تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إصلاحات‭ ‬اقتصادية‭ ‬لمسار‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً

QSF…1333

مع‭ ‬تراجع‭ ‬توقعات‭ ‬السوق‭ ‬بشأن‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمة‭ ‬الرنمينبي،‭ ‬يصبح‭ ‬أمام‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬مجال‭ ‬أكبر‭ ‬لرفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬التضخم‭ ‬واستعادة‭ ‬معدلات‭ ‬الفائدة‭ ‬الحقيقية‭ ‬الموجبة‭. ‬ويمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الخطوة‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تشكل‭ ‬فقاعات‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬والعقارات،‭ ‬وتفادي‭ ‬تكرار‭ ‬بعض‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭.‬
ويحتاج‭ ‬المصرف‭ ‬المركزي‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬مع‭ ‬تخفيف‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬القيود‭ ‬الإدارية‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬حجم‭ ‬الائتمان‭. ‬ولا‭ ‬يتمثل‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة‭ ‬في‭ ‬تعطيل‭ ‬الاستثمار‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬تكلفة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً،‭ ‬وإتاحة‭ ‬المجال‭ ‬لآليات‭ ‬السوق‭ ‬لتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والإنفاق،‭ ‬بما‭ ‬يقلل‭ ‬احتمالات‭ ‬تشكل‭ ‬فقاعات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الأصول‭.‬

تأثير‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬الأسواق

ومع‭ ‬انحسار‭ ‬الفقاعات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬والعقارات‭ ‬الصينية‭ ‬بالفعل،‭ ‬تبدو‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لرفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬محدودة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق،‭ ‬لكنها‭ ‬ستكون‭ ‬أقل‭ ‬حدة‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭ ‬فيها‭ ‬بالفعل‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬بادرت‭ ‬الحكومة‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الأسواق‭ ‬قبل‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة،‭ ‬فقد‭ ‬يصبح‭ ‬رفعها‭ ‬لاحقاً‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬تشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬بعد‭ ‬تعافي‭ ‬الأسهم‭ ‬والعقارات‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬هبوط‭ ‬حاد‭ ‬ومفاجئ‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬
وفي‭ ‬حال‭ ‬قررت‭ ‬الحكومة‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة،‭ ‬فمن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬بأنها‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬للتضخم‭ ‬بدفع‭ ‬معدلات‭ ‬الفائدة‭ ‬الحقيقية‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬السلبية،‭ ‬وأنها‭ ‬ستشجع‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬السوق،‭ ‬مثل‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬السوقية،‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭ ‬الائتمانية‭. ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬ذلك‭ ‬توجيه‭ ‬التمويل‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والأنشطة‭ ‬الأكثر‭ ‬كفاءة،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬الأنشطة‭ ‬الأقل‭ ‬كفاءة‭.‬
وبهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬تستطيع‭ ‬الشركات‭ ‬ذات‭ ‬الأداء‭ ‬القوي‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬وتحمل‭ ‬تكلفة‭ ‬الفائدة‭ ‬المرتفعة،‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬الشركات‭ ‬الأقل‭ ‬كفاءة‭ ‬صعوبة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الائتمان‭. ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬للحكومة‭ ‬استخدام‭ ‬الائتمان‭ ‬لإنقاذ‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتعثرة‭ ‬أو‭ ‬المفلسة،‭ ‬بل‭ ‬يمكنها‭ ‬توجيه‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬إلى‭ ‬العمال‭ ‬الذين‭ ‬يفقدون‭ ‬وظائفهم‭.‬
وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬فارق‭ ‬العائد‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين،‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬احتمال‭ ‬تدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬العائد‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬مستقر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬والفقاعات‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬والعقارات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬احتواء‭ ‬المضاربات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التنظيم‭ ‬المصرفي‭ ‬وإدارة‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭.‬
ومع‭ ‬تطور‭ ‬أسواق‭ ‬الودائع‭ ‬المصرفية‭ ‬وازدياد‭ ‬عمليات‭ ‬التداول‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬فروق‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أدوات‭ ‬الرقابة‭ ‬والتنظيم‭ ‬المصرفي‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يمكن‭ ‬فرض‭ ‬ضريبة‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬العوائد‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬فروق‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتدفقات‭ ‬المضاربية‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬إطلاق‭ ‬برنامج‭ ‬ادخار‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬يحمي‭ ‬المدخرات‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬التضخم‭ ‬عندما‭ ‬يتجاوز‭ ‬مستويات‭ ‬التحذير‭.‬
ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬المضاربات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بفروق‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬تكلفة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬المضاربات‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمة‭ ‬الرنمينبي‭ ‬قد‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬المحلية،‭ ‬وتؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تشوهات‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭.‬

