أسعار الذهب تستعيد جزءاً من خسائرها
استعادت أسعار الذهب جزءاً من خسائرها مع بداية تعاملات الأسبوع، بعدما نجحت في الارتداد من أدنى مستوياتها في أكثر من أسبوع، مدعومة بتطورات سياسية إيجابية في المحادثات الأميركية الإيرانية التي استضافتها سويسرا. وجاء هذا التعافي في وقت تتداخل فيه عوامل متناقضة تؤثر على حركة المعدن النفيس، إذ دعمت التهدئة الجيوسياسية الطلب على الذهب كأداة تحوط، بينما استمرت توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية في فرض ضغوط على آفاق الأسعار.
وأظهرت الأسواق المالية تفاعلاً سريعاً مع الأنباء الواردة من سويسرا، حيث أشار مسؤولون إيرانيون إلى إحراز تقدم في المباحثات مع الولايات المتحدة، فيما تحدثت دولتا الوساطة قطر وباكستان عن اتفاق الطرفين على خارطة طريق تستهدف الوصول إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً. وأدى هذا التطور إلى تهدئة جزء من المخاوف المرتبطة بالتصعيد في الشرق الأوسط، ما انعكس على أسعار النفط والذهب والأسواق العالمية بشكل عام.
تعافٍ بعد موجة بيع
جاء صعود الذهب بعد جلسات من الضغوط التي دفعت المعدن الأصفر إلى أدنى مستوياته منذ الحادي عشر من يونيو. وكان المستثمرون قد اتجهوا إلى جني الأرباح وتقليص مراكزهم في الذهب خلال الأيام الماضية مع تزايد التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يواصل نهجه المتشدد تجاه أسعار الفائدة.
ومع ظهور مؤشرات إيجابية من المحادثات الأميركية الإيرانية، تمكن الذهب من استعادة جزء من زخمه، إذ ارتفعت الأسعار الفورية بنحو 0.7 بالمئة. ويعكس هذا الأداء استمرار الطلب الاستثماري على المعدن النفيس رغم الضغوط النقدية، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي لا تزال تحيط بالاقتصاد العالمي والتطورات السياسية.
ويؤكد هذا التعافي أن الذهب ما يزال يحتفظ بمكانته كأحد أهم الأصول الدفاعية في المحافظ الاستثمارية، حتى في الفترات التي تتعرض فيها الأسعار لضغوط ناتجة عن ارتفاع العوائد وأسعار الفائدة.
سويسرا تغير المزاج
أعادت نتائج الجولة الأولى من المحادثات الأميركية الإيرانية تشكيل توقعات المستثمرين خلال ساعات قليلة. فبعد أجواء من التوتر والتصعيد اللفظي التي سبقت اللقاءات، جاءت التصريحات الصادرة من الجانبين لتعطي انطباعاً بأن هناك فرصة حقيقية لتحقيق تقدم سياسي قد ينعكس على الاستقرار الإقليمي.
وأدى هذا التحول إلى تراجع حدة المخاوف التي سيطرت على الأسواق خلال الأيام الماضية، خصوصاً تلك المرتبطة بأمن الإمدادات النفطية وحركة الملاحة في المنطقة. كما ساهمت الإشارات الإيجابية إلى إمكانية التوصل لاتفاق خلال فترة زمنية محددة في تحسين معنويات المستثمرين عالمياً.
وبالنسبة للذهب، فإن التطورات الجيوسياسية غالباً ما تلعب دوراً مزدوجاً. فمن جهة، تؤدي الأزمات إلى زيادة الطلب على الملاذات الآمنة، ومن جهة أخرى فإن التهدئة السياسية قد تدعم الأسواق المالية وتقلل التقلبات. ولهذا السبب ظل المعدن يتحرك بحذر بين تأثيرات هذه العوامل المتعارضة.
النفط والتضخم
شكل تراجع أسعار النفط أحد أبرز العوامل الداعمة للذهب خلال تعاملات الاثنين. فمع الإعلان عن إحراز تقدم في المحادثات، هبطت أسعار الخام بأكثر من واحد بالمئة، بعدما كانت قد سجلت ارتفاعات قوية في وقت سابق.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن أسعار الطاقة ترتبط بشكل مباشر بمعدلات التضخم العالمية. وعندما ترتفع أسعار النفط، تزداد المخاوف من ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والاستهلاك، ما يدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشدداً.
