تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آلة‭ ‬هولندية‭ ‬تشعل‭ ‬صراع‭ ‬الرقائق‭ ‬العالمي

آلة‭ ‬هولندية‭ ‬تشعل‭ ‬صراع‭ ‬الرقائق‭ ‬العالمي

لم‭ ‬تعد‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تدور‭ ‬فقط‭ ‬حول‭ ‬تطوير‭ ‬النماذج‭ ‬اللغوية‭ ‬أو‭ ‬إنتاج‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬الأسرع،‭ ‬بل‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬هذه‭ ‬الرقائق‭. ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬تقف‭ ‬شركة‭ ‬ASML‭ ‬الهولندية،‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬احتكاراً‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬لإنتاج‭ ‬آلات‭ ‬الطباعة‭ ‬الضوئية‭ ‬بالأشعة‭ ‬فوق‭ ‬البنفسجية‭ ‬القصوى‭ (‬EUV‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬التقنية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬دونها‭ ‬تصنيع‭ ‬أكثر‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬تطوراً‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والخوادم‭ ‬العملاقة‭ ‬والهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬الحديثة‭.‬
وأعادت‭ ‬اتهامات‭ ‬أميركية‭ ‬أخيرة‭ ‬بشأن‭ ‬احتمال‭ ‬وصول‭ ‬إحدى‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬إشعال‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬لتتحول‭ ‬آلة‭ ‬واحدة‭ ‬إلى‭ ‬محور‭ ‬صراع‭ ‬جيوسياسي‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬اعتبارات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتنافس‭ ‬الصناعي‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭.‬
ويرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬الخلاف‭ ‬حول‭ ‬جهاز‭ ‬معين،‭ ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬سباقاً‭ ‬محموماً‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الحلقة‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬إنتاج‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والتي‭ ‬تعد‭ ‬اليوم‭ ‬أساس‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬وثورة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

احتكار‭ ‬استراتيجي
تحتل‭ ‬شركة‭ ‬ASML‭ ‬موقعاً‭ ‬فريداً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العالمية،‭ ‬فهي‭ ‬الشركة‭ ‬الوحيدة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬آلات‭ ‬EUV،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لتصنيع‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬المتقدمة‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تعتبر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬منع‭ ‬وصول‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أدواتها‭ ‬لإبطاء‭ ‬تقدم‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والحوسبة‭ ‬الفائقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬واشنطن،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬الهولندية،‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬هذه‭ ‬المعدات‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2019‭.‬
لكن‭ ‬الجدل‭ ‬عاد‭ ‬بقوة‭ ‬بعدما‭ ‬أبلغ‭ ‬وزير‭ ‬التجارة‭ ‬الأميركي،‭ ‬هوارد‭ ‬لوتنيك،‭ ‬مسؤولي‭ ‬الشركة‭ ‬بوجود‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬وصول‭ ‬إحدى‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نفته‭ ‬الشركة‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع‭.‬
وأكدت‭ ‬ASML‭ ‬أنها‭ ‬تعرف‭ ‬الموقع‭ ‬الدقيق‭ ‬لجميع‭ ‬آلات‭ ‬EUV‭ ‬التي‭ ‬أنتجتها،‭ ‬والبالغ‭ ‬عددها‭ ‬نحو‭ ‬340‭ ‬آلة،‭ ‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬أياً‭ ‬منها‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬داخل‭ ‬الصين،‭ ‬وأن‭ ‬تشغيلها‭ ‬أو‭ ‬نقلها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مشاركة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬مهندسي‭ ‬الشركة،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬تعقيدها‭ ‬التقني‭ ‬وحساسيتها‭ ‬العالية‭.‬
كما‭ ‬شددت‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تتلق‭ ‬أي‭ ‬أدلة‭ ‬تثبت‭ ‬صحة‭ ‬الادعاءات‭ ‬الأميركية،‭ ‬ولم‭ ‬تصدر‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬أي‭ ‬آلة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬أو‭ ‬مكونات‭ ‬مخصصة‭ ‬لتشغيلها‭.‬

