.
كما أن المستثمرين بدأوا في جني الأرباح بعد الارتفاعات الضخمة التي قادتها شركات الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الماضية، وسط مخاوف من مبالغة الأسواق في تسعير التوقعات المستقبلية.
ويرى محللون أن الأسواق الأمريكية تمر حالياً بمرحلة تصحيح طبيعية بعد موجة صعود استثنائية، لكن استمـرار ارتفاع العوائد والتوترات الجيوسياسيـة قد يحول هذا التصحيح إلى موجـة أعمق من التراجعات.
تبدل التوقعات
وقبل أشهر قليلة فقط، كانت الأسواق تراهن بقوة على أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، مستفيداً من تباطؤ التضخم واستقرار الاقتصاد الأمريكي.
لكن التطورات الأخيرة غيّرت هذه التوقعات بشكل جذري، إذ بات المستثمرون يتوقعون بقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول، مع احتمال تنفيذ زيادات إضافية للفائدة إذا تسارعت الضغوط التضخمية.
ويؤدي هذا التحول إلى إعادة تسعير واسعة للأصول المالية، حيث تتراجع شهية المستثمرين للأسهم والعملات الرقمية والأصول عالية المخاطر، مقابل زيادة الطلب على الدولار والسندات الحكومية. كما بدأت الأسواق تتحدث مجدداً عن احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة تباطؤ أو ركود إذا استمرت أسعار الفائدة المرتفعة لفترة طويلة.
القلق يتصاعد
وقال محللون إن الأسواق تعاني حالياً من غياب أي إشارات مطمئنة يمكن أن توقف موجة القلق الحالية، سواء على الصعيد الجيوسياسي أو الاقتصادي.
فمن جهة، ما تزال الحرب في الخليج مفتوحة على احتمالات متعددة، ومن جهة أخرى تستمر أسعار الطاقة المرتفعة في تغذية التضخم ورفع الضغوط على البنوك المركزية.
كما أن المستثمرين باتوا أكثر حساسية تجاه أي بيانات اقتصادية أو تصريحات صادرة عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، نظراً لتأثيرها المباشر على توقعات الفائدة والعوائد.
ويرى خبراء أن الأسواق الأمريكية دخلت بالفعل مرحلة أكثر هشاشة، حيث أصبحت التحركات اليومية أكثر ارتباطاً بالأخبار السياسية والاقتصادية المفاجئة.
سيولة حذرة
وفي ظل هذه الأوضاع، تتجه المحافظ الاستثمارية العالمية نحو مزيد من الحذر، مع ارتفاع مستويات السيولة والتحول التدريجي نحو الأصول الدفاعية.
كما بدأ بعض المستثمرين في تقليص انكشافهم على الأسهم ذات التقييمات المرتفعة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والنمو، تحسباً لمزيد من التقلبات خلال الفترة المقبلة.
وفي المقابل، تستفيد السندات والدولار من هذه التحولات، حيث يبحث المستثمرون عن أدوات أكثر استقراراً في ظل تصاعد حالة عدم اليقين العالمية.
ويرى مراقبون أن الأسواق تعيش حالياً واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً منذ سنوات، إذ تتداخل مخاطر التضخم والحرب وارتفاع الفائدة في وقت واحد، وهو ما يجعل توقع الاتجاه المقبل للأسواق أكثر صعوبة.