إزالة‭ ‬الضوابط‭ ‬السعرية‭ ‬

ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتزامن‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬مع‭ ‬إصلاحات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الأسعار،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬لتحرير‭ ‬الأسعار‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬تكلفة‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الرئيسية،‭ ‬مثل‭ ‬العمالة‭ ‬والأراضي‭ ‬والطاقة‭ ‬والمياه‭ ‬والمواد‭ ‬الخام،‭ ‬أكثر‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬درجة‭ ‬ندرتها،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تترافق‭ ‬إصلاحات‭ ‬الأسعار‭ ‬مع‭ ‬تطوير‭ ‬نظام‭ ‬الرعاية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬تحميل‭ ‬الفئات‭ ‬الأقل‭ ‬دخلاً‭ ‬أعباء‭ ‬الارتفاعات‭ ‬السعرية‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬التكلفة‭ ‬المباشرة‭ ‬لتقديم‭ ‬دعم‭ ‬مالي‭ ‬للفئات‭ ‬المحتاجة‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬تكلفة‭ ‬الدعم‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬الذي‭ ‬يستفيد‭ ‬منه‭ ‬المستهلكون‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬المصنعة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬نتيجة‭ ‬الضوابط‭ ‬السعرية‭.‬
ومن‭ ‬شأن‭ ‬إزالة‭ ‬الضوابط‭ ‬السعرية‭ ‬أن‭ ‬تؤدي،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى،‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الارتفاع‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬والأجور‭. ‬وسيؤدي‭ ‬هذا‭ ‬التضخم‭ ‬الانتقالي‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تصحيح‭ ‬الاختلالات‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الأسعار‭ ‬المحلية،‭ ‬ودفعها‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الانسجام‭ ‬مع‭ ‬الأسعار‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
وبعد‭ ‬اجتياز‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬يمكن‭ ‬للصين‭ ‬تقليص‭ ‬الدعم‭ ‬الضمني‭ ‬الذي‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬نتيجة‭ ‬انخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬السلع‭ ‬والموارد‭. ‬كما‭ ‬سيؤدي‭ ‬تحرير‭ ‬أسعار‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الرئيسية،‭ ‬مثل‭ ‬النفط‭ ‬والخامات‭ ‬والمياه،‭ ‬إلى‭ ‬ترشيد‭ ‬الطلب‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬استخدامها،‭ ‬إذ‭ ‬تدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬الأعلى‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬الاستهلاك‭ ‬غير‭ ‬الكفؤ‭ ‬لهذه‭ ‬الموارد‭.‬
ويمكن‭ ‬تنفيذ‭ ‬إصلاح‭ ‬منظومة‭ ‬الأسعار‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬الحكومة‭ ‬خطة‭ ‬واضحة‭ ‬لتحرير‭ ‬الأسعار‭ ‬تتضمن‭ ‬جدولاً‭ ‬زمنياً‭ ‬محدداً،‭ ‬بما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬توقعات‭ ‬الأسواق‭ ‬وتحقيق‭ ‬توازن‭ ‬أفضل‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭.‬
ولا‭ ‬يمكن‭ ‬المضي‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬السياسة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وانفتاحها‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تبني‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة،‭ ‬دون‭ ‬إحراز‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬مواءمة‭ ‬الأسعار‭ ‬المحلية‭ ‬مع‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية‭. ‬وتمثل‭ ‬إصلاحات‭ ‬الأسعار،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬قاعدة‭ ‬أساسية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬التدفقات‭ ‬المستقبلية‭ ‬لرؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وعبر‭ ‬الحدود،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يصاحبها‭ ‬من‭ ‬تقلبات‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬وأسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬والعقارات‭.‬

السياسة‭ ‬الاقتصادية

واستناداً‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬أدوات‭ ‬السياسة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكلية،‭ ‬يمكن‭ ‬للصين‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬وتفادي‭ ‬بعض‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭ ‬وغيرها‭. ‬ففي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬لجأت‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬المنخفضة‭ ‬لمعالجة‭ ‬مشكلات‭ ‬اقتصادية‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أهداف‭ ‬النمو‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬وفق‭ ‬الطرح‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬الأصلية‭.‬
وتقدم‭ ‬المقترحات‭ ‬السابقة‭ ‬إطاراً‭ ‬لسياسات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭. ‬أما‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬فيتمثل‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬للسياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭ ‬لتحديد‭ ‬مدى‭ ‬كفاءة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وجدواها‭.‬
ويمكن‭ ‬تلخيص‭ ‬التحدي‭ ‬الرئيسي‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬آليات‭ ‬فعالة‭ ‬ومتوازنة‭ ‬وصديقة‭ ‬للبيئة‭ ‬لتوظيف‭ ‬فائض‭ ‬العمالة‭ ‬ورأس‭ ‬المال،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بناء‭ ‬خطة‭ ‬ونظام‭ ‬مالي‭ ‬وإطار‭ ‬تنظيمي‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً،‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬النمو‭ ‬المستدام‭ ‬ويحسن‭ ‬مستوى‭ ‬الرفاه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بصورة‭ ‬متكاملة‭.‬

