أثرياء لندن يعيدون تعريف تقاعد الرفاه الفاخر
لم يعد التقاعد بالنسبة لشريحة من أثرياء لندن يعني الاكتفاء بمنزل هادئ أو الانتقال إلى دار رعاية تقليدية، بل أصبح يمثل مرحلة جديدة من الحياة تقوم على الجمع بين الرفاهية والخدمات الصحية والأمان داخل مجمعات سكنية متخصصة، تشبه الفنادق الفاخرة أكثر مما تشبه مساكن كبار السن.
هذا التحول يعكس تغيراً واضحاً في سلوك أصحاب الثروات، الذين باتوا ينظرون إلى سنوات التقاعد باعتبارها فرصة للاستمتاع بنمط حياة أكثر راحة، حتى وإن كان ذلك على حساب جزء من ثرواتهم أو الميراث الذي سيؤول إلى أبنائهم مستقبلاً.
وتسعى شركات التطوير العقاري والاستثمار إلى استغلال هذا التحول، عبر إنشاء مشروعات تستهدف أصحاب المنازل مرتفعة القيمة، معتمدة على توقعات تشير إلى امتلاك من تجاوزوا الستين في لندن وجنوب شرق إنجلترا ثروات عقارية هائلة يمكن أن تتحول إلى مصدر تمويل لهذا النوع من المجمعات.
قرار جريء
يجسد أندرو جودوين وزوجته جين هذا التوجه الجديد بعدما قررا بيع منزلهما الذي بلغت قيمته نحو مليوني جنيه إسترليني في غرب لندن، والانتقال إلى شقة داخل مجمع سكني فاخر للمتقاعدين في منطقة فولهام، بلغت قيمتها نحو 1.3 مليون جنيه إسترليني.
ورغم أن القرار أثار استغراب كثير من أصدقائهما، فإن الزوجين يؤكدان أنهما حصلا على ما كانا يبحثان عنه، وهو الشعور بالأمان والطمأنينة مع التقدم في العمر، إضافة إلى خدمات يومية متكاملة تجعل الحياة أكثر سهولة.
ويقول أندرو، الذي يبلغ من العمر 79 عاماً وعمل سابقاً في قطاع التأمين، إن الإنسان يصبح أكثر قلقاً كلما تقدم في السن، لكن وجوده داخل هذا المجتمع السكني منحه شعوراً أكبر بالاستقرار والراحة النفسية.
أما زوجته جين، وهي فنانة تشكيلية خضعت لعمليتي استبدال للركبة، فتستفيد بصورة مباشرة من وجود خدمات الرعاية الصحية والعلاج الطبيعي داخل المجمع دون الحاجة إلى التنقل المستمر خارج المنزل.
رفاهية متكاملة
المجمعات السكنية الجديدة تختلف جذرياً عن الصورة النمطية لدور رعاية المسنين في بريطانيا، إذ تقدم نموذجاً أقرب إلى المنتجعات الفاخرة.
فالمباني تضم مطاعم راقية، ومسابح، وصالات رياضية، وقاعات سينما، إضافة إلى خدمات الاستقبال على مدار الساعة، ووجود طواقم طبية تضم ممرضين وأخصائيي علاج طبيعي.
كما صممت الوحدات السكنية بطريقة تجمع بين الفخامة والاحتياجات الصحية، حيث تبدو الشقق أنيقة وعصرية، لكنها تحتوي في الوقت نفسه على تجهيزات خفية مثل أزرار الإنذار الأرضية التي يمكن استخدامها عند التعرض للسقوط أو الطوارئ.
وتحاول الشركات المشغلة إقناع العملاء بأن الانتقال إلى هذه المجتمعات لا يعني الاعتراف بالعجز، بل يمثل تطويراً تدريجياً لنمط الحياة قبل الوصول إلى مراحل الشيخوخة المتقدمة.
فرصة استثمارية
الاهتمام بهذا القطاع لا يقتصر على المطورين العقاريين، بل يمتد إلى كبار المستثمرين العالميين الذين يرون فيه سوقاً واعدة خلال السنوات المقبلة.
