أميركا تضيق الخناق على عمالقة التكنولوجيا
بعد سنوات طويلة تمتعت خلالها شركات التكنولوجيا الأميركية بهامش واسع من الحرية التنظيمية، تتزايد المؤشرات على أن العصر الذي استطاع فيه عمالقة القطاع التوسع والابتكار وجمع البيانات وتطوير نماذج أعمالهم دون قيود كبيرة يقترب من نقطة تحول، مع تشكل جبهة ضغط تجمع الرأي العام والولايات والكونغرس والمحاكم ضد النفوذ المتزايد للشركات التكنولوجية الكبرى.
وطوال معظم القرن الحالي، ساعدت البيئة التنظيمية المرنة الولايات المتحدة على بناء بعض أكبر شركات العالم وأكثرها ربحية، وأصبحت التكنولوجيا أحد المحركات الرئيسية لسوق الأسهم والاقتصاد الأميركي. لكن النجاح الاستثنائي للقطاع ترافق مع تصاعد المخاوف بشأن الخصوصية وحماية الأطفال وقوة الخوارزميات، قبل أن يضيف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة وأكثر تعقيداً من القلق الاجتماعي والتنظيمي.
مزاج متغير
أحد أبرز التحولات يتمثل في تغير نظرة الأميركيين إلى التكنولوجيا نفسها، خصوصاً الذكاء الاصطناعي الذي أصبح في الوقت ذاته مصدراً رئيسياً للتفاؤل في الأسواق المالية ومصدراً متزايداً للقلق بين المستهلكين.
ووفقاً لأحدث استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث، يرى 40 % من البالغين الأميركيين أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير سلبي في المجتمع خلال السنوات العشرين المقبلة، مقابل 16 % فقط يتوقعون أن يكون تأثيره إيجابياً.
وتكشف هذه الفجوة عن مشكلة تواجه شركات التكنولوجيا، إذ إن القطاع الذي يستقطب مئات المليارات من الدولارات من الاستثمارات لم ينجح بالقدر نفسه في إقناع الجمهور بأن الفوائد المستقبلية ستتفوق على المخاطر.
وقد أشار الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» مارك زوكربيرغ إلى جانب من المشكلة عندما لفت إلى أن التحذيرات المستمرة من أتمتة الوظائف واختفائها، وصولاً إلى الحديث عن مخاطر وجودية محتملة للذكاء الاصطناعي، تجعل شعور الجمهور بالقلق أمراً غير مستغرب.
رفض محلي
انتقلت المخاوف من استطلاعات الرأي إلى أرض الواقع، وبدأت تظهر مقاومة شعبية لمراكز البيانات العملاقة التي تحتاج إليها الشركات لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وهذه المنشآت تتطلب استثمارات ضخمة وكميات هائلة من الكهرباء والمياه والأراضي، ما يجعل آثارها محسوسة بالنسبة للمجتمعات المحلية التي تستضيفها. وحتى تكساس، التي عملت على استقطاب شركات التكنولوجيا والاستثمارات المرتبطة بها، جمدت الموافقات على مشروعات مراكز البيانات إلى حين مراجعتها.
ويشكل ذلك تحولاً مهماً لأن مراكز البيانات تمثل العمود الفقري لطفرة الذكاء الاصطناعي. وإذا أصبحت الموافقات المحلية أكثر صعوبة، فقد ترتفع تكاليف المشروعات وتتأخر عمليات البناء، وهو ما يمكن أن ينعكس على خطط الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا.
كما قد تصبح قدرة الشركات على الوصول إلى الطاقة والأراضي عاملاً تنظيمياً لا يقل أهمية عن قدرتها على الحصول على الرقائق المتطورة أو التمويل.
تشريعات متسارعة
ويظهر التحول بصورة أكثر وضوحاً على مستوى الولايات الأميركية، حيث دفع الضغط الشعبي السياسيين إلى التحرك سريعاً لتنظيم جوانب متعددة من الذكاء الاصطناعي.
وخلال عام 2025 وحده، تم تمرير 146 قانوناً مرتبطاً بالتكنولوجيا في الولايات الأميركية، تراوحت موضوعاتها بين حماية الأطفال والخصوصية ومكافحة التزييف العميق والتعامل مع التحيز في الخوارزميات.
وتواجه الشركات نتيجة لذلك احتمال ظهور عشرات الأطر القانونية المختلفة، بحيث تعمل كل ولاية وفق قواعدها الخاصة، ما قد يزيد تكاليف الامتثال ويجبر الشركات على تعديل خدماتها ومنتجاتها وفق المنطقة الجغرافية.
وبدفع من شركات التكنولوجيا الكبرى، حاولت إدارة ترامب وقف هذه الموجة عبر فرض تجميد لمدة عشر سنوات على تشريعات الذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات، بهدف منع ظهور خليط متباين من القواعد.
لكن الكونغرس رفض المقترح في موقف نادر جمع الحزبين، في إشارة إلى أن المخاوف المرتبطة بالتكنولوجيا أصبحت تتجاوز الانقسامات السياسية التقليدية.
تحرك فيدرالي
الأكثر أهمية بالنسبة لشركات التكنولوجيا أن الكونغرس لم يكتف برفض منع الولايات من التشريع، بل بدأ يتحرك باتجاه وضع قواعد فيدرالية خاصة به.
ومن بين الملفات المطروحة قضية التسعير القائم على مراقبة سلوك المستهلكين، وهي ممارسة تثير مخاوف بشأن استخدام الشركات للبيانات الشخصية والخوارزميات في تحديد الأسعار التي تعرض على الأفراد.
ورغم قدرة البيت الأبيض على عرقلة بعض هذه المبادرات، فإن مجرد توسع الاهتمام التشريعي يعكس تغيراً كبيراً مقارنة بالسنوات التي كان فيها التنظيم الفيدرالي المحدود يمنح القطاع حرية واسعة.
وقد تجد شركات التكنولوجيا نفسها مستقبلاً أمام مستويين من الرقابة في الوقت نفسه: قواعد فيدرالية عامة وتشريعات محلية أكثر تشدداً في بعض الولايات.
معركة ميتا
المحاكم بدورها تتحول إلى ساحة رئيسية للمواجهة. ففي أوكلاند بولاية كاليفورنيا، بدأت مرافعات محاكمة تاريخية تقاضي فيها نحو 29 ولاية أميركية شركة «ميتا»، متهمة إياها بتصميم خصائص في «فيسبوك» و«إنستغرام» تشجع على الاستخدام الإدماني وتلحق أضراراً بالصحة النفسية للأطفال وتنتهك خصوصيتهم.
وتنفي «ميتا» الاتهامات، إلا أن القضية تتجاوز شركة واحدة، لأنها قد تحدد مدى المسؤولية القانونية التي يمكن تحميلها لمنصات التواصل الاجتماعي عن طريقة تصميم منتجاتها.
وفي السابق، خاضت الجهات التنظيمية الأميركية معارك لمكافحة الاحتكار ضد عمالقة التكنولوجيا دون تحقيق نتائج تتناسب دائماً مع حجم القضايا. وحتى بعدما توصلت محكمة في 2024 إلى أن «جوجل» تدير «احتكاراً غير قانوني»، لم تتبع النتيجة إجراءات عقابية قوية تعيد تشكيل أعمال الشركة بصورة جذرية. لكن الأحكام الأخيرة تشير إلى أن المناخ القضائي ربما أصبح أكثر تشدداً.
غرامات ضخمة
ففي وقت سابق من الشهر الجاري، فرضت محكمة في نيو مكسيكو غرامة إجمالية بقيمة 942 مليون دولار على «ميتا»، إلى جانب إلزامها بتحسين ممارسات السلامة لحماية الأطفال.
ورغم استئناف الشركة الحكم، يتوقع محامون أن يشجع القرار على موجة من الدعاوى المشابهة في ولايات أخرى. وإذا حدث ذلك، فقد تتحول المخاطر القانونية إلى تكلفة مالية وتشغيلية مستمرة، بدلاً من كونها قضايا منفردة تستطيع الشركات التعامل معها بصورة استثنائية.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على الغرامات. فالأكثر تكلفة بالنسبة للشركات قد يكون اضطرارها إلى إعادة تصميم خصائص المنتجات والخوارزميات، أو فرض قيود إضافية على جمع البيانات واستخدامها، أو توفير أدوات حماية أكثر صرامة للمستخدمين الأصغر سناً.
مرحلة جديدة
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تتجه بالضرورة إلى خنق الابتكار التكنولوجي، إذ لا تزال شركاتها تقود الكثير من مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومنصات التواصل. لكن المعادلة التي سمحت للقطاع بالنمو بأقل قدر ممكن من التدخل الحكومي تبدو أقل قابلية للاستمرار.
فالضغط يأتي الآن من اتجاهات متعددة في الوقت نفسه: جمهور أكثر تشككاً، ولايات تسن قوانين جديدة، وكونغرس أكثر استعداداً للتحرك، ومحاكم تبدو أقل تقبلاً لبعض الحجج القانونية التي اعتمد عليها القطاع سابقاً.
وكلما زاد تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف والخصوصية والطاقة والمعلومات، ازدادت صعوبة إقناع صناع القرار بأن السوق قادر بمفرده على التعامل مع التداعيات.
التكنولوجيا تدخل عصر
المحاسبة الأميركية
أمام شركات التكنولوجيا خيار يتجاوز الدفاع عن الوضع القائم في المحاكم والضغط على السياسيين لتقليل القيود. فالتحول الجاري يشير إلى أن تكلفة تجاهل المخاوف الاجتماعية قد تصبح أعلى من تكلفة الاستجابة المبكرة لها. ومع 146 قانوناً جديداً خلال عام واحد، وغرامة تصل إلى 942 مليون دولار، وتحالف 29 ولاية في قضية واحدة، لم تعد المخاطر التنظيمية بنداً هامشياً بالنسبة للمستثمرين. وسيكون على الشركات إثبات قدرتها على حماية الأطفال والخصوصية وتطوير الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر أماناً، وإلا فإن القواعد التي تجنبتها طوال سنوات قد تفرض عليها هذه المرة من المشرعين والمحاكم والجمهور معاً.