إصلاحات اقتصادية لمسار أكثر توازناً
مع تراجع توقعات السوق بشأن ارتفاع قيمة الرنمينبي، يصبح أمام المصرف المركزي مجال أكبر لرفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم واستعادة معدلات الفائدة الحقيقية الموجبة. ويمكن لهذه الخطوة أن تؤدي دوراً مهماً في الحد من تشكل فقاعات في أسواق الأسهم والعقارات، وتفادي تكرار بعض الأخطاء التي شهدتها الولايات المتحدة واليابان.
ويحتاج المصرف المركزي إلى رفع أسعار الفائدة، مع تخفيف الاعتماد على القيود الإدارية المباشرة في إدارة حجم الائتمان. ولا يتمثل الهدف من رفع الفائدة في تعطيل الاستثمار المنتج أو الاستهلاك، وإنما في جعل تكلفة رأس المال أكثر توازناً، وإتاحة المجال لآليات السوق لتحسين كفاءة توجيه الاستثمارات والإنفاق، بما يقلل احتمالات تشكل فقاعات جديدة في أسعار الأصول.
تأثير الفائدة على الأسواق
ومع انحسار الفقاعات التي شهدتها أسواق الأسهم والعقارات الصينية بالفعل، تبدو الظروف الحالية أكثر ملاءمة لرفع أسعار الفائدة، وقد يؤدي ذلك إلى ضغوط محدودة على هذه الأسواق، لكنها ستكون أقل حدة نظراً إلى انخفاض مستويات الأسعار فيها بالفعل. أما إذا بادرت الحكومة إلى إجراءات لإنقاذ الأسواق قبل رفع الفائدة، فقد يصبح رفعها لاحقاً أكثر صعوبة، إذ إن تشديد السياسة النقدية بعد تعافي الأسهم والعقارات قد يؤدي إلى هبوط حاد ومفاجئ في الأسعار.
وفي حال قررت الحكومة رفع أسعار الفائدة بدرجة كبيرة، فمن المهم أن توجه إشارة واضحة إلى الأسواق بأنها لن تسمح للتضخم بدفع معدلات الفائدة الحقيقية إلى المنطقة السلبية، وأنها ستشجع الاعتماد على آليات السوق، مثل أسعار الفائدة السوقية، في تخصيص الموارد الائتمانية. ومن شأن ذلك توجيه التمويل نحو الاستثمارات والأنشطة الأكثر كفاءة، في مقابل الحد من تمويل الأنشطة الأقل كفاءة.
وبهذه الطريقة، تستطيع الشركات ذات الأداء القوي الحصول على التمويل وتحمل تكلفة الفائدة المرتفعة، بينما تواجه الشركات الأقل كفاءة صعوبة أكبر في الحصول على الائتمان. ولا ينبغي للحكومة استخدام الائتمان لإنقاذ المؤسسات المتعثرة أو المفلسة، بل يمكنها توجيه الدعم المالي إلى العمال الذين يفقدون وظائفهم.
وقد يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى اتساع فارق العائد بين الولايات المتحدة والصين، ما يثير احتمال تدفق رؤوس الأموال الباحثة عن العائد. غير أن الحفاظ على سعر صرف مستقر، إلى جانب الحد من التقلبات والفقاعات في أسواق الأسهم والعقارات، يمكن أن يساعد في احتواء المضاربات قصيرة الأجل من خلال التنظيم المصرفي وإدارة حركة رؤوس الأموال عبر الحدود.
ومع تطور أسواق الودائع المصرفية وازدياد عمليات التداول القائمة على فروق أسعار الفائدة عبر الحدود، يمكن التعامل مع هذه التدفقات من خلال أدوات الرقابة والتنظيم المصرفي. فعلى سبيل المثال، يمكن فرض ضريبة خاصة على العوائد الناتجة عن فروق أسعار الفائدة المرتبطة بالتدفقات المضاربية من الخارج، بالتوازي مع إطلاق برنامج ادخار طويل الأجل يحمي المدخرات من آثار التضخم عندما يتجاوز مستويات التحذير.