أما انخفاض النفط، فيسهم في تخفيف الضغوط التضخمية، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة مستقبلاً. ولذلك نظر بعض المستثمرين إلى تراجع الخام باعتباره عاملاً إيجابياً للذهب، حتى وإن كانت الأسواق ما تزال تتوقع خطوات تشديد نقدي إضافية من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
معركة بين عاملين
تعكس حركة الذهب الحالية صراعاً واضحاً بين عاملين رئيسيين. الأول يتمثل في استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي وما يصاحبها من طلب على الأصول الآمنة، والثاني يتعلق بتوقعات السياسة النقدية الأميركية التي تضغط على الأسعار من خلال رفع تكلفة الاحتفاظ بالمعدن.
ويرى محللون أن الأسواق لم تحسم بعـد أي العاملين سيكـون الأكثـر تأثيراً خلال المرحلة المقبلة. فإذا استمرت المحادثات الأميركية الإيرانية في تحقيق تقدم ملموس، فقد تتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية تدريجياً. أما إذا شهدت المفاوضات أي تعثر أو انتكاسة، فقد يعود المستثمرون بقوة إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً.
وفــي المـقابل، ستبقـى بيانـات التضخم الأميركية وقرارات الاحتيــاطي الفيدرالي العامل الأكثر حسماً في تحديد اتجاه المعدن خلال النصف الثاني من العام.
المعادن النفيسة تستفيد
لم يقتصر التحسن على الذهب وحده، إذ شهدت بقية المعادن النفيسة مكاسب ملحوظة خلال تعاملات الاثنين. وارتفعت الفضة بنحو اثنين بالمئة، فيما سجل البلاتين والبلاديوم مكاسب متفاوتة، مستفيدين من تحسن معنويات المستثمرين وتراجع المخاوف المرتبطة بالاضطرابات الجيوسياسية.
ويعكس هذا الأداء وجود طلب استثماري واسع النطاق على المعادن النفيسة، سواء لأغراض التحوط أو للاستفادة من الفرص السعرية التي نتجت عن التقلبات الأخيرة في الأسواق.
كما أن هذه المعادن تستفيد من توقعات استمرار النشاط الصناعي العالمي عند مستويات جيدة، ما يدعم الطلب المرتبط بالاستخدامات الصناعية إلى جانب الطلب الاستثماري.
ترقب المرحلة المقبلة
تتجه أنظار المستثمرين خلال الأسابيع المقبلة إلى مسارين رئيسيين؛ الأول يتعلق بمستقبل المحادثات الأميركية الإيرانية وما إذا كانت ستنجح في الوصول إلى اتفاق نهائي خلال الفترة المحددة، والثاني يرتبط بقرارات الاحتياطي الفيدرالي ومسار أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
وفي حال استمرت المؤشرات الإيجابية على الصعيد السياسي، فقد تشهد الأسواق مزيداً من الاستقرار وتراجعاً في علاوات المخاطر الجيوسياسية. أما إذا جاءت البيانات الاقتصادية الأميركية قوية واستمرت الضغوط التضخمية، فقد ترتفع احتمالات تشديد السياسة النقدية بشكل أكبر، وهو ما قد يحد من قدرة الذهب على تحقيق مكاسب كبيرة.
وفي المحصلة، يتحرك الذهب حالياً في بيئة استثنائية تجمع بين انفراجات دبلوماسية مهمة وتوقعات نقدية متشددة. وبينما ساعدت التطورات الإيجابية في سويسرا على انتشال المعدن الأصفر من أدنى مستوياته الأسبوعية، فإن معركة الفائدة الأميركية لا تزال تلقي بظلالها على السوق. ولهذا يبقى الذهب في حالة ترقب دقيقة، بانتظـار مـا ستكشفه الأسابيع المقبلة مـن تطـورات سياسيــة واقتصادية قد تحدد اتجاه الأسعار لبقية العام.