أسواق الطاقة تترقب منعطف المواجهة الكبرى
تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الخميس بعدما اتجه المستثمرون إلى جني الأرباح وإعادة تقييم المخاطر المرتبطة بتصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تزايدت فيه المخاوف من تأثير التطورات الأخيرة على أمن إمدادات الطاقة العالمية وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة النفط في العالم.
وجاء التراجع بعدما نفذت الولايات المتحدة موجة جديدة من الضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنظومات دفاع وصواريخ ساحلية إيرانية، بالتزامن مع إعادة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، الأمر الذي دفع الأسواق إلى مراقبة احتمالات اتساع نطاق المواجهة وانعكاساتها على صادرات النفط من منطقة الخليج.
جني الأرباح
ورغم أن أسعار الخام بدأت الجلسة على ارتفاع للجلسة الرابعة على التوالي، فإن عمليات جني الأرباح ضغطت على السوق مع تزايد حالة الحذر بين المستثمرين، الذين فضلوا الانتظار لمعرفة ما إذا كانت التطورات العسكرية ستتحول إلى تعطيل فعلي لتدفقات النفط أم ستبقى ضمن إطار الضغوط السياسية والعسكرية المتبادلة.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1% لتتداول قرب 84 دولاراً للبرميل بعد أن كانت قد اقتربت من أعلى مستوياتها في شهر خلال بداية التعاملات، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط تراجعاً محدوداً ليستقر بالقرب من 79 دولاراً للبرميل، ليعكس ذلك توازن السوق بين علاوة المخاطر الجيوسياسية وبين عمليات جني الأرباح التي أعقبت موجة الصعود الأخيرة.
ويرى متعاملون أن السوق لا تزال تتفاعل مع الأخبار العسكرية بصورة لحظية، إلا أن المتغير الأكثر تأثيراً يبقى مدى انعكاس تلك التطورات على حركة الإمدادات الفعلية، وليس مجرد التصريحات السياسية أو التهديدات المتبادلة.
مخاطر الإمدادات
وتواصل المخاطر الجيوسياسية تقديم دعم قوي للأسعار، خاصة مع استمرار القلق من احتمال تعطل الإمدادات القادمة من الخليج العربي، الذي يمثل أكبر منطقة مصدرة للنفط في العالم.
وأكدت بريانكا ساشديفا، كبيرة محللي الأسواق لدى «فيليب نوفا»، أن المتعاملين انتقلوا من التركيز على طبيعة التهديدات العسكرية إلى تقييم مدى تأثيرها الحقيقي على تدفقات النفط العالمية، مشيرة إلى أن المستثمرين يراقبون عن كثب ردود الفعل الأميركية والإيرانية خلال الأيام المقبلة باعتبارها العامل الحاسم في اتجاه الأسعار.
وأضافت أن السوق تمر حالياً بمرحلة ترقب أكثر من كونها مرحلة اندفاع شرائي، إذ إن ارتفاع الأسعار خلال الأيام الماضية أدى إلى زيادة عمليات جني الأرباح، بينما ما تزال علاوة المخاطر الجيوسياسية حاضرة بقوة في تسعير النفط.
هرمز يتباطأ
وبرزت حركة الملاحة في مضيق هرمز كأحد أبرز المؤشرات التي تراقبها الأسواق خلال الساعات الماضية، بعدما أظهرت بيانات الشحن انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق عقب إعادة الولايات المتحدة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
وأظهرت بيانات منصة «كبلر» تراجع عدد السفن التي عبرت المضيق إلى سبع سفن فقط مقارنة بثلاث عشرة سفينة في اليوم السابق، وهو ما أعاد إلى الواجهة المخاوف بشأن سلامة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية التي يمر عبرها نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
ويعد مضيق هرمز الحلقة الأهم في منظومة إمدادات الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة العبور ينعكس سريعاً على معنويات الأسواق حتى قبل ظهور تأثير فعلي على حجم الصادرات.
كما أن استمرار انخفاض أعداد السفن قد يدفع شركات الشحن والتأمين إلى رفع تكاليف النقل، وهو ما يضيف ضغوطاً إضافية على أسعار النفط خلال الفترة المقبلة.
جبهات جديدة
وفي الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على مضيق هرمز، حذر محللون من احتمال انتقال التوتر إلى مضيق باب المندب في البحر الأحمر، بعدما أشارت تقارير إلى أن إيران قد تلجأ إلى حلفائها الحوثيين في اليمن لتوسيع نطاق الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها.
ويمثل باب المندب مع مضيق هرمز أهم ممرين بحريين لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب متزامن فيهما قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل والشحن، فضلاً عن زيادة المخاطر على حركة التجارة الدولية.
كما نقلت «رويترز» عن مسؤولين أميركيين أن الضربات الأخيرة قد تكون تمهيداً لعمليات عسكرية أكثر تعقيداً ضد إيران، وهو ما عزز من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية ودفع المستثمرين إلى توخي الحذر.
ويرى محللون أن الأسواق أصبحت تتعامل مع التطورات العسكرية باعتبارها عاملاً مستمراً في تسعير النفط، وليس مجرد أحداث مؤقتة، خاصة مع استمرار تبادل الضغوط بين واشنطن وطهران.
تقديرات الخبراء
وقال هيرويوكي كيكوكاوا، المحلل في «نيسان سكيوريتيز إنفستمنت»، إن استمرار جهود الوساطة الإقليمية يقلل احتمالات اندلاع حرب شاملة، لكنه أشار إلى أن أسعار خام غرب تكساس الوسيط قد ترتفع إلى ما بين 85 و87 دولاراً للبرميل إذا تصاعدت المواجهة العسكرية.
من جانبه، أوضح نائب مدير الشرق الأوسط في «BMI – Fitch Solutions» حمزة الكعود أن الولايات المتحدة وإيران تمارسان ضغوطاً متبادلة عبر مضيق هرمز بهدف تحسين موقعيهما التفاوضيين للوصول إلى اتفاق سياسي.
وأضاف أن علاوة المخاطر الحالية لن تكون كافية لدفع أسعار النفط فوق مستوى 90 دولاراً للبرميل، ما لم تتعرض منشآت الطاقة الرئيسية في إيران أو دول الخليج لاستهداف مباشر يؤدي إلى تعطيل الإنتاج أو الصادرات.
وأشار الكعود أيضاً إلى أن كميات النفط التي عبرت مضيق هرمز خلال فترة الهدنة السابقة لم تكن كافية لإعادة بناء المخزونات العالمية، وهو ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي اضطراب جديد.
كما لفت إلى أن الصين وضعت خططاً احترازية للتعامل مع أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز، في ظل استمرار الضبابية بشأن مستقبل حركة الإمدادات من المنطقة.
الأسواق تترقب مسار المواجهة المقبلة
تدخل أسواق النفط مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستوى الضبابية، إذ لم تعد تراقب فقط حجم الإنتاج أو مستويات الطلب، وإنما أصبحت تتابع التطورات العسكرية والدبلوماسية لحظة بلحظة باعتبارها المحرك الرئيس للأسعار. وبينما تواصل المخاطر الجيوسياسية فرض علاوة على أسعار الخام، يبقى المسار النهائي للأسواق مرهوناً بقدرة الأطراف على احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى تعطيل واسع لإمدادات الطاقة أو إغلاق الممرات البحرية الحيوية، وهو السيناريو الذي قد يعيد رسم خريطة أسعار النفط العالمية خلال الأشهر المقبلة.