مخزونات أميركا تفاجئ النفط بهبوط جديد
تراجعت أسعار النفط، الأربعاء، بعدما أعادت قفزة غير متوقعة في مخزونات الخام الأميركية مخاوف الطلب إلى واجهة السوق، لكن الهبوط ظل محكوماً في المقابل بعلاوة مخاطر مرتفعة، في ظل استمرار الاضطرابات التي تضغط على طرق تصدير رئيسية في الشرق الأوسط، من مضيق هرمز إلى خط الأنابيب السعودي شرق–غرب، بالتزامن مع اضطرابات جديدة في قطاع النفط الليبي.
وانخفضت العقود الآجلـة لخـام برنـت 1.51 دولار، بمـا يعـادل 1.39 %، إلى 107.2 دولارات للبرميل عند الساعة 08:15 بتوقيت غرينتش، فيما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 2.01 دولار، أو 1.90 %، إلى 103.8 دولارات للبرميل، في حركة تصحيحية جاءت بعد مكاسب قوية سجلتها الأسعار في الجلسة السابقة.
مكاسب سابقة
وكان الخامان القياسيان قد أنهيا تعاملات الثلاثاء على ارتفاع تجاوز ثلاثة دولارات للبرميل، بعدما دفعت المخاوف المتعلقة بالإمدادات المتعاملين إلى إضافة علاوة جيوسياسية أكبر إلى الأسعار، ليتحرك الخام عند مستويات مرتفعة تعكس حساسية السوق لأي تطور يمس طرق الشحن أو البنية التحتية للطاقة في المنطقة.
لكن جلسة الأربعاء أظهرت مجدداً أن سوق النفط تتحرك حالياً بين قوتين متعاكستين: الأولى تتمثل في مخاطر الإمدادات الجيوسياسية، والثانية ترتبط بالمؤشرات الفعلية على توازن العرض والطلب، خصوصاً في الولايات المتحدة، أكبر مستهلك للنفط في العالم.
وجاءت بيانات المخزونات لتمنح العامل الثاني ثقلاً أكبر مؤقتاً، بعدما نقلت مصادر في السوق عن أرقام معهد البترول الأميركي أن مخزونات الخام والبنزين والمشتقات النفطية ارتفعت خلال الأسبوع الماضي، وهو ما خالف توقعات السوق وأثار تساؤلات بشأن قوة الطلب وقدرة الاستهلاك على امتصاص الإمدادات المتاحة.
صدمة المخزونات
ووفق بيانات معهد البترول الأميركي، ارتفعت مخزونات الخام 7.1 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في 11 سبتمبر، في مفاجأة كبيرة مقارنة بتوقعات محللين استطلعت «رويترز» آراءهم، وكانت تشير إلى انخفاض المخزونات بنحو 1.6 مليون برميل. ويعني الفارق بين الرقم الفعلي والتوقعات أن السوق واجهت تحولاً يتجاوز 8 ملايين برميل مقارنة بالمسار الذي كان المستثمرون يستعدون له.
وتكتسب المخزونات الأميركية أهمية استثنائية في المرحلة الراهنة، لأن أسعار النفط تجاوزت مستوى 100 دولار للبرميل، ما يجعل المستثمرين أكثر حساسية لأي إشارات على تراجع الاستهلاك أو تراكم الخام. فارتفاع المخزونات يمكن أن يوفر مؤشراً إلى وفرة نسبية في السوق الأميركية، ويحد بالتالي من الأثر الصعودي الفوري للمخاطر الجيوسياسية.
إلا أن هذا العامل لا يلغي حقيقة أن جانب العرض يواجه سلسلة متزامنة من التحديات، وهو ما يفسر بقاء برنت فوق 100 دولار رغم الهبوط المسجل الأربعاء، واستمرار قدرة الأخبار المتعلقة بالممرات البحرية والمنشآت النفطية على تحريك الأسعار بقوة.
مأزق هرمز
ويأتي مضيق هرمز في مقدمة مصادر القلق، بعدما انخفضت حركة سفن نقل السلع عبر الممر المائي الحيوي إلى مستويات شديدة التدني. وأظهرت بيانات تتبع السفن أن حركة العبور ظلت دون متوسط الأيام العشرة السابقة، بعدما تراجعت في عطلة نهاية الأسبوع إلى أقل من عشر رحلات يومياً.
وازداد الوضع حدة الثلاثاء، إذ أظهرت بيانات أولية نشرتها «رويترز» الأربعاء عبور أربع سفن فقط، مقارنة بمتوسط عشرة أيام بلغ 18 سفينة، ولم تكن بينها ناقلات نفط خام عملاقة أو ناقلات للغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، يمكن أن تعبر بعض السفن من دون تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال، ما يعني أن بيانات التتبع لا ترصد بالضرورة كامل الحركة الفعلية.
وتبرز أهمية هذه الأرقام لأن هرمز كان قبل الحرب ممراً لنحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما يجعل أي تراجع حاد ومستمر في الحركة عبره عاملاً مباشراً في إعادة تشكيل تدفقات الطاقة، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة المسافات التي قد تضطر بعض الشحنات إلى قطعها للوصول إلى المشترين.
