أسواق التنبؤات.. استثمار ذكي أم فقاعة مقنّعة؟
شهدت الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر موجة مضاربة واسعة عبر ما عُرف بـ«البكت شوبس»، وهي متاجر أتاحت لعامة الناس المراهنة على تحركات الأسهم دون امتلاكها فعلياً، ورغم بساطة الدخول إلى هذه السوق، فإنها افتقرت إلى التنظيم واعتمدت على الرافعة المالية، ما جعلها أقرب إلى المقامرة، وانتهت بانفجار فقاعة كلفت المستثمرين خسائر فادحة.
اليوم، وبعد أكثر من قرن، تعود الفكرة بشكل مختلف عبر ما يُعرف بـ«أسواق التنبؤات»، التي تَعِد بفرص ربح من خلال المراهنة على نتائج أحداث مستقبلية، تمتد من السياسة والاقتصاد إلى الرياضة والكوارث الطبيعية. وبينما يبدو المصطلح حديثاً ومنظماً، فإن جوهر النشاط لا يبتعد كثيراً عن رهانات الماضي.
ما هي أسواق التنبؤات
تعمــل منصـات مـثـل Polymarket وKalshi على تمكين المستخدمين من شراء وبيع «أسهم» تمثل احتمالات وقوع حدث معين. فإذا قُدّر احتمـال وقوع حـدث بنسبـة 20 %، يُتداول السهم عند 20 سنتًا، ويصل إلى دولار واحد في حال تحقق الحدث.
ويستفيد المستثمرون من الفارق بين السعر الحالي والتوقعات الشخصية، بينما تحقق المنصات أرباحها من رسوم التداول. كما تتيح هذه الأسواق البيع والشراء في أي وقت قبل وقوع الحدث، ما يمنحها سيولة ومرونة تشبه الأسواق المالية التقليدية.
وتروّج هذه المنصات لنفسها باعتبارها أدوات تحليلية دقيقة، بل وتؤكد أنها قد تتفوق على استطلاعات الرأي التقليدية، إذ تعتمد على مبدأ «ضع مالك خلف توقعك»، ما يعزز نظرياً مصداقية التوقعات.
نمو متسارع وأرقام لافتة
رغم أن فكرة أسواق التنبؤات ليست جديدة، فإنها شهدت انتعاشاً كبيراً خلال جائحة كورونا، مدفوعة بسياسات التحفيز المالي وارتفاع شهية التداول بين الأفراد، وهي الفترة نفسها التي ازدهرت فيها أسهم «الميم» والعملات المشفرة.
وجاءت الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024 لتمنح هذه الأسواق دفعة إضافية، حيث سجلت المنصات تداولات بمليارات الدولارات، وقدّمت مؤشرات مبكرة على فوز دونالد ترامب خلافًا لتوقعات استطلاعات الرأي.
وبلغ حجم التداول السنوي نحو 51 مليار دولار في 2025، قبل أن يتجاوز 60 مليار دولار منذ بداية 2026، وسط توقعات من Bernstein بوصول السوق إلى تريليون دولار بحلول عام 2030، ما يعكس تسارعاً استثنائياً في النمو.
مخاطر هيكلية متزايدة
رغم هذا الزخم، تتزايد المخاوف بشأن المخاطر الكامنة في هذه الأسواق. فالتخفيف النسبي للقيود التنظيمية، خاصة خلال فترات معينة، ساهم في طمس الحدود بين الاستثمار والمقامرة، ما جذب شريحة واسعة من المستثمرين الأفراد الباحثين عن أرباح سريعة.
كما أن ضعف الرقابة يفتح الباب أمام التلاعب، سواء عبر التأثير على الأسعار أو استغلال معلومات داخلية. ورغم خضوع بعض هذه المنصات لإشراف الجهات التنظيمية مثل لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية، فإن الإطار التنظيمي لا يزال غير مكتمل.
وتتشابه هذه الأسواق في بنيتها مع المشتقات المالية، إذ تتيح المراهنة على نتائج مستقبلية، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى الضوابط الصارمة المعمول بها في الأسواق التقليدية.
مخاطر سلوكية وأخلاقية
لا تقتصر المخاطر على الجانب المالي، بل تمتد إلى السلوك الفردي والمجتمعي. إذ يمكن أن تؤدي هذه الأسواق إلى خسائر كاملة لرأس المال، فضلاً عن تعزيز سلوكيات إدمانية، خاصة مع سهولة الوصول وسرعة التداول.
وفي بعض الحالات، قد تشجع طبيعة الرهانات على سلوكيات غير مرغوبة، مثل التوقعات المرتبطة بأحداث عنيفة أو اضطرابات، ما يثير تساؤلات أخلاقية حول طبيعة هذه الأسواق وتأثيرها على الواقع.
الأخطر من ذلك، ظهور مؤشرات على تداولات مبنية على معلومات حساسة أو سرية، وهو ما قد يقوض نزاهة السوق ويحوّلها إلى أداة للمضاربة غير العادلة.
كما حذّرت شركة CertiK من أن النمو السريع لهذه المنصات تجاوز مستوى نضجها الأمني، ما أدى إلى ظهور ثغرات هيكلية قد تتفاقم مع التوسع.
لماذا تتكرر الفقاعات؟
يثير الإقبال الكبير على هذه الأسواق تساؤلات حول أسباب انجذاب المستثمرين، خاصة في الولايات المتحدة، إلى مثل هذه الظواهر. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل، أبرزها «تأثير الثراء»، حيث يؤدي ارتفاع قيمة الأصول إلى زيادة الثقة والإنفاق، إلى جانب الخوف من تفويت الفرص وسلوك القطيع وسهولة الوصول إلى الائتمان.
كما أن الفقاعات غالبًا ما تنشأ في البيئات الاقتصادية المزدهرة، حيث تتوفر السيولة وتزداد الرغبة في المخاطرة، ومن أمستردام في القرن السابع عشر إلى وول ستريت في القرن العشرين، يتكرر النمط ذاته: موجة تفاؤل مفرط تتبعها نهاية مؤلمة.
هل التاريخ يعيد نفسه؟
رغم أن حجم أسواق التنبؤات لا يزال محدوداً مقارنة بالأسواق المالية الكبرى، فإن تسارع نموها والوعود المرتبطة بها يثيران مخاوف من تحولها إلى فقاعة جديدة شبيهة بـ«البكت شوبس».
وإذا ما انهارت هذه السوق، فقد تمتد تداعياتها إلى قطاعات أخرى، خاصة تلك المرتبطة بالمضاربة الرقمية مثل العملات المشفرة.
في النهاية، قد تختلف الأدوات والتقنيات، لكن السلوك البشري يبقى ثابتاً: السعي وراء الثراء السريع، حتى وإن كان الثمن مرتفعاً.