ومن شأن هذه الإجراءات الحد من تأثير المضاربات المرتبطة بفروق أسعار الفائدة على تكلفة رأس المال في السوق المحلية. وفي المقابل، فإن المضاربات الهادفة إلى تحقيق مكاسب من ارتفاع قيمة الرنمينبي قد تضغط على أسعار الفائدة المحلية، وتؤدي إلى تشوهات في تسعير رأس المال داخل الاقتصاد الصيني.
إزالة الضوابط السعرية
ينبغي أن يتزامن رفع أسعار الفائدة مع إصلاحات أخرى في منظومة الأسعار، إذ يمكن لتحرير الأسعار أن يجعل تكلفة عوامل الإنتاج الرئيسية، مثل العمالة والأراضي والطاقة والمياه والمواد الخام، أكثر تعبيراً عن درجة ندرتها، بما يسهم في تحسين كفاءة تخصيص الموارد.
وفي المقابل، يجب أن تترافق إصلاحات الأسعار مع تطوير نظام الرعاية الاجتماعية، لضمان عدم تحميل الفئات الأقل دخلاً أعباء الارتفاعات السعرية. وقد تكون التكلفة المباشرة لتقديم دعم مالي للفئات المحتاجة أقل بكثير من تكلفة الدعم غير المباشر الذي يستفيد منه المستهلكون حول العالم من خلال انخفاض أسعار السلع المصنعة في الصين نتيجة الضوابط السعرية.
ومن شأن إزالة الضوابط السعرية أن تؤدي، خلال السنوات الأولى، إلى فترة من الارتفاع المستمر في الأسعار والأجور. وسيؤدي هذا التضخم الانتقالي دوراً في تصحيح الاختلالات الكبيرة في منظومة الأسعار المحلية، ودفعها تدريجياً نحو مزيد من الانسجام مع الأسعار السائدة في الأسواق العالمية.
وبعد اجتياز هذه المرحلة، يمكن للصين تقليص الدعم الضمني الذي تستفيد منه الأسواق العالمية نتيجة انخفاض أسعار بعض السلع والموارد. كما سيؤدي تحرير أسعار عوامل الإنتاج الرئيسية، مثل النفط والخامات والمياه، إلى ترشيد الطلب ورفع كفاءة استخدامها، إذ تدفع الأسعار الأعلى إلى تقليل الاستهلاك غير الكفؤ لهذه الموارد.
ويمكن تنفيذ إصلاح منظومة الأسعار بصورة تدريجية، على أن تضع الحكومة خطة واضحة لتحرير الأسعار تتضمن جدولاً زمنياً محدداً، بما يساعد على توجيه توقعات الأسواق وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.
ولا يمكن المضي في إصلاح السياسة الاقتصادية وانفتاحها بصورة أكبر، إلى جانب تبني سعر صرف أكثر مرونة، دون إحراز تقدم في مواءمة الأسعار المحلية مع الأسعار العالمية. وتمثل إصلاحات الأسعار، في هذا السياق، قاعدة أساسية للتعامل مع التدفقات المستقبلية لرؤوس الأموال داخل الاقتصاد وعبر الحدود، وما قد يصاحبها من تقلبات في سعر الصرف وأسواق الأسهم والعقارات.
السياسة الاقتصادية
واستناداً إلى قوة أدوات السياسة الاقتصادية الكلية، يمكن للصين الحد من المخاطر التي قد تنشأ عن هذه التحولات، وتفادي بعض الأخطاء التي شهدتها الولايات المتحدة واليابان وغيرها. ففي الولايات المتحدة، كثيراً ما لجأت الحكومات إلى أسعار الفائدة المنخفضة لمعالجة مشكلات اقتصادية قصيرة الأجل، على حساب أهداف النمو والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، وفق الطرح الوارد في المادة الأصلية.
وتقدم المقترحات السابقة إطاراً لسياسات الاقتصاد الكلي خلال المرحلة المقبلة. أما على المدى الطويل، فيتمثل الهدف الأساسي للسياسات الاقتصادية الصينية في بناء قاعدة أكثر صلابة لتحديد مدى كفاءة الاستثمارات وجدواها.
ويمكن تلخيص التحدي الرئيسي الذي يواجه الاقتصاد الصيني في إيجاد آليات فعالة ومتوازنة وصديقة للبيئة لتوظيف فائض العمالة ورأس المال، إلى جانب بناء خطة ونظام مالي وإطار تنظيمي أكثر استقراراً، بما يدعم النمو المستدام ويحسن مستوى الرفاه الاقتصادي والاجتماعي بصورة متكاملة.