المسار السعودي
وزادت المخاطر بعدما تعرض خط أنابيب شرق–غرب السعودي لاستهدافات في منطقتي الرياض والمدينة المنورة في 10 سبتمبر، ما أدى إلى إيقافه احترازياً. ويكتسب الخط أهمية مضاعفة في الظروف الحالية، لأنه يتيح نقل الخام من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، وبالتالي يوفر مساراً بديلاً عن مضيق هرمز.
وبحسب «رويترز»، يمتد الخط لنحو 1200 كيلومتر عبر شبه الجزيرة العربية، وكان ينقل خلال الأشهر الأخيرة ما بين 4 و5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 4% إلى 5% من الإمدادات العالمية، بعدما تحول إلى أحد أهم مسارات خروج النفط من المنطقة مع اضطراب الملاحة في هرمز.
وهنا تتضاعف حساسية السوق؛ فالمشكلة لم تعد مرتبطة بممر بحري واحد، بل امتدت إلى أحد أبرز البدائل البرية المستخدمة لتجاوز ذلك الممر. ولذلك ينظر المتعاملون إلى أي تطورات تتعلق بعودة خط شرق–غرب إلى طاقته التشغيلية بوصفها عاملاً أساسياً في تحديد اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة.
جبهة ليبيا
وفي الوقت نفسه، أضيفت ليبيا إلى قائمة مصادر عدم اليقين، بعدما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط تعليق العمليات في ثلاثة حقول، إثر إغلاق محتجين من حرس المنشآت النفطية صماماً على خط أنابيب الحمادة–الزاوية، في أحدث اضطراب يصيب قطاعاً يشكل العمود الفقري للاقتصاد الليبي.
وقال رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان إن إنتاج البلاد لم يتأثر بصورة كبيرة حتى الآن، وظل عند نحو 1.4 مليون برميل يومياً، رغم توقف العمليات في حقول الحمادة والطهارة وNC5، فيما حذرت المؤسسة من أن استمرار الإغلاقات قد يقود إلى إعلان حالة القوة القاهرة.
ورغم محدودية الأثر الفوري على إجمالي الإنتاج، فإن توقيت الاضطرابات يكتسب أهمية خاصة، إذ تأتي في سوق تعاني أصلاً من ضغوط على طرق الإمداد الرئيسية. ومن ثم، فإن أي خسارة إضافية للبراميل الليبية قد تصبح أكثر تأثيراً على الأسعار مما ستكون عليه في ظروف طبيعية تتسم بمرونة أكبر في الإمدادات.
توازن هش
وتكشف تحركات الأسعار خلال جلستي الثلاثاء والأربعاء عن حالة شديدة الحساسية في السوق. فصعود يتجاوز ثلاثة دولارات يمكن أن يعقبه تراجع يقارب 2% بمجرد ظهور رقم أميركي مفاجئ، بينما تبقى مستويات الأسعار نفسها مرتفعة تاريخياً بفعل المخاطر المحيطة بالإمدادات.
وهذا التذبذب يعكس محاولة المستثمرين تسعير متغيرات يصعب التنبؤ بها في وقت واحد: حجم المخزون الأميركي، واستمرار تدفقات الخام عبر هرمز، ومستقبل خط شرق–غرب السعودي، واستقرار الإنتاج الليبي، فضلاً عن قدرة المنتجين الآخرين على تعويض أي نقص فعلي يصل إلى السوق.
وتظل المخزونات الأميركية عاملاً قابلاً للقياس بصورة دورية، بينما يصعب تقدير حجم علاوة المخاطر الجيوسياسية، لأنها لا تعتمد فقط على كمية النفط المتوقفة فعلياً، وإنما أيضاً على احتمالات تعرض المزيد من المنشآت أو طرق النقل للاضطراب، وهو ما يبقي الأسواق عرضة لتحركات حادة مع كل تطور جديد.
معادلة الأسعار
ومن منظور اقتصادي، فإن بقاء النفط فوق 100 دولار يضع المستهلكين والاقتصادات المستوردة للطاقة أمام ضغوط إضافية، خصوصاً إذا استمرت تكاليف الشحن والتأمين عند مستويات مرتفعة. كما أن أسعار الطاقة المرتفعة يمكن أن تغذي الضغوط التضخمية وتؤثر في قرارات السياسة النقدية والنمو العالمي، ما يضيف بدوره عاملاً جديداً إلى معادلة الطلب على الخام.
وفي المقابل، فإن استمرار ارتفاع المخزونات الأميركية قد يمنح الأسعار سقفاً مؤقتاً، خصوصاً إذا تكررت الزيادات وأظهرت البيانات الرسمية ضعفاً في استهلاك المنتجات النفطية. لذلك لن يكون اتجاه السوق رهناً بالإمدادات وحدها، بل بالمقارنة اليومية تقريباً بين حجم البراميل المهددة بالتعطل وحجم النفط المتوافر في مراكز الاستهلاك الرئيسية.