وتدير شركة «ريفرستون»، المدعومة من «جولدمان ساكس لإدارة الأصول»، مشروعين في لندن وتعمل على تطوير مشروع ثالث في منطقة هامبستيد، حيث تبدأ أسعار بعض الشقق الفاخرة من أكثر من 5 ملايين جنيه إسترليني.
كما دخلت شركات استثمارية أخرى هذا المجال، من بينها «أوكتري كابيتال مانجمنت»، المالكة لشركة «أوريينس»، التي تستهدف الفئة الأكثر ثراءً من المتقاعدين في العاصمة البريطانية.
ويستند هذا الاهتمام إلى حجم السوق الكبير، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو تريليون جنيه إسترليني من الثروة العقارية في لندن وجنوب شرق إنجلترا يمتلكها أشخاص تجاوزوا الستين من العمر، فيما انتقل نحو عشرة آلاف مالك لمنازل تزيد قيمتها على مليون جنيه إسترليني إلى مساكن أصغر خلال العام الماضي.
تكاليف مرتفعة
ورغم المزايا الكبيرة التي توفرها هذه المجمعات، فإن الانتقال إليها لا يخلو من أعباء مالية كبيرة.
فالسكان يدفعون رسوماً شهرية مرتفعة مقابل الخدمات والصيانة والمرافق، تصل إلى نحو 1600 جنيه إسترليني شهرياً لشقة من غرفتي نوم.
ولا تقتصر التكاليف على الرسوم الشهرية، إذ تعتمد الشركات أيضاً على نظام الرسوم المؤجلة، الذي يقتطع نسبة تتراوح بين 28 و30 % من قيمة إعادة بيع الشقة مستقبلاً، سواء دفعها السكان أنفسهم أو ورثتهم.
كما تتيح بعض الشركات خيار تخفيض الرسوم الشهرية إلى النصف مقابل رفع الرسوم المؤجلة تدريجياً حتى تصل إلى 35 % من قيمة إعادة البيع، وهو الخيار الذي فضله بعض السكان.
ويعني ذلك عملياً أن جزءاً من قيمة الميراث المستقبلي يتراجع مقابل الحصول على مستوى أعلى من الراحة والخدمات خلال سنوات التقاعد.
رهان طويل
يرى القائمون على هذه المشروعات أن نجاحها يعتمد على قدرتها في الحفاظ على جودة الخدمات والمرافق على المدى الطويل، بما يضمن استمرار الطلب على الوحدات السكنية مستقبلاً.
كما تراهن الشركات على أن وضوح نظام الرسوم المؤجلة يمنحها حافزاً دائماً للحفاظ على مستوى المشروعات، لأن أرباحها المستقبلية ترتبط مباشرة بقيمة إعادة بيع الشقق وجاذبيتها للمشترين الجدد.
ويتمثل الهدف النهائي في الوصول إلى الإشغال الكامل، ثم إنشاء قوائم انتظار للراغبين في الانتقال، بما يضمن استدامة النموذج الاستثماري ويعزز ثقة المستثمرين والعملاء.
وفي الوقت نفسه، تعكس هذه المجمعات تغيراً أوسع في نظرة الأثرياء إلى التقاعد، إذ لم يعد الهدف مجرد امتلاك منزل كبير، بل الحصول على بيئة توفر الراحة والرعاية والأنشطة الاجتماعية والخدمات الصحية تحت سقف واحد، حتى وإن استدعى ذلك التخلي عن جزء من الثروة المتراكمة.
مستقبل التقاعد بين الرفاه والاستثمار
يبقى نموذج التقاعد الفاخر في لندن تجربة اقتصادية واجتماعية قيد الاختبار، إذ تتقاطع فيه مصالح المطورين العقاريين والمستثمرين مع تطلعات المتقاعدين الباحثين عن حياة أكثر راحة وأماناً. وبينما تبدو المؤشرات الديموغرافية والثروات العقارية الضخمة عوامل داعمة لنمو هذا القطاع، فإن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على قيمة الأصول، واستدامة جودة الخدمات، وإقناع مزيد من الأثرياء بأن الاستثمار في جودة الحياة خلال سنوات التقاعد لا يقل أهمية عن الحفاظ على حجم الميراث للأجيال المقبلة.