خلاف‭ ‬الحلفاء
ورغم‭ ‬التوافق‭ ‬العام‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬ولاهاي‭ ‬بشأن‭ ‬أهمية‭ ‬حماية‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬فإن‭ ‬القضية‭ ‬كشفت‭ ‬أيضاً‭ ‬وجود‭ ‬تباين‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الصين‭.‬
فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬القيود‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر،‭ ‬بينما‭ ‬تحاول‭ ‬الحكومة‭ ‬الهولندية‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬المتطلبات‭ ‬الأمنية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬شركاتها‭ ‬الصناعية،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭ ‬تمثل‭ ‬مصدراً‭ ‬مهماً‭ ‬لإيرادات‭ ‬قطاع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الأوروبي‭.‬
ويعتقد‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬التنفيذيين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬الأميركية‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي،‭ ‬وإنما‭ ‬يهدف‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬تشجيع‭ ‬شركات‭ ‬صناعة‭ ‬الرقائق‭ ‬ومورديها‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬استثماراتهم‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الصناعة‭ ‬الأميركية‭.‬
ويتركز‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬المخاوف‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬وصول‭ ‬مكونات‭ ‬أو‭ ‬تقنيات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بآلات‭ ‬EUV‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬عبر‭ ‬أطراف‭ ‬ثالثة،‭ ‬أو‭ ‬استمرار‭ ‬تصدير‭ ‬آلات‭ ‬DUV‭ ‬الأقدم،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مسموحة‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬وتحقق‭ ‬للشركة‭ ‬الهولندية‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬إيراداتها‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تؤكد‭ ‬الحكومة‭ ‬الهولندية‭ ‬أنها‭ ‬تطبق‭ ‬نظاماً‭ ‬صارماً‭ ‬لمراقبة‭ ‬الصادرات،‭ ‬وأنها‭ ‬ستتحرك‭ ‬فوراً‭ ‬إذا‭ ‬ظهرت‭ ‬أي‭ ‬أدلة‭ ‬موثوقة‭ ‬على‭ ‬حدوث‭ ‬مخالفة‭.‬

سباق‭ ‬التكنولوجيا
في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تواصل‭ ‬الصين‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الغربية‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬بدائل‭ ‬محلية‭.‬
وتشير‭ ‬تقارير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬فريقاً‭ ‬يضم‭ ‬مهندسين‭ ‬سابقين‭ ‬في‭ ‬ASML‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬نموذج‭ ‬أولي‭ ‬لآلة‭ ‬EUV‭ ‬داخل‭ ‬الصين،‭ ‬ويخضع‭ ‬حالياً‭ ‬لاختبارات‭ ‬في‭ ‬منشأة‭ ‬بمدينة‭ ‬شنتشن‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المحاولات‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬التجاري،‭ ‬فإن‭ ‬بكين‭ ‬تستهدف‭ ‬امتلاك‭ ‬قدرة‭ ‬محلية‭ ‬على‭ ‬تصنيع‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2028،‭ ‬بينما‭ ‬يرجح‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬يحتاج‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الغربية‭ ‬سنوات‭ ‬إضافية‭.‬
وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬حققت‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬تقدماً‭ ‬باستخدام‭ ‬تقنية‭ ‬DUV‭ ‬التقليدية‭ ‬عبر‭ ‬أسلوب‭ ‬يعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الطباعة‭ ‬متعددة‭ ‬الأنماط‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬بإنتاج‭ ‬رقائق‭ ‬متقدمة‭ ‬بدقة‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬سبعة‭ ‬نانومترات،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بتكاليف‭ ‬أعلى‭ ‬وكفاءة‭ ‬أقل‭ ‬مقارنة‭ ‬بتقنية‭ ‬EUV‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬قدرة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬الالتفاف‭ ‬جزئياً‭ ‬على‭ ‬القيود‭ ‬الغربية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬قلق‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬التقدم‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الرقائق‭ ‬رغم‭ ‬العقوبات‭.‬

معركة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية
يتجه‭ ‬الصراع‭ ‬التكنولوجي‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬مع‭ ‬تحوله‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الرقائق‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المعدات‭ ‬التي‭ ‬تصنعها‭. ‬وبينما‭ ‬تسعى‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬القيود‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬تشريعية‭ ‬جديدة‭ ‬تشمل‭ ‬حظر‭ ‬خدمات‭ ‬الصيانة‭ ‬وقطع‭ ‬الغيار،‭ ‬تحاول‭ ‬أوروبا‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬التزاماتها‭ ‬الأمنية‭ ‬ومصالحها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تواصل‭ ‬فيه‭ ‬الصين‭ ‬تطوير‭ ‬بدائل‭ ‬محلية‭ ‬لتقليل‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الغربية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬تبدو‭ ‬آلات‭ ‬ASML‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬معدات‭ ‬صناعية،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أوراق‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬قيادة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى