أميركا تعيد هندسة اقتصاد الابتكار والعلوم
تستعد الولايات المتحدة لإطلاق واحدة من أكبر عمليات إعادة هيكلة لمنظومة البحث العلمي والابتكار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في خطوة قد تعيد رسم العلاقة بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص، وتؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الاقتصاد العالمي والاستثمارات التقنية خلال العقود المقبلة. فبدلاً من الاعتماد على السياسة النقدية أو التحفيز المالي لقيادة النمو، تتجه واشنطن إلى استخدام السياسة العلمية والتكنولوجية باعتبارها المحرك الرئيسي للإنتاجية والقدرة التنافسية.
ويأتي هذا التحول بعد إعلان البيت الأبيض وثيقة استراتيجية جديدة تحمل عنوان «العصر الذهبي للعلوم»، أعدها مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا مايكل كراتسيوس بتكليف من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتهدف إلى إعادة تنظيم منظومة البحث والتطوير الفيدرالية التي تبلغ قيمتها نحو 200 مليار دولار سنوياً، مع تغيير فلسفة الإنفاق الحكومي على الابتكار بصورة جذرية.
فلسفة جديدة
يقوم التصور الأميركي الجديد على الابتعاد عن النموذج التقليدي الذي يمنح الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الدور الرئيسي في قيادة الأبحاث الأساسية، والانتقال إلى نموذج أكثر ارتباطاً باحتياجات الاقتصاد والصناعة.
فبدلاً من تمويل المشاريع الأكاديمية طويلة الأجل فقط، تدعو الخطة إلى توجيه التمويل بصورة أكبر نحو العلماء والباحثين أنفسهم، من خلال منح مرنة وسريعة تركز على النتائج العملية، وتشجع المشاريع الجريئة ذات الأثر الاقتصادي المباشر.
كما تسعى الإدارة الأميركية إلى تقليص البيروقراطية التي تحيط بتمويل الأبحاث، وتسهيل وصول الباحثين والشركات الناشئة إلى المختبرات الوطنية والبنية التحتية البحثية الممولة حكومياً، بما يسمح بتسريع تحويل الأفكار إلى منتجات وتقنيات قابلة للتسويق.
منافسة الصين
ويضع التقرير المنافسة مع الصين في صلب الاستراتيجية الجديدة، معتبراً أن بكين أصبحت للمرة الأولى منافساً يمتلك قدرات اقتصادية وعلمية تقترب من الولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى أن الصين رفعت استثماراتها في البحث والتطوير بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، مع تركيزها على التقنيات الاستراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة المتقدمة، والطاقة.
ولذلك، تهدف الخطة الأميركية إلى ضمان بقاء الاكتشافات العلمية داخل الاقتصاد الأميركي، ومنع انتقال عوائد الابتكار إلى المنافسين، عبر ربط البحث العلمي مباشرة بالتصنيع والاستثمار والإنتاج المحلي.
كما يدعو التقرير إلى توسيع الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص، في ظل إنفاق الشركات الأميركية نحو 700 مليار دولار سنوياً على البحث والتطوير، وهو ما يزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف الإنفاق الحكومي في هذا المجال.
الذكاء والطاقة
ومن أبرز ملامح الوثيقة الجديدة الربط المباشر بين الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين للاقتصاد الأميركي في المستقبل.
فالتقرير يمنح الطاقة النووية أولوية واضحة، مع غياب شبه كامل للحديث عن النفط والغاز، رغم استمرار الولايات المتحدة كواحدة من أكبر منتجي الطاقة التقليدية في العالم.
وترى الإدارة الأميركية أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستحتاج خلال السنوات المقبلة إلى كميات هائلة من الكهرباء المستقرة، وهو ما يجعل المفاعلات النووية الخيار الأكثر ملاءمة لتلبية هذا الطلب.
ولهذا، تقترح الخطة تقليص الإجراءات التنظيمية، وإلزام هيئة التنظيم النووي بإصدار تراخيص المفاعلات الجديدة خلال مدة لا تتجاوز 18 شهراً، إلى جانب استخدام قانون الإنتاج الدفاعي لتأمين الوقود النووي محلياً، وتوفير ما لا يقل عن خمسة جيجاواط من الطاقة لتغذية البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات.
كما يدعو التقرير إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها لتسريع أبحاث الاندماج النووي، في محاولة لخلق حلقة متكاملة بين الطاقة والتكنولوجيا.
استثمارات وفرص
ويرى اقتصاديون أن الوثيقة الجديدة تحمل انعكاسات كبيرة على المستثمرين، إذ قد تعيد توجيه مليارات الدولارات نحو الشركات العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والحوسبة المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة النووية.
كما يتوقع أن تستفيد الشركات الناشئة من آليات التمويل الجديدة، التي تعتمد على سرعة منح التمويل والتركيز على التطبيقات العملية بدلاً من الأبحاث النظرية طويلة الأجل.
وفي قطاع الرعاية الصحية، يقترح التقرير تسريع إجراءات اعتماد الأدوية عبر الاكتفاء بدراسة سريرية دقيقة واحدة في بعض الحالات، والاستفادة بصورة أكبر من البيانات الصحية الواقعية، بما يسهم في تقليل تكاليف تطوير الأدوية وتسريع وصولها إلى الأسواق.
لكن في المقابل، أثارت الخطة انتقادات واسعة، إذ يرى معارضون أنها قد تقلص دور الجامعات في البحث العلمي، وتزيد من تدخل السلطة التنفيذية في تحديد أولويات المنح البحثية، كما قد تؤثر في التعاون العلمي الدولي، خاصة مع تشديد القيود على مشاركة الباحثين الأجانب في بعض المجالات الحساسة.