التجارب‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التحديث

واجهت‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الثلاثة‭ ‬من‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التحديات،‭ ‬شملت‭ ‬قضايا‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭ ‬والبيئة‭ ‬والطاقة،‭ ‬وهي‭ ‬تحديات‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬خلال‭ ‬مراحل‭ ‬تطورها‭. ‬فالمجتمع‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بناؤه‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬وإنما‭ ‬يتطلب‭ ‬مساراً‭ ‬تدريجياً‭ ‬يمتد‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭.‬
وترى‭ ‬إحدى‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬أن‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬خلال‭ ‬مسيرة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬ارتبط‭ ‬بالتركيز‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الثروة‭ ‬المادية،‭ ‬بما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالجوانب‭ ‬الجماعية‭ ‬والحماية‭ ‬البيئية‭ ‬والتوعية‭ ‬بالرفاه‭ ‬العام‭.‬
ولا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الصين‭ ‬حالياً‭ ‬باعتبارها‭ ‬ظاهرة‭ ‬منفردة،‭ ‬إذ‭ ‬مرت‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬خاضت‭ ‬مسار‭ ‬التحديث،‭ ‬بمراحل‭ ‬مشابهة‭. ‬ولم‭ ‬تصل‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬الحداثة‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬وإنما‭ ‬مرت‭ ‬بعملية‭ ‬طويلة‭ ‬وتدريجية‭.‬
فخلال‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التصنيع‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬حالياً،‭ ‬انصب‭ ‬التركيز‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التقدم‭ ‬المادي‭ ‬وتحسين‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الثروة‭ ‬ترافق‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬مع‭ ‬مشكلات‭ ‬بيئية‭ ‬وصناعية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬وأدى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬الصناعية‭ ‬إلى‭ ‬تدهور‭ ‬ظروف‭ ‬المعيشة‭ ‬وظهور‭ ‬مخاطر‭ ‬تتعلق‭ ‬بسلامة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتلوث‭.‬
وتكشف‭ ‬قراءة‭ ‬الصحف‭ ‬الأميركية‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬200‭ ‬عام‭ ‬والصحف‭ ‬الإنجليزية‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬500‭ ‬عام‭ ‬عن‭ ‬أوجه‭ ‬تشابه‭ ‬لافتة‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تتناولها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الصينية‭ ‬حالياً،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حوادث‭ ‬التعدين‭ ‬والمصانع‭ ‬ومشكلات‭ ‬تلوث‭ ‬الهواء،‭ ‬مثل‭ ‬ضباب‭ ‬لندن،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتصنيع‭ ‬السريع‭.‬
وكما‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة،‭ ‬فإن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬خلال‭ ‬سعي‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬المادي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬اختبرتها‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬مسار‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬ارتبط‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬بتحديات‭ ‬مماثلة‭.‬
وباعتبار‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تخوض‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق،‭ ‬فإن‭ ‬أمامها‭ ‬فرصة‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬وتجنب‭ ‬تكرار‭ ‬أخطائها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬الحالي‭ ‬يتجاوز‭ ‬بكثير‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬متاحاً‭ ‬خلال‭ ‬مراحل‭ ‬التصنيع‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬أدوات‭ ‬أكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬التلوث‭ ‬والتحديات‭ ‬البيئية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تطوير‭ ‬استخدامات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬وتحسين‭ ‬التعليم‭ ‬وتوسيع‭ ‬خدمات‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬يتمثل‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬مواءمة‭ ‬مسار‭ ‬التقدم‭ ‬مع‭ ‬الظروف‭ ‬الخاصة‭ ‬بالصين،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توظيف‭ ‬التطور‭ ‬العلمي‭ ‬والإصلاحات‭ ‬المؤسسية‭ ‬لإدماج‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية،‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬سياسة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مراحلها‭ ‬النهائية،‭ ‬فإن‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التنمية‭ ‬تظل‭ ‬ضرورية‭. ‬ويتطلب‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬التقدم‭ ‬المادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والبيئي‭ ‬وقتاً‭ ‬طويلاً،‭ ‬كما‭ ‬يحتاج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬سوق‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً‭ ‬وتعقيداً،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬من‭ ‬التنمية‭.‬

رجوع لأعلى