التجارب الغربية في مسار التحديث
واجهت الصين خلال العقود الثلاثة من الإصلاح والانفتاح مجموعة من التحديات، شملت قضايا تخصيص الموارد والبيئة والطاقة، وهي تحديات سبق أن مرت بها الدول الغربية خلال مراحل تطورها. فالمجتمع الحديث لا يمكن بناؤه خلال فترة قصيرة، وإنما يتطلب مساراً تدريجياً يمتد لسنوات طويلة.
وترى إحدى وجهات النظر أن جانباً من المشكلات التي ظهرت خلال مسيرة الإصلاح والانفتاح ارتبط بالتركيز المفرط على تحقيق الثروة المادية، بما أدى إلى تراجع الاهتمام بالجوانب الجماعية والحماية البيئية والتوعية بالرفاه العام.
ولا يمكن النظر إلى التحديات التي تواجهها الصين حالياً باعتبارها ظاهرة منفردة، إذ مرت الدول الغربية المتقدمة، باعتبارها من أوائل المجتمعات التي خاضت مسار التحديث، بمراحل مشابهة. ولم تصل تلك الدول إلى الحداثة دفعة واحدة، وإنما مرت بعملية طويلة وتدريجية.
فخلال المراحل الأولى من التصنيع في إنجلترا والولايات المتحدة، وكذلك في الصين حالياً، انصب التركيز بدرجة كبيرة على تحقيق التقدم المادي وتحسين مستويات المعيشة. غير أن هذا السعي إلى بناء الثروة ترافق في مراحل مختلفة مع مشكلات بيئية وصناعية واجتماعية، وأدى في بعض المدن الصناعية إلى تدهور ظروف المعيشة وظهور مخاطر تتعلق بسلامة الإنتاج والتلوث.
وتكشف قراءة الصحف الأميركية قبل نحو 200 عام والصحف الإنجليزية قبل نحو 500 عام عن أوجه تشابه لافتة مع بعض القضايا التي تتناولها وسائل الإعلام الصينية حالياً، بما في ذلك حوادث التعدين والمصانع ومشكلات تلوث الهواء، مثل ضباب لندن، وغيرها من القضايا المرتبطة بالتصنيع السريع.
وكما سبقت الإشارة، فإن العديد من المشكلات التي ظهرت خلال سعي الصين إلى تحقيق مستويات أعلى من التقدم المادي سبق أن اختبرتها الدول الغربية. ويمكن القول إن مسار التحديث في مختلف الدول ارتبط بدرجات متفاوتة بتحديات مماثلة.
وباعتبار الصين من الاقتصادات التي تخوض هذه المرحلة في وقت لاحق، فإن أمامها فرصة للاستفادة من تجارب الدول الأخرى وتجنب تكرار أخطائها. كما أن التطور التكنولوجي الحالي يتجاوز بكثير ما كان متاحاً خلال مراحل التصنيع الأولى في الغرب، وهو ما يوفر أدوات أكثر تقدماً للتعامل مع التلوث والتحديات البيئية، إلى جانب تطوير استخدامات الطاقة النظيفة وتحسين التعليم وتوسيع خدمات الرعاية الصحية.
وفي ظل هذه الظروف، يتمثل التحدي في كيفية مواءمة مسار التقدم مع الظروف الخاصة بالصين، ولا سيما من خلال توظيف التطور العلمي والإصلاحات المؤسسية لإدماج الأبعاد الاجتماعية والبيئية في مسيرة التنمية، بما يتوافق مع الأهداف التي قامت عليها سياسة الإصلاح والانفتاح.
وفي الوقت نفسه، وبما أن عملية التنمية الاقتصادية لم تصل إلى مراحلها النهائية، فإن الاستفادة من التجارب الدولية في مجال التنمية تظل ضرورية. ويتطلب الجمع بين التقدم المادي والاجتماعي والبيئي وقتاً طويلاً، كما يحتاج الاقتصاد إلى تطوير منظومة سوق أكثر نضجاً وتعقيداً، قادرة على التعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة من التنمية.